الخميس، 7 يناير 2016

حديث عن الرجل الكهل




على مشارف الستين يقرع  بابها  بدون  وسائل تواصل اجتماعي (بلا فيس بوك ولا تويتر ولا واتس آب)، يكمل كتاب عن الشعر من 3000 صفحة، رأيت جزء كبير منه، كان وقتا مستقطعا من كل ما أشعر به من بعض لحظات الحصار المادي والترقب والتفكير في المستقبل والقلق بشأنه، توقف جريان الزمن، طلبت شاي مغربي، هذه المرة الثانية التي أطلب شاي مغربي وأنا مع هذا الرجل، أصنع طقساً مرتبطا بجلستي معه، سأشاركك عزيزي القاريء بعض النقاط، الرجل لا يقول لي تواضع، أنه يمارسه وأنا أخجل من تبجح الشباب، وأحب الثقة بالنفس وأكره الغرور والاستغناء عن التعلم في لحظات الشباب الحرجة، التواضع مهم، الأمر الثاني هو عدم التقدير الزائد للأشياء، نحن نعلم أن شهادة الماجستير والدكتوراة لا يقصد بكلها الحصول على العلم بل في بعض الأحيان الدرجة الوظيفية وبالنسبة لي قدر أكبر من التفرغ للقراءة بعدها.
طلب مني أن أقلل القراءة بالعربية وأن أهتم بالإنجليزية في سن الشباب قد (تظبط) هذه الملاحظة لكنها بعد فترة لن (تظبط) فحاول أن تتدارك نفسك من الان.
الأدب القديم والمعاصر تجربة وجدانية وخيال خصب وروحانية وتسامي، وفي جزء منه تخفيف من المأزق السياسي بعدم الكلام في الكلام المهم،  وفي جزء من الأدب تخفيف من الثرثرة والكلام العادي، وأنصراف إلى ذوات الناس وأشعارها وغزلها وإلى التجارب المكثفة، وتتبع الكلمة الطيبة وهذه قيمة في حد ذاتها، تصالحت مع حبي للأدب بمعرفتي بهذا الرجل العجوز أنه ينجز قراءته الثالثة للأغاني دون ثرثرة ! الرجل لم يكن حلس أخبار بل هو حلس أدب. أدب قديم على الأخص.
حكى لي أنا وصديقي عبد الرحمن كيف تعلم الألمانية في ألمانيا وهو شاب، وكيف عمل في مطعم الجامعة في غسل الصحون، هناك فواصل لطيفة مثل ذكريات تخص كل منا مع لقطات من السينما، تساؤلات مثل لماذا يكتب إدوارد سعيد عن تحية كاريوكا وبراء أشرف رحمه الله والمسيري عن روبي ولماذا يكتب هو مقالة عنها ايضاً، ضحكنا للنكتة، بدا الرجل الستيني متذكرا ذكريات من أماكن مختلفة بصوت إذاعي مميز من ألمانيا التي تعلم فيها اللغة الألمانية إلى لندن، ثم الدوحة وعمان ورام الله، التنقل بين البلدان خبرة عظيمة وقصص مسلية، الحديث انتقل بخفة بين أول الشعر الشعر الجاهلي والأموي (من المعلقات إلى جرير والفرزدق والمتنبي والبحتري وابن الرومي وأبو تمام  إلى الشعر الحديث البارودي وشوقي وحافظ وإيليا، حكى عن مشروع العمر الذي يشغل معظم وقته حاليا بتقريب 42 شاعرا قديما إلى القاريء المعاصر في لغة سهلة وشرح ميسر وعصارة قريبة من ذوق القاريء المعاصر.
لم يحب الأكاديمية الجافة، فهو مولع بالقصص، يكتب قصص قصيرة يتداولها  مع جماعة من رفاقة، يحاول فيها أن يفكر وهو يحكي قصة، كتب كتابا عن الكتابة لكنه لم يكمله بعد.
ثم تطرق الحديث إلى الكتب السياسية المهمة التي تكتب بغير اللغة العربية، تكلمنا عن بعض الكتب التي يمكن تسميتها بكتب حقيقية، شرح أهمية تكريس الوقت للكتابة، والحشد لها، وعرجنا على فضيلة التركيز، وهذا التركيز هو الذي يفسر به حالة نجاح أم كلثوم، لام الرجل الستيني حياته بأنصاف المواهب ولام الشاب نفسه بأقدامه على الحياة بأنصاف مواهب ايضاً، فلا الشاب راضي عن نفسه، ولا الرجل العجوز راضي عن مجمل حياته، يلتفت وراءه فيرى ريحًا عاتية تسرع نحوه، يحمل معه ريح التغيير والتي تفرض على المرء اكتساب مهارات جديدة.
لدى الرجل خصلة أعدها فضيلة أنه لا يكتب نصوص موضوعية، بل يكتب نصوص موضوعية ذاتية، لا ينقل معلومات باردة بل يحكي تجربة وهذا يرفع بأسهم وقيمة ما يقوم به.
أين ذهبت النصوص الذاتية التي كانت يهتم بها الناس في الأربعينات والخمسينات، في ما كتبه وديع فلسطين فائدة كبيرة عن جيل من الكتاب في المعظم منه كان أدبه تجربة ذاتية خالصة من المازني إلى زكي مبارك إلى طه حسين، قل هذا النوع وقلت الكتابة في فن التراجم،            
الحب مهم في أوقات الشباب، اعتبره  أداة مهمة قد تساعد الشاب على أن يقوم بما يود القيام به، تكلم عنه بعقلانية أداتية، لكنه لاحقا سيحكي عنه بأعتباره الدعامة الوحيدة لزواج قد يستمر أكثر من نصف قرن، الخلاصة نعم قد يستمر الزواج كل هذا العمر أن استمر الحب.
في الختام تذكرت شكل الجلسة التي يفتح فيها سقراط حوار عن الشيخوخة، ويسأل  هل الطريق وعرة أم سهلة؟
ويضع بعض من قلق الشباب والكهولة من الخوف من الشيخوخة، القلق الإنساني الطبيعي الذي يقترب من رغبة الإنسان في التمتع بالحياة، تذكرت نقاش حول مذكرات سومرست موم التي ترجمت بعنوان عصارة الأيام لما استعارها صديق لي وقال أن أحد إيجابيات سيرة موم كان حديثه عن الشيخوخة بشكل جعله يتصالح مع الخوف من الكبر والعجز.

في جمهورية أفلاطون ينزل سقراط على عجوز ويطلب من رجل عجوز أن يخبره بفترة الشيخوخة يبدو أن الإجاية تختلف منذ سقراط إلى سومرست موم في عصارة الأيام، إلى شيخنا العجوز الذي يشغله ويجعل رأسه يعود للخلف محاولة تفسير علاقة الرجل بالمرأة مستعينا بالأدب تارة وبعلم النفس والتجربة الشخصية تارة أخرى، مازال هذا الحضور الأنثوي يشغل ذهنة ويجعله يفكر لماذا نحن بحاجة لهذا الشق الآخر بهذا القدر؟!  ثم يستعيد إجابة صديق له  هل ستتوقف الرغبة؟ يبدو أن الأمر يتحول لضعف القدرة مع عدم توقف الرغبة !
يعاتب الشيخ في جمهورية أفلاطون  سقراط لأنه لا يزوره كثيرا، ويقول قولا لافتاً: أنه كلما ذَوَت ملذات الجسم ارتفع عند الانسان قدر ملذات المحادثة وسحرها، أي أن الشاب اليافع والرجل القوي يميلان للملذات الحسية ، لكن الجسم حين يفقد قوته وطاقة الغرائز فيه يقوى لديه الوعي بقيمة اللغة والحوار.
سقراط يبدأ النقاش بسؤال عن الثروة . هل كيفالوس يجد في الثروة التي جناها مصدرا للراحة والهدوء في شيخوخته؟ ويخبره كيفالوس أن ما يشغله ليس الاستمتاع بالثروة بل التفكير في ..الموت.
هناك خيطاً ما ينظم نقاشات البشر يجعل من القضايا الوجودية حاضرة رغم مسافة التاريخ التي تفصلنا عن لحظة سقراط، تظل الاسئلة قريبة عن المرأة والشيخوخة والثروة والعدالة والموت، كلنا بشر في نهاية الأمر.
لا أكتب ملخصا عن جلسة جلستها مع شخص اعتبره مميز، هذا أفعله فقط في دفتر يومياتي (يعتريني أحياناً شعور مؤرخي الحوليات القديمة الذين قد تظل كتابتهم عما حدث شاهدة عليه على الأقل من وجهة نظري البسيطة في دفتري البسيط)، ويظل السؤال هل تكون الحياة كريمة معك لتشارك فيما يمكن تسميته جلائل الأعمال وتصبح الطفولة ومقدمات الشباب مقدمات وتفسيرات لما حدث، أم يظل كل ذلك تفاعلا داخليا صامتا وحياة اتسمت بخصوبة الخيال وجمال المقروء، دون امتلاك حيز عام يخفف من حدة ذئب الشهرة الذي بداخلي.
في النهاية تذكرت عبارة سومرست موم في سيرته الجميلة "عصارة الأيام" قال
 "في الشباب تمتد السنوات أمام العين متطاولة حتى يصعب على الشاب أن يدرك أنها ستنقضي يوماً ما، وحتى في منتصف العمر من السهل اختلاق المعاذير لتأجيل الأعمال التي ينبغي أن نقوم بها ونحن لا نرغب فيها، لأن أملنا في حياة مديدة أمر طبيعي، ولكن لابد من أن يأتي يوم نحسب فيه للموت حساباً إذ يتساقط معاصرونا هنا وهناك، ونحن نعرف أن كل الناس ميتون، ولكن هذا الأمر يظل أقرب إلى المحاكمة المنطقية حتى نضطر إلى الاعتراف، خلال المجرى الطبيعي للأشياء، أن نهايتها لن تكون بعيدة. ونظرة عرضية على عمود الوفيات، أوحت إلي أن الستين سن غير صحيحة إلى درجة بعيدة"
 سومرست موم في كتابه عصارة الأيام يتحدث عن كتابته سيرته عند بلوغه الستين.

اقتباسات كتبي (7)




·        "لم يعط أحد بعد النبوة أفضل من العلم والفقة في الدين" سفيان بن عيينة
·        "كي تعرف قليلاً عليك أن تقرأ كثيراً" مونتسكيو
·        "الكلمة عمل عظيم" دستوفيسكي
·        "إن من هو ماهر في استخدام المطرقة يميل إلى التفكير أن كل شيء هو مسمار" إبراهام ماسلو
·        "الشباب هو ذلك الجنون الذي يجعلنا نحلم بالأبدية"
·        "عندما نراك نحبك، لكن عندما نحبك أين نراك؟!" على جدار في باريس
·        "الفكرة الجديدة رقيقة، يمكن قتلها بالسخرية أو التثاؤب يمكن طعنها بنكتة أو إقلاقها حتى الموت بعبوسة في الجانب الأيمن" شارلز براور
·        "فجأة لقيتني في عز حياتي، ضاعت مني ثواني كتير" من شعر لأمين حداد
·        "هناك آخر لا يقف إحساسه بالمسئولية عند حدود بيته، بل يتعداه إلى الفئة التي ينتمي إليها، أو وطنه كاملا، هذا النوع هو الذي يتكون منه وقود  الثورات، أو سكان السجون أو الباحثون عن المعرفة" أحمد بهاء الدين
·        "عشنا مع  جيل انقطع عن التراث، وقطع عن العالم وصارت وسيلة اتصاله الوحيدة المترجمات التي ربما كانت قد نقلت عبر لغتين أو ثلاث، وهكذا صار لدينا جيل من الكتاب يقرأ مترجمات سارتر فيصبح وجوديا، ثم يقرأ مترجمات ماركيز فيصبح واقعياً سحرياً، ثم يقرأ وهذه آخر موضة كونديرا فيتناسل كونديرا في كتاباتنا" خيري الذهبي
·        "إنني لا أكتب نقداً بقدر ما أحاول أن أرد الجميل للكاتب الذي أمتعني من خلال كتاباته" علي الراعي عن كتاباته النقدية
·        "الصدق في التعبير عن التجربة الإنسانية هو الأرض المشتركة بينك وبين المتلقي أيا كان" لطيفة الزيات
·        "ها قد اشتريت كتباً وملأرت رفوفا، هل يعني أنك أصبحت عالما؟ إذا أشتريت الآت وترية وقيثاراً  وريشة عازف، فهل تظن أن عالم الموسيقى سيصبح ملك يديك؟!" الشاعر دسيموس من كتاب تاريخ القراءة
·        "جنبوا مجالسنا الحديث عن النساء والطعام" الأحنف بن قيس
·        "العطالة أم كل الرذايل"
·        "كان رابليه يخشى الأجلاف، الذين بسببهم، حسب كلماته كاد ألا يكتب أية كلمة"
·        "إن القصص لا تحدث إلا لمن يعرف كيف يحكيها" بول أوستر
·        كتب ماهر شفيق فريد عن محمد مفيد الشوباشي ثم قال "أما من أحد يتذكره اليوم؟"
·        قال تعالى "وتحبون المال حباً جماً"

·        كنا في دار  "المقتطف والمقطم" التي عملت فيها في باكورة حياتي الصحفية بعد ثلاث سنوات قضيتها في الأقسام الإدارية لجريدة الأهرام، كنا نقيم ندوة أسبوعية في الدار، كان يؤمها كثيرون من الكتاب المصريين والعرب، مما هيأ لي أن أسعد السوانح للتعرف بكثيرين من أعلام الأدب، وكنا نلقاهم في جو ودي ذابت فيه الرتب والألقاب الفخام، فمن الباشاوات الذين زارونا: الشاعر عزيز أباظة باشا، والدكتور منصور فهمي باشا، ومن البكوات: خليل مطران بك، والدكتور محمد صبري السوربوني بك، والشاعر الدكتور إبراهيم ناجي بك، واستقبلنا من أعلام العرب الأمير مصطفى الشهابي، ورئيس وزراء لبنان الأسبق سامي الصلح، والزعيم المغربي علال الفاسي، ورفائيل بطي، ونزار قباني، وعبد الله بلخير، وخليل السكاكيني، وقدري حافظ طوقان، وإبراهيم العريض، وعبد الرازق محي الدين، والمؤرخ اليمني عبد الواسع الواسعي، والشيخ عبد القادر المغربي، ونازك الملائكة، والشاعر اللبناني إلياس خليل زخريا، ومحمد علي الحوماني، وغير هؤلاء كثيرون وديع فلسطين في حوار معه.