الأحد، 26 مارس 2017

عرض لكتاب: (نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟)

عنوان الكتاب: نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟
تأليف: مايكل روس
ترجمة: محمد هيثم نشواتي
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية
سنة النشر: 2014
سعر الكتاب: 12 دولار
عدد الصفحات: 432 صفحة
“أتمنى لو أنكم عثرتم على مياه”,
الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا عند إخباره بأن اتحاد الشركات الأميركية اكتشف النفط في بلاده.
قضية الكتاب تركز حول أثر اكتشاف الموارد الطبيعية الثمينة، ومن أهمها النفط، على كثير من البلدان النامية، وما قد يكون لهذه الاكتشافات من عواقب غريبة ومؤذية على الصعيد السياسي.
هذا الكتاب يوضح أصول هذا الابتلاء وطبيعته، والسبل الممكنة لعلاجه.
المفارقة في ثروة الأمم
يرى المؤلف أنه منذ عام 1980، أضحت بلدان العالم النامي أكثر ثراء وأكثر ديمقراطية وأكثر سلاماً، لكن ذلك لا ينطبق إلا على البلدان التي لا نفط لديها. أما دول النفط فأصبحت في الواقع أسوأ حالاً مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود خلت. مثال ذلك تراجع دخل الفرد في فنزويلا والغابون والعراق، مع معاناة كثير منها من حروب أهلية مثل الجزائر وأنغولا وكولومبيا ونيجيريا والسودان والعراق. لعنة المعادن، وبالأخص النفط، زادت من احتمالات خضوع تلك البلاد إلى الاستبداد ومعاناة الحروب الأهلية، فهي مجتمعات أكثر تكتماً وسرية وأكثر تقلباً من الناحية المادية، وأقل عدالة في الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء.
لم تعان كل الدول التي لديها نفط من هذه الظواهر، فبلدان مثل النرويج وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تملك دخولاً مرتفعة ومؤسسات ديمقراطية راسخة، وتستخرج الكثير من النفط ولا تعاني إلا القليل من التأثيرات السلبية، فالمشكلة تكمن في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. إذن المفارقة تكمن في كون البلدان ذات الاحتياجات الأكثر إلحاحاً هي ذاتها الأقل احتمالاً في الاستفادة من هبتها الجيولوجية.
يجادل المؤلف في الفكرة القائلة إن سبب هذه المشاكل لا يعود إلى التدخلات الأجنبية في البلدان المنتجة للنفط، ويعطي مثالاً بأن الولايات المتحدة كان احتمال غزوها بلاداً لا نفط فيها قائماً على قدم المساواة مع بلاد ينتج فيها النفطـ. وكذلك يضعف من الحجة القائلة بدور شركات النفط الكبرى في البلدان المنتجة للنفط، بل يبين كيف فاقم تأميم الشركات المشكلات بدلاً من حلها. ويضع مايكل روس تفسيراً للعلاقة بين المواطنين والحكومة في الدول المنتجة للنفط، بأنه عندما تُمول الحكومات عبر فرضها ضرائب تصبح أكثر تقيداً من قبل مواطنيها؛ لكن عندما تُمول من عائدات النفط، تصبح أقل عرضة للضغوطات العامة.
في الفصل الثاني حديث عن السمات الاقتصادية لصناعة النفط وتحولها إلى ملكية الحكومات لاحتياطيات النفط والغاز، بسبب طبيعة صناعة النفط التي تحتاج إلى أموال ضخمة يتعين دفعها للاستثمار على التنقيب، والأرباح الضخمة التي يمكن أن يجود بها النفط، والتأثير الضار الذي يمكن أن يلحقه استخراج النفط بأنواع أخرى من التجارة والأعمال. في الستينيات والسبعينيات زادت هذه الخصائص عن طريق ضعف قوة الشركات العالمية، والاتجاه إلى التأميم وظهور منظمة الأوبك، وزيادة قبضة الدول المصدرة للنفط على مصادر النفط، لذلك زادت نقمة الموارد في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين دون غيرها.
ويبين الفصل الثالث كيف أعان حجم عائدات النفط ومصادرها وسريتها الحكومات على الاحتفاظ بالسلطة، وكيف فشلت عائدات النفط في إحداث ضغوط تدفع باتجاه الديمقراطية، مع ملاحظة مفارقة حرص الحكومات غير الديمقراطية على إبقاء أسعار الوقود المحلية منخفضة. تآكلت الديمقراطية واستخدمت الأموال في اللعبة السياسية في بلاد تنتج النفط مثل أذربيجان ونيجيريا وإيران وفنزويلا. في هذا الفصل حديث عن تجربة روسيا بعد الاتحاد السوفيتي، وكيف أطالت عائدات النفط أمد الحكم في الاتحاد السوفيتي عبر زيادة الإنتاج، ويوضح الكاتب أنه بمجرد عودة صناعة النفط الروسية، استعادت عافيتها في عام 2000، وبدأت الديمقراطية في التدهور. وتجربة بوتين مع الشركات الخاصة وإعادة الكثير من العائدات النفطية لخزانة الدولة جعل بوتين يحظى بشعبية، مع فرض قيود على حرية الصحافة.
في الفصل الرابع شرح لكيفية تخفيض الثروة النفطية من الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء. ولتوضيح ذلك يجري مقارنة بين ثلاثة بلدان متشابهة في أمور كثيرة (الجزائر والمغرب وتونس)، واحدة منها فقط (الجزائر) تنتج النفط، وكيف أبطأ النفط عجلة التقدم الاقتصادية والاجتماعية للنساء في الجزائر.
في الفصل الخامس حديث عن زيادة احتمالية الحروب الأهلية في الدول المنتجة للنفط مثل أنغولا وكولومبيا والسودان؛ بسبب رغبة الأقليات المحرومة من حقوقها في مزيد من العائدات النفطية. وفي هذا الفصل حديث عن كولومبيا والكونغو وغينيا الاستوائية، وسرقة النفط في نيجيريا وإندونيسيا (استقلال إقليم آتشية) وجنوب السودان، مؤيداً بإحصائيات تربط بين النفط والصراعات العنيفة.
ينتقل الكاتب في الفصل السادس من الكتاب إلى العناية بالتأثيرات الاقتصادية لعائدات النفط وطريقة إدارة الحكومات لها، مثل الإضرار بالفاعلية الإدارية، وزيادة الفساد، وتقويض سيادة القانون. أما في الفصل السابع والأخير فيعيد المؤلف طرح الرؤية الخاصة بعلاقة الاقتصاد السياسي للأمم مع بيئاتها الطبيعية.
على مدى قرون، أشار فلاسفة غربيون- منهم نيكولو مكيافيللي، والبارون مونتسكيو، وآدم سميث، وجون ستيوارت ميل- إلى أن الأمم تُشكّل بقوة وفق جغرافيتها. وكثيراً ما حاججوا في أن الظروف الجغرافية المؤاتية لها عواقب غير مرغوب فيها. وهذا الكتاب يبين كيف يمكن لسمة جغرافية أخرى- نعمة النفط- أن تؤطر بقوة تقدمه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
يحاجج علماء الاجتماع في أن البلدان تتأثر بشدة بمواقعها في القارات، وبالأمراض البيئية، وبإمكانية الوصول إلى البحر، ويبين الكتاب كيف يمكن أن يتشكل مسار التنمية ضمن ظروف محددة بالثروات الجيولوجية التي تتمتع بها دولة من الدول. ويضم هذا الفصل اقتراحات لكيف يمكن أن تخفف الدول من حدة لعنة النفط عبر تغيير الخصائص المزعجة لعائداتها النفطية.
يمكن ملاحظة أنه أثناء حدوث الطفرات النفطية، يميل قطاع الخدمات في بلد بعينه إلى الازدهار، ويتحول معظم القطاع الخاص إلى قطاع الخدمات، ويمد الاقتصاد بأشياء لا يمكن استيرادها بسهولة مثل خدمات البناء والتشييد، والرعاية الصحية، ومحلات بيع التجزئة، مع الاعتماد على عقود مع الحكومة لبناء مشاريع تُموّلها الدولة، مثل الطرق والجسور والمشافي، وتوفير الخدمات لصناعة النفط، وهكذا تتحول بعض الصناعات (الزراعة والتصنيع) إلى أن تكون أصغر حجماً وأكثر اعتماداً على مساعدات الحكومة
الكتاب مليء بالبيانات والإحصاءات والتحليلات التي تعتمد على الأرقام. هناك محاولة في كل فصل لاعتماد مؤشرات تجمع الكثير من النماذج بناء على مخططات رياضية وجداول.
هكذا يبين مايكل روس في الكتاب كيف يؤثر النفط على الحياة السياسية والاجتماعية، ابتداء من مواطنين يريدون مزيداً من الدخل، وحاكم يريد أن يبقى في السلطة، عبر الطرق التي تؤثر من خلالها إيرادات النفط في الحكومات، ويجعلها أكبر حجماً، وأقل عرضة للمساءلة، ويغلب على المجتمع سيطرة الرجال، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الحرب الأهلية عبر تأثير النفط في المواطنين لا في الدولة.
ثمة علاج واحد يقترحه الكاتب قد ينفع في كل مكان: مزيد من الشفافية في أسلوب جمع العائدات النفطية وإدارتها وإنفاقها.

المشهد التاريخي: كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟

عنوان الكتاب: المشهد التاريخي: كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟
تأليف: جون لويس غاديس.
ترجمة: شكري مجاهد.
سنة النشر: 2016.
عدد الصفحات: 200 صفحة.
سعر الكتاب: 5.5 دولار.
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية.

“بما أن جل الناس يمشون في دروب طرقها غيرهم… فعلى العاقل دائمًا أن يحاكي أكثرهم تفوقًا، فإن لم تمكنه قدراته من بلوغ ما بلغوه، فإنه على الأقل قد اقتفى أثرهم”.
مكيافيللي، الأمير

يقدم جون لويس غاديس رحلة حول عمل المؤرخ، والمنظور التاريخي وكيف يكون مفيدًا. يتحدث عن المشاكل التي قد يعانيها المؤرخ لكي يصل إلى الحقيقة التاريخية، محاولاً تقريب الإجابة على سؤال كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟ وكذلك الجدل القديم حول ما إذا كان التاريخ علمًا، وما أوجه الشبه بين التاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى والعلوم الطبيعية؟
ينقسم الكتاب إلى تصدير وثمانية فصول، والمميز في الكتاب هو طرحه الجذاب وجمعه بين أمثلة مختلفة متنوعة تاريخيًّا. يختار المؤلف لوحة كاسبر ديفيد فريدريش “طواف فوق بحر من الضباب” لكي يعبر بها عن جوهر فهمه للوعي التاريخي، فاللوحة في رأي غاديس استعارة لوقفة المؤرخين، مولين شطر قبلتهم للماضي لا المستقبل، كما يفعل علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة، لكن اللوحة تحدث انطباعات متناقضة، إذ توحي بسيادة الفرد على المشهد في قمة الحافة الصخرية العالية، لكنها توحي أيضًا بضآلة الفرد في آن واحد.
أضف إلى ذلك محاولة الرجل في اللوحة تبين أحداث التاريخ بين الضباب والسديم، لكن دارس الحاضر لا يملك ادعاء امتلاكه فهم الأحداث الجارية مقارنة بالمؤرخ الذي يدرس الماضي، وهذا عائد إلى أن مجال الرؤية اليومية لن يتجاوز نطاق حواسك، أما مؤرخ الماضي فيملك مساحة من الأفق الأوسع، هذا المنظور الأوسع الذي يقدمه التاريخ  يزيد من إدراك الهوية للمؤرخ وللقارئ العادي.
 غاديس يريد أن يجعل المؤرخ في صراع بين صورتين: الشعور بالضآلة، والشعور بالسيادة، فسواء كنت من حاشية أمير  تدرك تفاهة قدرتك على إحداث أثر حاسم في مسار التاريخ، وكذلك لو كنت مؤرخًا قد يصعب عليك الإمساك بكل ما حدث في الماضي. الحل هنا هو تمثل الواقع، أن تتجاوز التفاصيل وتبحث عن الأنساق الكبرى، هذا التمثيل هو الذي يعيد للمؤرخ ثقته أمام الأحداث التاريخية، هذا ما فعله مكيافيللي في كتابه الأمير، تجرأ رجل من الحاشية أن يضع قواعد يحكم بها الأمراء.
كتب مكيافيللي الأمير وقال بلا تواضع مخاطبًا لورينزو دي ميديتشي: “تذكر أنه ليس هناك من هبة أقدمها لك أعظم من أن أمنحك القدرة على أن تفهم، في مدة فترة قصيرة جدًا، كل ما تعلمته وفهمته في سنوات طويلة بعد مشاق كثيرة خضتها ومخاطر”. هذا التكثيف الذي عبر عنه صاحب الأمير هو أحد هدايا الوعي التاريخي.
وبرغم أثر الرؤى ما بعد الحداثية في مجال التاريخ، والتي أسهمت في زيادة الشعور بنسبية كل الأحكام التاريخية، وأشعرت المؤرخ أن الأرض التي يقف عليها لينة القوام، وهو يشرح هذا المعنى بطريقة مميزة فيقول: لن يفيد أميرًا أن نقول له إن الماضي يقدم دروسًا أو إنه في بعض الأحيان لا يقدم دروسًا على الإطلاق، عبر عنها مكيافيللي بقوله: “يستطيع الأمير أن يكسب الناس بطرق عدة، لا يمكن أن نرسي لها قواعد لأن الطرق تختلف باختلاف الظروف”. لكن الطرح العام مازال صالحًا، وهو أن الأمير يجب أن يحرص على ود الناس لأنه لا خير في عداوتهم. هنا لا يعيد التاريخ نفسه، ولا يصبح التاريخ دليلاً إرشاديًّا للمستقبل، بل يكون مجالاً لتكثيف الخبرة بالحاضر، وهذه المعالجة تعيد الثقة لعمل المؤرخ من حالة التفكيك أو التقويض في ما بعد الحداثة.
يستعير أيضًا تشبيه التاريخ بخريطة، ويرد على فكرة ما بعد الحداثة بقوله ليس من الحكمة أن ينكر البحارة وجود الخط الساحلي البريطاني لكوننا لا نستطيع أن نحدد طوله بدقة، ولا من الحكمة أن يقرر المؤرخون أنهم لا يستطيعون أن يعرفوا أي شيء عما حدث في الزمان والمكان؛ لأننا لا نملك أسسًا مطلقة لقياسهما.
هناك الصراع الذي ينشأ لدى المؤرخ في تصوير الأحداث بدقة صارمة وبكتابة تشبه السيناريو والتي تظهر فيها انفعالات الأفراد وأصوات الجنود مع الرغبة في التجريد لاستخلاص ما يمكن أن يكون منطقًا للحدث التاريخي، الأول يشبه الاقتراب بالكاميرا من بطل في فيلم تاريخي، والتجريد يشبه صوت المعلق في نهاية الفيلم مستخلصًا خلاصة القرن.
لذلك يستخدم غاديس بعض الاستعارات الأدبية الجميلة في تشبيه عمل المؤرخ، ففي مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير تسبح فيولا بعد تحطم سفينتها إلى الشاطئ. تحاول أن تصل إلى جزيرة مجهولة تملؤها المخاطر، لكن شكسبير يضع على لسانها عبارة يعتبرها الكاتب صالحة لأن تكون منطلق أي مؤرخ يتأمل المشهد التاريخي، تقول: “أي البلد هذه، يا أصحاب؟”.
في الكتاب تأكيد على الروايات التاريخية التي تكون في الهامش وتساعد على فهم الحدث التاريخي، مثل النصوص التي لم تكتب للتأريخ لحقبة بعينها ثم كانت وثيقة على العصر، وكذلك توضيح لأدوات جديدة لقراءة الحدث التاريخي مثل تاريخ الأمراض، وكيف يمكن التركيز على حدث صغير لفهم الانتقال الكبير الذي حدث في تاريخ بعض الفترات، وكذلك إشارة لمدرسة الحوليات الفرنسية لفرناند برودل، وكيف اهتم في كتابه البحر المتوسط وعالم البحر المتوسط في عصر فيليب الثاني بأن لا يظهر  الملك على مسرح الأحداث قبل تسع مئة صفحة خصصها لمناقشة الجغرافيا والطقس والمحاصيل والحيوانات والاقتصاد والمؤسسات -أي كل شيء عدا الرجل العظيم نفسه-، الذي كان في زمنه مركز الأشياء، لكنه بالتأكيد ليس كذلك في العرض التاريخي.
طريقة العرض لافتة وجذابة، فالمؤلف استعان بالعديد من النصوص خارج مجال التاريخ، سواء من الأدب أو من علوم أخرى كالرياضة والفيزياء، ليقرب بعض المفاهيم في حقل الدراسات التاريخية. كذلك جعل من الكتاب رحلة مشوقة بطرحه أسئلة من قبيل الفرق بين امتلاك آلات الزمن وزيارة الماضي وبين دراسة المؤرخ لحدث ما بأدوات الكتابة التاريخية.
هناك نقاش حول المؤرخ والأحكام الأخلاقية على عصر بعينه أو شخصية تاريخية، ومناقشة لطريقة كتابة السير التاريخية ودعوة المؤلف إلى ما يسميه التقمص، لكنه يعالج قضية تكاد تكون كابوسًا لدى المؤرخين، وهي إدلاء المعاصرين برأيهم ومشاركتهم في الحدث التاريخي، فهم يشعرون بأنهم على علم ببواطن الأمور والأحداث، وكيف لمؤرخ كان طفلاً أثناء تلك الأحداث أن يكتب عنها؟
ركزت فصول الكتاب على كيفية بلوغ المؤرخ حالة الوعي التاريخي، وذلك عن طريق التحكم في الزمان والمكان وأدوات القياس، واستنباط العمليات الماضية من الآثار الباقية أو الرواسب التاريخية، وكذلك ضرورة دخول المؤرخ عقل الشخص الآخر، وعلاقة التاريخ بالعلوم الصلبة.
المؤرخون يتصورون حياة المجتمعات من بقايا العظام، ويحاولون أن يكسوا تلك الأحداث لحمًا لتقرب لنا حياة من سبق، في تأريخهم يحاولون أن يحرروا المجتمعات التي تدعي العظمة، وأن يظهروا صورتهم الفعلية على حقيقتها، مع القيام بواجب كتابة تاريخ المنسيين، من لم يخلفوا كثيرًا من الآثار، ففي الحالتين بث للحياة في جسد الماضي، هذا يتطلب من المؤرخ والقارئ تحررًا من طاغوت الأحكام الواردة من أزمان ماضية، فلا نستطيع أن نعظ من موقعنا الحالي من مضوا. كتب كولينغوود ذات مرة: “إذا شُق على إنسان عبور جبل لأنه يخشى وجود شياطين متخفية، فمن الحماقة أن يحاول المؤرخ وعظه من وراء حاجز من قرون يفصلهما فيقول له: هذا محض خرافة، لا يوجد شياطين على الإطلاق، واجه الحقائق”. ينبغي أن يحذَر المؤرخون الخلط بين مرور الزمن وتراكم المعرفة بأن يفترضوا أننا الآن أذكى عقلًا مما كانوا عليه. ربما نملك معلومات أكثر أو تكنولوجيا أرقى أو وسائل اتصال أسهل. لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا أمهر منهم في استخدام أوراق اللعب التي وقعت في أيدينا. فالمؤرخون الحاذقون يتعاملون مع الماضي بمنطق الماضي، بعدها يفرضون منطقهم. وهم يحذرون ما سماه ستيفن جاي غولد بأفدح الأخطاء التاريخية. وهو “الغطرسة بإصدار أحكام على أسلافنا على ضوء معرفة حديثة لم تكن قطعًا متوفرة لديهم”.
الكتاب في جوهره تقديم عرفان لمن رحل من الباحثين والمؤرخين مثل مارك بلوخ وإ.ه كار، مع محاولة إجراء بعض التحديث حول منهجية المؤرخ مع محاولته تشجيع المؤرخين على جعل مناهجهم أكثر وضوحًا للناس، ورحلة حول عمل المؤرخ من مؤرخ له كتابات حول الحرب الباردة، مثل السلام الطويل وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.