الجمعة، 16 فبراير 2018

الخصم والحكم: الروائي كناقد أدبي



"نحن مدينون لكتاب الرواية  أساساً في معرفتنا الصميمة بالحياة المدينية المعاصرة"
روبرت بارك


قد يحكي الروائي قصته عبر الكتابة فقط، دون أن يقدم تفسيراً، وعلى وجهه ابتسامة المتنبي وهو يقول "ويَسْهَـرُ الخَلْقُ جَــرَّاها ويَخْتَصِمُ"، ومثال ذلك في ذهني "نجيب محفوظ" الذي لا يحكي لأحد عن حبكات رواياته حتى أقرب الناس له زوجته وأصحابه، لكنه ينساب بحكي منهمر على الورق، ولا ينشغل بالتنظير حول فن الرواية وأنواعها.
صيادو الذاكرة
هناك نوع آخر من الروائيين اهتم بفن الرواية وحاول أن يقدم إما تفسيرا لأعمال أدبية لآخرين أو تحليل لما كتبه هو نفسه، مثال ذلك الكتابات النقدية للراحلة رضوى عاشور فقد نشرت لها دار الشروق كتاب "في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة" والذي يحتوي على بعض أبحاثها النقدية ومن ضمنها دراسة مميزة تقارن فيها ثلاثية نجيب محفوظ وأعمال الكاتب إبراهيم أصلان وتركز على علاقة كل منهم بالتاريخ حيث تتسم في حالة محفوظ بقدر من الثقة والإطمئنان مصدرها أن الأرضية التي يتحرك فيها محفوظ وجيله قوية والمتغيرات الاجتماعية محكومة وليست عشوائية ولا متسارعة أما جيل أصلان فعلاقتهم بالتاريخ إشكالية وواقعهم الاجتماعي مرتبك يفتقد المنطق ويفرض عليهم الوحدة والاغتراب على شخصياتهم وتدعوهم للشك والارتياب، ولم تكتفي رضوى بهذه الدراسة فهناك دراستها عن الشدياق بعنوان "الحداثة الممكنة" وروايته "الساق على الساق"، فضلاً عن شهادتها على كتابتها والتي ضمتها لرواية سراج، وهي تحاول أن تشرح سؤال الكتابة.
الوصايا المغدورة
وهناك أعمال أخرى شارك فيها روائيين في النقد الأدبي مشاركة مهمة مثل كتابات ميلان كونديرا في ثلاثيته والتي صدرت عن المركز القومي للترجمة في مجلد ضخم، يضم كتاب "فن الرواية والوصايا المغدورة و الستار"، والذي قام فيه كونديرا بتحليل العديد من الروايات وتوضيح فهمه لفن الرواية، وتعلمت منه الجرأة على نقد رواية جورج أورويل 1984، بعد قراءة نقد كونديرا لها، فحبنا للعمل الأدبي يجعلنا نتجاهل عيوبة، وكتاب كونديرا يحتوي على تحليل لروايات الأخرين ورواياته وشرح لبنائها الداخلي، وكونديرا يسرد تاريخ الرواية الأوربية والأفق الذي قامت به الرواية في لحظة بلزاك مثلاً فيقول :"لم يعد زمن بلزاك يعرف العطالة السعيدة التي عرفها سيرفانتس وديدرو ، بل إن أبطاله محمولون في قطار يدعى التاريخ" ، وعبارته تلك تذكرنا بعبارة انجلز عن روايات بلزاك والتي كان يرى فيها أصدق تمثيل لوجه البرجوازية وأحوال المجتمع الفرنسي في تلك الفترة .

وكونديرا يقرأ أعمال "كافكا" وعلاقتها بحركة التاريخ ، والتي تحاول أن تتجاوز قراءة العمل الأدبي في سياق النقد الأدبي ، وتجره إلى حقول معرفية أخرى، فالقوة الخارقة للمجتمع وتقلص دور الفرد في التمرد على تقاليد وقوانين الدولة الحديثة يجعل روايات "كافكا" أفضل من مئات الدراسات الأكاديمية الباردة في فهم طبيعة مشاكل الإنسان في مستهل بداية القرن العشرين . فموضوع الحرب مثلاً لدى هوميروس وتولستوى يمتلك معنى واضحاً كل الوضوح ، فقد كان الناس يتقاتلون من أجل هيلين الجميلة أو من أجل روسيا، لكن شيفيك بطل إحدى الروايات المعاصرة يتجه هو ورفاقه إلى الجبهة دون أن يعرفوا : لماذا ؟ وما يصدمنا أكثر : دون أن يهتموا بذلك !  كما يستشهد بعبارة هيرمان بروخ : "ما لا يمكن سوى للرواية وحدها أن تكتشفه " .
أساتذة اليأس
ومن الأديبات نانسي هيوستن والتي نشرت العديد من الروايات منها رواية "خطوط الصدع"، لكن نانسي تبتعد عن الرواية وتكتب دراسة ناقدة بعنوان "أساتذة اليأس: النزعة العدمية في الأدب الأوربي" والتي قدمت فيها قراءة للعديد من الأدباء والفلاسفة من شوبنهاور بابا عدم كما أطلقت عليه متهكمة وانتقالا إلى إيميل سيوران وميلان كونديرا، ودراسة نانسي هيوستن فيها تحليل أدبي للعديد من كتابات المفكرين الذي اتسمت رواياتهم بالعدمية.
مصر في قصص كتابها المعاصرين
أما الكتاب الذي طالما غبط مؤلفة فهو كتاب الروائي محمد جبريل، فقد وضع قلم الحكي، ويكتب كتابة نقدية مميزة في كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين" والذي خرج في ثلاثة مجلدات يشغل الجزء الأول والثاني أربعة مجلدات تتبع فيها علاقة الرواية المصرية بالتاريخ وأحداثه، وحاول أن يبحث عن حقائق التاريخ في أحداث الروايات، فمحمد جبريل الروائي يتحول هنا إلى باحث في علم اجتماع الأدب وقارئ للتاريخ ، أن هذا الكتاب قد حملق في وجه مصر وتجرأ ونظر إليها بعينين اثنتين : عين المؤرخ وعين الأديب ، فما أروع هذه الرؤية !
اعترافات روائي عجوز
وهناك تجربة أمبرتو إيكو الذي اتجه لكتابة الرواية في مرحلة لاحقة من حياته بعد كتابته العديد من الكتب في مجال فلسفة اللغة والسيمياء، وينشر روايات في عمر الخمسين  عندما قرّر نشر ما يكتب فكانت رواية «اسم الوردة» عام 1978، ثم نشر العديد من الروايات، لكنه يصدر كتاب في النقد بعنوان "اعترافات روائي ناشيء" و كتاب "آليات الكتابة السردية"، وكتاب "6 نزهات في غابة السرد" أنه ككاتب روائي يشارك في عملية تفسير رواياته وبنائها فضلا عن تحليل فن الرواية بشكل عام.
رسائل إلى روائي شاب
قد يكتب الروائي نصائح في فن الرواية كما كتب ماريو بارجاس يوسا "رسائله إلى روائي شاب"، أو كما فعل ماركيز في كتابة "كيف تحكي حكاية؟" أو يخصص كتاب كامل لمناقشة كتابات روائي آخر يكن له الاحترام والتقدير كما فعل أندريه جيد في كتابه عن "دستويفسكي"، أو هنري ميللر في كتابة عن  الروائي د.ه. لورنس، والذي أطلق عليه "عالم لورنس..تقدير حار" ، ولدينا نموذج كتابة ستيفان زفايج الروائي وصاحب السيرة الذاتية المتتعة "عالم الأمس" والذي كتب عن الروائيين في كتابة "بناة العالم" والذي تحدث فيه عن دستويفسكي، وتولستوي، وستندال، وبلزاك، وديكنز، وهناك الدراسات التي كتبها الروائي هنري ترويا والتي ترجم منها إلى العربية عدة كتب من ضمنها: "جوجول: سيرة نفس ممزقة" وكتاب "دستويفسكي: حياته وعالمه"، وكتاب عن الكاتب "تشيكوف".
وتجربة مكسيم جوركي الروائي الروسي في كتابه "صور أدبية" الذي لا يتحدث فيه عن الروايات بقدر تحدثه عن أقرانه وجيله من المؤلفين مثل تشيكوف و تولستوي. ويصف فيه جوركي جلسة تولستوي وقد رآه ذات يوم جالسًا أمام البحر:
    "كان هناك ورأسه بين كفيه، وكانت الريح تخلل بين شعيرات لحيته الفضية، وكان ينظر إلى الأمواج من بعيد، والموجات الزمردية آتية تتدحرج تحت قدميه وكأنها تريد أن تسر للعجوز الساحر بشيء. كان يشبه صخرة دهرية دبت فيها الحياة، وعرفت بداية كل شيء ونهايته بعد البحث والتدقيق، وهي تعلم (الصخرة الحية) متى وكيف تنتهي الصخور وأعشاب الأرض ومياه البحر والكون أجمع، ابتداء من حبة الرمل وانتهاء بالشمس، والبحر جزء من روحه، وكل ما حوله يأتي به ومنه. وفي سكون تأمل الرجل العجوز شعرت بشيء من قدرية السحر، وأعجز عن التعبير بكلمات عما أحسست به في تلك اللحظة مما لم يخطر ببالي قط، كان قلبي مغمورًا بالفرح والخوف، ثم امتزج كل شيء في شعور واحد من الهناءة: لن أكون يتيمًا على هذه الأرض ما دام هذا الرجل يعيش عليها" ويبتعد غوركي على أطراف قدميه لئلا يحدث الرمل حطيط؟ تحت عقبيه وحتى لا يعكر على العجوز صفو تفكيره".
وتحليل الروائي توماس مان لشخصية دستويفسكي والذي كتبه كمقدمة لكتاب يضم 6 روايات لفيودور دستويفسكي، ففي عام ١٩٤٥م طلبت مطابع ديال من توماس مان أن يكتب مقدمة لمجلد يضم ٦ روايات قصيرة لدوستويفسكي وهي: المقامر، مذكرات من تحت الأرض (في قبوي)، حلم العم، الزوج الأبدي، المثل، وصديق العائلة (قرية ستيپانتشكوڤو وسكانها). وكان عنوان المقدمة (دوستويفسكي – بإيجاز)، ويشرح فيه توماس مان لماذا تجاهل الكتابة عن دستويفسكي وهو الذي ألف كتاب عن تولستوي وجوته. (دوستويفسكي بإيجاز – توماس مان/ترجمة: سلمان العواشز، موقع حكمة)
الروائي الساذج والروائي الحساس
قدم أورهان باموق الروائي التركي والحاصل على جائزة نوبل معالجة لقضايا القراءة والكتابة في عدة كتب من ضمنها كتاب "ألوان آخرى" الصادر عن دار الشروق، والذي تناول فيه الحديث عن بعض الروائيين مثل فيكتور هوجو ودستويفسكي وروايات الكاتب الروسي نابوكوف، وألبير كامو، وماريو فارجاس يوسا، ويتحدث فيه عن روايته "اسمي أحمر"، أورهان باموق قاريء منتظم للأدب ولفن الرواية فهو لكي يشعر بالسعادة يتناول جرعته اليومية من الأدب، وفي كتابه الصادر عن دار الجمل بعنوان "الروائي الساذج والروائي الحساس" والذي يتكون من محاضرات ألقاها عن فن الرواية في جامعة هارفارد عام 2009، والذي يحكي فيه أنه يقرأ الروايات منذ أربعين عام، وخلال فترة معينة من شبابه سخر نفسه تماماً لقراءة الرواية، من عمر الثامنة عشرة إلى عمر الثلاثين، ويصف لنا باموق كيف يتبدل عالمه الواقعي لعالم من صنع الرواية وهو يستمر في القراءة صفحة بعد صفحة منفصلا عن عالمه الواقعي إلى عالم آخر من صنع القصة والحكاية، ثم يستمر في وصف كيف تعمل عقولنا بكل نشاط كلما تعمقنا في قراءة الرواية، وعنوان كتاب باموق يستمد اسمه من مقالة لفريدريك شيلر بعنوان "عن الشعر الساذج والحساس" ويقدم باموق تفريق بين نوعين من مؤلفي الروايات الساذج والحساس وهذا التفريق يشمل القراء أيضاً، فالنوع الساذج أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية لكتابة وقراءة الرواية، والنوع الحساس لوصف الإحساس المعاكس تماماً: هم القراء والكتاب المفتونون بتصنع النص وعجزه في تحقيق الواقع، والذين يولون اهتماما كبيراً للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا عندما نقرأ، ويرى باموق أن على الروائي أن يجمع بين السذاجة والحساسية في نفس الوقت، والكتاب يضم تحليل لباموق لكثير من قضايا فن الرواية، مثل هل تعتبر الرواية وجه من وجوه السيرة الذاتية لمؤلفها، وفي هذا الصدد يقدم مناقشة حول روايته "متحف البراءة" والتي طالما اعتبره القراء قريبا ووجه من وجوه بطلها كمال.
كتابة الروائي في فن النقد الأدبي هي ثراء وهي معالجة من الفنان لفنه ولفنون الآخرين، فتارة يحاول أن يبدع عمل أدبي خالص متعدد التأويلات، وتارة يريد التحليل وفهم بناء وكتابات الآخرين، شارحا ما أعجبه وما نقم منه، فن الرواية ومنذ أن كتب عيسى المويلحي في كتابه "حديث ابن هشام" عبارته قرب نهاية القرن التاسع عشر "والناس اليوم في حركة لا شرقية ولا غربية" ومازالت الرواية تبحث عن حركة الناس وقصصهم.

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

النخبة المصرية في الجراند أوتيل


شاهدت أجزاء من المسلسل المصري جراند أوتيل، المسلسل تجري أحداثه عام 1950 في مدينة أسوان، حيث يصور النخبة المصرية في المشتى على ضفاف النيل، تدور الأحداث داخل الفندق، وبرغم أن هذه الفكرة تم عرضها بلغات مختلفة وبنسخ مختلفة إلا أن السيناريست تامر حبيب قام بتمصير المسلسل، لكن هذا التمصير وقلم تامر حبيب لم يستطع أن يخلو من ثغرات، وبرغم أن المسلسل ينتمي للفئة الدرامية ولا يقدم تأريخا للمرحلة، إلا أنه يقدم صورة  غير مباشرة لحياة المجتمع ولتاريخ الناس في فترة ما. وهي ما قبل ثورة يوليو.
التشتية خارج التاريخ
يقضي الاستغراق في دراسة جماعة أو حزب أو طائفة إلى خطر عزلها عن مجريات الأحداث حولها بأعتبارها جماعة متفردة وغير متفاعلة، هذا ما لاحظته وأنا أتابع صورة من صور النخبة المصرية ففي المسلسل نوع من العزل، بما يمكن أن نسميه التشتية خارج التاريخ، لا يوجد حضور للتاريخ في المسلسل، بحيث يغدو التاريخ ديكور جمالي يتم الاستعانة به لإكمال عملية الحنين، هنا حنين للأزياء والسيارات ونوع الملابس، وأناقة الأربعينات وأجواء من حفلات الارستقراطية، لكنها بلا لحم ودم والأهم من ذلك بلا تاريخ، وأقصد بذلك فصلها عن سياقها التاريخي من الملكية والقصر والديوان إلى صراع الأحزاب، أو حرب 1948، أو حتى المظلومية الاجتماعية التي كانت تغلي قبل انقلاب يوليو، فأسوان وحدها والتي تجري فيها الأحداث كانت مقسمة بين 13 شخص يمتلكون 51 % من الأراضي.
يستمر عملية فصل الأبطال والنخبة والباشوات عن عالم القاهرة الذي يموج بصراعات تنتهي بحريق القاهرة، ولا يوجد في النص أي إشارة تاريخية لحياة هذا البلد الذي لا ينشغل أبطاله إلا الفندق وما يجري فيه من مؤامرات وتحاك فيه من دسائس، إن إغفال اللحظة التاريخية لا يكمل الصورة، ويتجاهل المسلسل انحلال هذه النخبة واستشعار بعض الشخصيات موجة من التغيرات الاجتماعية قادمة ظهرت بوادرها في نهاية الأربعينات، ففي عام 1948 نقل عن الشمسي باشا قولة "إني أنظر إلى المستقبل في تشاؤم، فالبلاد تغلي بالسخط، والطبقة التي انتمى إليها تتدهور دون أن تدرك تدهورها، إنها طبقة مترهلة والملك مستهتر".وعبر عن ذات الفكرة عضور مجلس الشيوخ محمد خطاب بك.
حتى النزعات الفكرية التي تصارع في المجتمع يتم إخفائها، فلا يوجد مثال على شخص ذو منزع إسلامي لهذا التيار الذي بدأ هذه الفترة، ولا يظهر لنا أي أشخاص ممتعض من مظلومية اجتماعية أو سياسية أو حنق على تقسيم الأراضي والحياة السياسية المتعثرة، أن الأبطال يتصارعوا في حدود ضيقة عبر بوابات الفندق لكن البلد والخلفية غائمة بلا صورة حقيقة لها، وبرغم أن عام 1951 شهد دعوات إلى إلغاء معاهدة 1936 شارك في هذه الاجتماعات الجزب الوطني، وحزب الفلاح، وحركة أنصار السلام، وبعض المجموعات الشيوعية، وجماعة الأخوان المسلمين، ويتجاهل المسلسل أو لا يهتم بوضع الأحداث داخل جو تاريخي، ففي عام 1950 شهدت البلاد مجموعة من الاضرابات  وصلت إلى 49 إضرابا، وفي عام 1950 أضرب حتى موظفو الحكومة وقد نظم الاضراب نقابات العاملين بالحكومة، وكونستبلات البوليس والأطباء في المستشفيات الحكومية.
الزمالك حي النخبة
تظهر في المسلسل شخصية فخر هانم والتي تعتز بانتمائها إلى حي الزمالك الراقي، وتتعجب من إدعاء أحد الشخصيات كونه من نفس الحي لاختلاف هيئته عن هيئة الباشاوات والهوانم، هذه النقطة حدثت مع انزياح النخبة العليا من الطبقة الحاكمة إلى هذا الحي، خصوصا مع بدء المباني الحضرية قريبا من قصر الجزيرة الذي بناه الخديوي إسماعيل لاستضافة الإمبراطورة أوجيني، ثم تم تقسيمه بعد ذلك، وامتلك جزءا منه آل لطف الله السوريين، وفي العقدين الأولين كان ساكنو الجزيرة في قلب الزمالك هم حصرا من كبار المديرين الأجانب والمسؤلين الاستعماريين مثل (المدير العام لحسابات الدولة، والمدير العام للضرائب، ومحافظ البنك الأهلي المصري، وقضاة المحاكم المختلطة، مفتشو المالية ومفتشو الري والمستشارون) وأعضاء من الأسرة المالكة مثل الأميرة فاطمة فاضل والأميرة نازلي حليم، وشخصيات مهمة من نخبة التجار مثل أصلان قطاوي وجوزيف شيكوريل، وكان الزمالك أيضا هو الحي الذي احتوى على أكبر عدد من النوادي: نادي الجزيرة الرياضي، والتيرف كلوب، والنادي الأهلي الرياضي، ونادي الضباط، والنادي المختلط، ونادي الاتحاد الإنجليزي المصري. واستمر الحي في فتح أبوابه لكبار الملاك ليصبح أحد أحياء الطبقة المترفة، وبرغم وجود المصريين إلا أن معظم المحلات والمخازن في هذه المنطقة يملكها أجانب، هناك تجاهل في المسلسل لحضور الأجانب سواء في أحياء القاهرة أو في الفندق والحياة في أسوان.
البلدي والأفرنجي
ظهر في هذه الفترة نوع من التراتيب التي تربط بين أسلوب الحياة المتدني بأعتباره بلدي، وأسلوب الحياة الارستقراطي بأنه أفرنجي، هذا التمايز وصلت حدته إلى وجود النجارون والكواءون الإفرنجي مقابل النجارين والكوائين العربي، بل هناك تمايز في المحامون الشرعيون مقابل المحامين المدنين أمام المحاكم المختلطة، بل إن وصف الرومي أي الأوربي أصبح يميز بعض أنواع القطط والكلاب الأليفة التي تستحق وضعها في البيت، اما الأنواع البلدي المختلفة  لا تعد جديرة بهذه الصفة، وهكذا انقسمت المدينة بين بلدي بسيط ويرتبط بالخشونة والفقر وقلة الذوق، وافرنجي مولع بالأشياء الأجنبية ومترف ولديه ذوق راقي، لكن الطبقة الوسطى تحاول الركض لتقليد الطبقة المترفة والنخبة العليا فيظهر نموذج مشوه للنموذج الأصلي، وتظهر محلات تلبي رغبات الأفندية ك "أفيرينو وصيدناوي وأروزدي" وفي مقابل النوادي الأهلية للنخبة تظهر صالات أرخص في الجوار، أو دار من دور السينما التي ازدهرت في تلك الفترة.

إقليم أسوان برواية العقاد
ولد عباس محمود العقاد في أسوان، وعاش بها في طفولته وذكرها في سيرته الذاتية "أنا" ورغم أنه ولد عام 1889، إلا أنه يقدم صورة للمدينة تقربها لنا، فهي مدينة يلتقى فيها التجديد مع روح القديم، روح أسوان الحديثة التي نشأ بها العقاد والتي تعلم من عراقتها وقدمها  مع حداثتها النسبية بسبب قدوم الأجانب إليها وتحولها لمدينة أوربية في الشتاء، يقول العقاد "أوربا كلها كانت تتراءى هناك كل شيء بملاهيها، وأزيائها، وعادتها، ومؤلفاتها، وفنونها، واختلاف أقوامها"  حتى أن أحد السياح الأجانب أهداه ترجمة للقرآن الكريم وكتاب توماس كارلايل عن الثورة الفرنسية، وكان والده أمينا للمحفوظات بإقليم أسوان، وكانت أسوان خارجة من القلاقل الجسام «للمحفوظات» والتي نتجت بعد حرب الدراويش وصراع الإنجليز مع المهدية في السودان، ومعظم أبناء المدينة الأغنياء كانوا يتجرون هناك، فأنقطعوا هناك بعد قطع خطوط المواصلات، وذهبت الكثير من الوثائق بدار المحفوظات، وذكر العقاد أن والده لو شاء أن يشارك في عمليات التلاعب التي نتجت عن غياب حجج الملكية والوثائق لاستفاد من هذا الأمر لكن والده لم يفعل ذلك، والقصة التي يذكرها العقاد عن زجر والده لأخيه خوفا أن يبلغ عن أحد الأشخاص المتهمين في أحد القضايا لتدل على صورة هذه المدينة البسيطة الأوربية يقول
" زجر والدي أخي الكبير زجرًا شديدًا، حين علم أنه ينوي التبليغ عن بعض المتهمين في قضية جُعِلت المُبلِّغ فيها مكافأةٌ قدرها خمسون جنيهًا — أو مائة جنيه — لا أذكر الآن على التحقيق. وجلية القضية أن فتى من الشبان الوارثين بالقاهرة حضر إلى أسوان في الشتاء ومعه ألف جنيه، وكانت أسوان مرتاد السائحين والسائحات في موسم الشتاء، وفيها من أسباب الإنفاق والمتعة مطمع لأمثال ذلك الوارث، ومن يلوذون بالمبذرين والمسرفين، وسُرِق الوارث قبل أن يستنفد من الألف مائة أو مائتين، وانحصرت الشبهة في شاب موظف بالمحكمة، كان يسكن مع أمه وأبيه في بيت لنا مجاور للبيت الذي نقيم فيه، فراحت أمه إلى جارة لها تستجهلها، وتظن أنها لا تعرف ورق النقد الذي كان في الواقع، غير معروف بين أكثر الناس، فاستودعتها لفافة من الورق هي جملة المبلغ المسروق، ولكن المرأة أطلعت زوجها على الخبر، وهو من كُتَّاب العرائض المدربين؛ فعرف الورق وعرف سرَّ القضية، وأخفى كل ما وصل إليه." ومن الحوادث المهمة وصول الكوليرا إلى أسوان أو ما يطلق عليه العقاد وباء الهيضة، والتي وصلت وهو في سن السابعة.
ضمت المدينة ايضا الشيخ والقاضي أحمد الجداوي الذي أبعدته الحكومة من السودان إلى أسوان خوفا من قتل المهدي له، ويذكره العقاد في كتابه بتقدير واحترام، ووصفه بأنه نابغة وأوسع من قابلهم العقاد له إطلاع على الشعر والنثر، وكان زميلا للشيخ محمد عبده وتلميذا لجمال الدين الأفغاني، وكان صاحب مجلس في أسوان ويحضر له الأجانب مثل نعوم بك شقير والذي كان يومئذ مترجما بمعسكر أسوان، والشاهد أن هذه المدينة لم تكن متنزه فقط بل ممر مهم للسودان يزورها الخديوي في طريقه للسودان، وكذلك الشيخ محمد عبده، وتكون مستقر للجنود في حرب السودان، ولا يظهر من حيوية وثراء هذه المدينة إلا نزلاء مصريين في الفندق، دون خلفية من أصوات المدينة.

السبت، 10 فبراير 2018

في ذكرى وفاة السلطان عبد الحميد: كيف نظر إليه أدباء عصره؟


حكم عبد الحميد الثاني الدولة العثمانية 33 سنة (1876-1909)، أسماهم أحمد شوقي الثلاثين الطوال في قصيدته التي يهجو فيها ممدوحه السابق، وحكم ثلاثين عام يورث تعدد في وجوه وزوايا النظر لشخصية سياسية مثل شخصية السلطان عبد الحميد، فهو بالنسبة للبعض حامي المسجد الأقصى من اليهود، وبالنسبة للبعض الآخر هو وجه من وجوه تسلط الدولة العثمانية على العرب، أو مستبد، يصلح أن يلمزه الكواكبي في كتبه، أو داهية يحاول تقليم أظافر دعاة الإصلاح ويفرض عليهم الاقامة الجبرية بالقرب منه في اسطنبول كما فعل مع جمال الدين الأفغاني وعبد الله النديم، وهو أيضا صاحب فكرة الجامعة الإسلامية ومحاولة أن يكون حائط صد ضد قوى الاستعمار الغربية، وصاحب مشروع سكة حديد اسطنبول-بغداد.
السلطان والشعراء: مدح وهجاء
نبدأ مع جميل صدقي الزهاوي ففي اسطنبول مدح  السلطان عبد الحميد وهجا الاستبداد، وتم سجنه سجنة صغيرة، وترحيله إلى بغداد بعدها، وعندما انقلب ضباط الاتحاد والترقي على السلطان ثم خلعوه رحب الزهاوي بالخطوة وبالدستور الجديد، ثم بدأ بشعر بموجة التتريك التي أتت مع الحكم الجديد، وسرعان ما انقلب الزهاوي على هذا الجو، وأصبح أكثر عروبية، ومالأ الإنجليز بعد احتلال العراق.
أما أحمد شوقي فقد ناصر الخليفة عبد الحميد، ومدحه بقصائد عديدة في مناسبات مختلفة بداية في الحرب بين تركيا واليونان عام 1897، وقصيدة أخرى في عيد جلوس السلطان عبد الحميد وهو في اسطنبول عام 1904، واستصرخه لينقذ مكة من قسوة شريفها "عون الرفيق" في عام 1904، وقصيدة أخرى يهنأه بنجاته من قنبلة عام 1905.
لكن شوقي سيرحب بالانقلاب العثماني على السلطان وبالدستور عام 1908، ولم يذرف الدموع على عزل ممدوحه، والذي كان أنعم عليه بالبكوية، وبكوية اسطنبول كانت في ذلك الوقت يلقب صاحبها بصاحب السعادة، ومساوية للباشوية المصرية.
لنتذكر أن شوقي قال عن عبد الحميد
بسيفِك يعلو الحقُّ، والحقُّ أَغلَبُ    ويُنصَرُ دينُ اللهِ أيَّانَ تَضرِبُ
لكن قصائد شوقي في  مدح الخلافة  والسلطان، يصلح لها شطر البيت الذي دونه  في قصيدته وهو ينعي الخلافة 1926، < ودفنْتُها، ودفنتُ خيرَ قصائدي مَعَها>  لكن شوقي ورغم فرحه بعزل السلطان عبد الحميد إلا أنه  تمنى أن تطوى السماء وكأنها القيامة، ويظلم العالم بسقوط علم الخلافة  عن  أدرنة بعد استيلاء البلغار عليها عام 1912،

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى انهارت الدولة العثمانية، فبكاها شوقي. ولكنه أثنى على أتاتورك وتحمس له في حربه مع اليونانيين، بسبب محاولته التقليل من أطماع الدول المنتصرة في تركيا. ثم ألغى أتاتورك الخلافة فلامه شوقي ثم انقلب عليه. شوقي كان من أوائل من فطنوا لمصريتهم بعد سقوط الخلافة، لقد أحتاج أن تسقط  الخلافة ويذهب العثمانيين ليستوعب  هذه الهوية،  وهو الموقف الذي  عان منه مثقفين مثل شكيب أرسلان بعد سقوط الخلافة، وتبدل العالم القديم، عالم الجنتلمان العثماني بعالم جديد مختلف.
والقصيدة التي ألقاها في افتتاح البرلمان عام 1924 تدل على هذه الروح المؤمنة بمصر، هوية مختلفة عن الدولة العثمانية رغم صعوبة البداية، يعلق عارف حجاوي ويقول " وألمس في الأشطر إحساس شوقي بعدم الأمان"
مصرُ الفتاةُ  بَلَغَتْ  أَشُدَّها
وأَثْبَتَ الدَّمُ الزكِيُّ رُشْدَها
يا رَبِّ! قَوِّ يَـدَها وشُدَّها
وافتحْ لها السُّبْلَ ولا تَسُدَّها
وحافظ إبراهيم تكرر  معه ذات الموقف، فمواقفه السياسية مترددة ومتحيرة لكنه مدح الخلافة والسلطان:
مِنِّيِ على دارِ السلامِ تحيةٌ                 وعلى الخليفةِ مِن بَنيِ عثمانِ

لكنه سرعان ما فرح بعزله ولم يقصر في قصائد الفرح والشماته وقال
  فَرِحَ المسلمونَ قبل النصارى            فيكَ قبلَ الدُّرُوزِ قبلَ اليهودِ
شمِتُوا كلُّهُمْ وليس مِنَ الهِمَّـ -           ـةِ أنْ يَشمَتَ الوَرى في طَريدِ
ولحافظ قصيدة أنشدها في حديقة الأزبكية في يوليو/ تموز 1909، بعد سقوط عبد الحميد وصدور الدستور
ولم يُغْنِ عن عبدِ الحميدِ دَهَاؤُهُ    ولا عَصَمَتْ عبدَ الحميدِ تَجارِبُهْ
وفي   العراق  كان هناك معروف الرصافي وفي عام 1908، كان الرصافي في الثالثة والثلاثين من العمر، ونشط في تأييد ضباط جماعة "الاتحاد والترقي" الذين أرغموا السلطان على الدستور،  وكان لجماعة الاتحاد والترقي حضور في يغداد وأصدروا صحيفة بالعربية والتركية، وتولى الرصافي تحرير نسختها العربية.

أما إيليا أبو ماضي ففرح بالدستور الجديد وقال
ويا أيها الدستورُ! أهلاً ومرحباً         على الطَّائرِ الـميْمُونِ، يا خيرَ قادِمِ
وله قصيدة يفرح فيها بنفيه إلى اليونان ويقول
ضيفَ سَالُونِيكَ! مَا لكَ في     سِجْنِها ضَيْفٌ سِوَى السَّأَمِ
جُرْتَ يا عبدَ الحميدِ بِنا            غيرَ أنَّ الجَـوْرَ لم يَدُمِ

أما الشاعر القروي رشيد سليم  الخوري، فلخص عصر عبد الحميد  بأنه عصر الظلم:
فسادٌ في الدَّوائرِ، واختـلالٌ                    وظُلـم في الـمحــاكمِ، والْتِواءُ
هكذا انقلب شعراء هذا العصر الزهاوي وشوقي وحافظ والرصافي والقروي وإيليا على السلطان وجعلوا حسابه في يد الملك الغفور، على ما أرتكبه من أمور جسام، وفرحوا بنفيه إلى سلانيك في اليونان، ووجدوا في نفيه قصة درامية في تطورها وتغير الحال، وقرت أعين الشعراء بالدستور، وذم الاستبداد والانفراد بالرأي.
شكيب أرسلان: الجنتلمان العثماني
كانت علاقة عائلة شكيب أرسلان  بالسلطان العثماني، عن طريقه عمه مصطفى أرسلان، وساعدت تلك العلاقة في إبقاء إدارة متصرفية لبنان تحت إمارة تلك العائلة،  وتزامنت عودة أرسلان من أوروبا إلى اسطنبول في عام (1892م) مع وصول جمال الدين الأفغاني إلى العاصمة العثمانية. وكان قد دعي من قبل السلطان عبد الحميد الذي كان معجباً بتعاليم الأفغاني الإسلامية الشاملة، وراغباً في الإفادة منها في تعزيز ما كان يراه حقاً متمثلاً بادعاء الخلافة والمطالبة بها. وكانت سمعة الأفغاني كمحرض يشكل خطورة ذائعة الصيت أيضاً. إلا أن عبد الحميد شعر أن شبكته الأمنية العريضة المتمثلة بسلك الشرطة قادرة على تحييد هذا الجانب غير المرغوب فيه من الرجل الشهير. وعلى الرغم من أن العلاقة بينهما سرعان ما توترت، بخاصة بعد ادعاء الأفغاني بوجود تواطؤ في اغتيال الحاكم الفارسي نصر الدين شاه في عام (1896م)، فإن الأشهر الأولى التي قضاها في اسطنبول كانت أشهراً مستحسنة.
  في هذه الحقبة تحديداً نجح أرسلان في مقابلة الأفغاني. وحسب رواية أرسلان لما جرى في هذا اللقاء، طلب منه الأفغاني أن يصف ما رآه في أوروبا، وفرح الأفغاني به وقال له: "أنا أهنئ أرض الإسلام التي أنبتتك".
أقام شكيب في اسطنبول، لمدة سنتين، سعى لتوطيد علاقة الأسرة بالدولة العثمانية، وعقد صداقة مع حسن فهمي وزير المالية، ومع منيف باشا، والذي شغل منصب وزير التربية والتعليم العثمانيين طوال زمن حياته المهنية المديدة. وقد تكون هاتان السنتان قد أتاحتا الفرصة أيضاً لأرسلان لعقد لقاء مع السلطان عبد الحميد مرة واحدة على الأقل، الذي تكرر في حالة  شكيب أرسلان هو الاعجاب بالخلافة العثمانية والإيمان بها، حتى مع عزل السلطان عبد الحميد، فقد بارك شكيب انقلاب تركيا الفتاة، وكانت له علاقة طيبة مع أنور باشا، وصفه له في سيرته الذاتية يدل على تقدير شديد لهذه الشخصية، كان شكيب يرى في الانقلاب والدستور إمكانية إصلاح من الداخل، وأن الاصلاح ممكن مع النظام القديم، لكن جهود الاتحاد والترقي ستبوء بالفشل وستخسر الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ويخرج قادة هذا الانقلاب على زورق ألماني إلى المنفى في برلين ومعهم شكيب أرسلان، ليواجه عالم بلا سلطنة ولا خلافة.
عبد الله النديم
تم نفي عبد الله النديم إلى اسطنبول عام 1893، وتم منعه من الكتابه، جنباً إلى جنب مع جمال الدين الأفغاني الذي قرّبه السلطان عبد الحميد للاستفادة من دعوته إلى الجامعة الإسلامية، عاش عبد الله النديم  ووجد نفسه عاطلاً فلا كتابة ولا خطابة ثورية، وفي وسط مراقب من حرس السلطان، ولا يجد متنفس إلا اللقاء بصديقه جمال الدين الأفغاني.
في هذه الفترة كتب عبد الله النديم كتابة "المسامير"، بعد اصطدمه بأحد أفراد حاشية السلطان عبد الحميد ويسمى «أبوالهدى الصيادي» مستشار السلطان وكان يسميه «أبوالضلال» وكتب فيه كتاب «المسامير» أظهر الشيطان شخصية مهزومة أمام أبو الضلال.
توفىي النديم بمرض السل في اسطنبول، في 1896، وأمر السلطان بجنازة رسمية، سار فيها أستاذه جمال الدين الأفغاني.
المثقف الأخير الذي نستعرض علاقته المتوترة مع السلطان عبد الحميد هو عبد الرحمن الكواكبي، فقد عانى من نفس الشخصية التي ضايقت عبد الله النديم وهو أبو الهدى الصيادي، فقد حاول نزع نقابة الأشراف من الكواكبي في حلب وتحويلها إلى عائلته، ولم يكن هذا هو الصراع الوحيد للكواكبي مع العثمانيين والسلطنة، فقد خاض صراع مع عارف باشا والي حلب، وحكم عليه بالاعدام لكن تم تغيير مكان المحاكمة إلى بيروت وتم الحكم ببراءته، لم تكن تلك التجارب التي خاضها الكواكبي، لتجعله يغفل أثر الاستبداد والظلم في الحكم، فكتب كتاب "طبائع الاستبداد" وسبب وفاة الكواكبي غير ثابت، لكن البعض يتهم به الدولة العثمانية.
كانت علاقة المثقف العربي مع الدولة العثمانية مضطربة في تلك الحقبة، فتارة يمدحها فهي وجه القوة أمام الاستعمار الغاشم، وتارة يضيق بها وباستبدادها وبتهميش العرب، ولم تكن الهويات المحلية للبلدان العربية أو الأفكار القومية أخذت مكانتها في النفوس، كما حدث مثلا مع شكيب أرسلان فهو لم يتحمس لثورة الشريف حسين على الدولة العثمانية وظل مؤمنا بإمكانية للاصلاح حتى مع عزل السلطان عبد الحميد.

مراجع
• إحياء  الشعر، البارودي والزهاوي وشوقي وحافظ والرصافي والجواهري، عارف حجاوي، دار المشرق.
• الإسلام ضد الغرب، شكيب أرسلان والدعوة إلى القومية الإسلامية، وليام كليفلاند، منتدى العلاقات العربية والدولية.
• العودة إلى المنفى، أبو المعاطي أبو النجا، مكتبة الأسرة
• عن الكواكبي: https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=1081111