"نحن مدينون
لكتاب الرواية أساساً في معرفتنا الصميمة بالحياة
المدينية المعاصرة"
روبرت بارك
قد يحكي الروائي قصته عبر الكتابة فقط،
دون أن يقدم تفسيراً، وعلى وجهه ابتسامة المتنبي وهو يقول "ويَسْهَـرُ الخَلْقُ
جَــرَّاها ويَخْتَصِمُ"، ومثال ذلك في ذهني "نجيب محفوظ" الذي لا
يحكي لأحد عن حبكات رواياته حتى أقرب الناس له زوجته وأصحابه، لكنه ينساب بحكي
منهمر على الورق، ولا ينشغل بالتنظير حول فن الرواية وأنواعها.
صيادو الذاكرة
هناك نوع آخر من الروائيين اهتم بفن
الرواية وحاول أن يقدم إما تفسيرا لأعمال أدبية لآخرين أو تحليل لما كتبه هو نفسه،
مثال ذلك الكتابات النقدية للراحلة رضوى عاشور فقد نشرت لها دار الشروق كتاب
"في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة" والذي يحتوي على بعض أبحاثها
النقدية ومن ضمنها دراسة مميزة تقارن فيها ثلاثية نجيب محفوظ وأعمال الكاتب
إبراهيم أصلان وتركز على علاقة كل منهم بالتاريخ حيث تتسم في حالة محفوظ بقدر من
الثقة والإطمئنان مصدرها أن الأرضية التي يتحرك فيها محفوظ وجيله قوية والمتغيرات
الاجتماعية محكومة وليست عشوائية ولا متسارعة أما جيل أصلان فعلاقتهم بالتاريخ
إشكالية وواقعهم الاجتماعي مرتبك يفتقد المنطق ويفرض عليهم الوحدة والاغتراب على
شخصياتهم وتدعوهم للشك والارتياب، ولم تكتفي رضوى بهذه الدراسة فهناك دراستها عن
الشدياق بعنوان "الحداثة الممكنة" وروايته "الساق على الساق"،
فضلاً عن شهادتها على كتابتها والتي ضمتها لرواية سراج، وهي تحاول أن تشرح سؤال
الكتابة.
الوصايا المغدورة
وهناك أعمال أخرى شارك فيها روائيين في
النقد الأدبي مشاركة مهمة مثل كتابات ميلان كونديرا في ثلاثيته والتي صدرت عن
المركز القومي للترجمة في مجلد ضخم، يضم كتاب "فن الرواية والوصايا المغدورة
و الستار"، والذي قام فيه كونديرا بتحليل العديد من الروايات وتوضيح فهمه لفن
الرواية، وتعلمت منه الجرأة على نقد رواية جورج أورويل 1984، بعد قراءة نقد
كونديرا لها، فحبنا للعمل الأدبي يجعلنا نتجاهل عيوبة، وكتاب كونديرا يحتوي على
تحليل لروايات الأخرين ورواياته وشرح لبنائها الداخلي، وكونديرا يسرد تاريخ
الرواية الأوربية والأفق الذي قامت به الرواية في لحظة بلزاك مثلاً فيقول :"لم يعد زمن بلزاك يعرف العطالة السعيدة
التي عرفها سيرفانتس وديدرو ، بل إن أبطاله محمولون في قطار يدعى التاريخ" ، وعبارته
تلك تذكرنا بعبارة انجلز عن روايات بلزاك والتي كان يرى فيها أصدق تمثيل لوجه البرجوازية
وأحوال المجتمع الفرنسي في تلك الفترة .
وكونديرا يقرأ أعمال "كافكا" وعلاقتها بحركة التاريخ ،
والتي تحاول أن تتجاوز قراءة العمل الأدبي في سياق النقد الأدبي ، وتجره إلى حقول معرفية
أخرى، فالقوة الخارقة للمجتمع وتقلص دور الفرد في التمرد على تقاليد وقوانين الدولة
الحديثة يجعل روايات "كافكا" أفضل من مئات الدراسات الأكاديمية الباردة في
فهم طبيعة مشاكل الإنسان في مستهل بداية القرن العشرين . فموضوع الحرب مثلاً لدى هوميروس
وتولستوى يمتلك معنى واضحاً كل الوضوح ، فقد كان الناس يتقاتلون من أجل هيلين الجميلة
أو من أجل روسيا، لكن شيفيك بطل إحدى الروايات المعاصرة يتجه هو ورفاقه إلى الجبهة
دون أن يعرفوا : لماذا ؟ وما يصدمنا أكثر : دون أن يهتموا بذلك ! كما يستشهد بعبارة هيرمان بروخ : "ما لا يمكن
سوى للرواية وحدها أن تكتشفه " .
أساتذة اليأس
ومن الأديبات نانسي هيوستن والتي نشرت
العديد من الروايات منها رواية "خطوط الصدع"، لكن نانسي تبتعد عن
الرواية وتكتب دراسة ناقدة بعنوان "أساتذة اليأس: النزعة العدمية في الأدب
الأوربي" والتي قدمت فيها قراءة للعديد من الأدباء والفلاسفة من شوبنهاور
بابا عدم كما أطلقت عليه متهكمة وانتقالا إلى إيميل سيوران وميلان كونديرا، ودراسة
نانسي هيوستن فيها تحليل أدبي للعديد من كتابات المفكرين الذي اتسمت رواياتهم
بالعدمية.
مصر في قصص كتابها المعاصرين
أما الكتاب الذي طالما غبط مؤلفة فهو
كتاب الروائي محمد جبريل، فقد وضع قلم الحكي، ويكتب كتابة نقدية مميزة في كتابه
"مصر في قصص كتابها المعاصرين" والذي خرج في ثلاثة مجلدات يشغل الجزء الأول
والثاني أربعة مجلدات تتبع فيها علاقة الرواية المصرية بالتاريخ وأحداثه، وحاول أن
يبحث عن حقائق التاريخ في أحداث الروايات، فمحمد جبريل الروائي يتحول هنا إلى باحث
في علم اجتماع الأدب وقارئ للتاريخ ، أن هذا الكتاب قد حملق في وجه مصر وتجرأ ونظر
إليها بعينين اثنتين : عين المؤرخ وعين الأديب ، فما أروع هذه الرؤية !
اعترافات روائي عجوز
وهناك تجربة أمبرتو إيكو الذي اتجه
لكتابة الرواية في مرحلة لاحقة من حياته بعد كتابته العديد من الكتب في مجال فلسفة
اللغة والسيمياء، وينشر روايات في عمر الخمسين
عندما قرّر نشر ما يكتب فكانت رواية «اسم الوردة» عام 1978، ثم نشر العديد
من الروايات، لكنه يصدر كتاب في النقد بعنوان "اعترافات روائي ناشيء" و
كتاب "آليات الكتابة السردية"، وكتاب "6 نزهات في غابة السرد"
أنه ككاتب روائي يشارك في عملية تفسير رواياته وبنائها فضلا عن تحليل فن الرواية
بشكل عام.
رسائل إلى روائي شاب
قد يكتب الروائي نصائح في فن الرواية
كما كتب ماريو بارجاس يوسا "رسائله إلى روائي شاب"، أو كما فعل ماركيز
في كتابة "كيف تحكي حكاية؟" أو يخصص كتاب كامل لمناقشة كتابات روائي آخر
يكن له الاحترام والتقدير كما فعل أندريه جيد في كتابه عن "دستويفسكي"،
أو هنري ميللر في كتابة عن الروائي د.ه.
لورنس، والذي أطلق عليه "عالم لورنس..تقدير حار" ، ولدينا نموذج كتابة
ستيفان زفايج الروائي وصاحب السيرة الذاتية المتتعة "عالم الأمس" والذي
كتب عن الروائيين في كتابة "بناة العالم" والذي تحدث فيه عن دستويفسكي،
وتولستوي، وستندال، وبلزاك، وديكنز، وهناك الدراسات التي كتبها الروائي هنري ترويا
والتي ترجم منها إلى العربية عدة كتب من ضمنها: "جوجول: سيرة نفس ممزقة"
وكتاب "دستويفسكي: حياته وعالمه"، وكتاب عن الكاتب "تشيكوف".
وتجربة مكسيم جوركي الروائي الروسي في
كتابه "صور أدبية" الذي لا يتحدث فيه عن الروايات بقدر تحدثه عن أقرانه
وجيله من المؤلفين مثل تشيكوف و تولستوي. ويصف فيه جوركي جلسة تولستوي وقد رآه ذات
يوم جالسًا أمام البحر:
"كان هناك ورأسه بين كفيه، وكانت الريح تخلل بين شعيرات لحيته الفضية،
وكان ينظر إلى الأمواج من بعيد، والموجات الزمردية آتية تتدحرج تحت قدميه وكأنها تريد
أن تسر للعجوز الساحر بشيء. كان يشبه صخرة دهرية دبت فيها الحياة، وعرفت بداية كل شيء
ونهايته بعد البحث والتدقيق، وهي تعلم (الصخرة الحية) متى وكيف تنتهي الصخور وأعشاب
الأرض ومياه البحر والكون أجمع، ابتداء من حبة الرمل وانتهاء بالشمس، والبحر جزء من
روحه، وكل ما حوله يأتي به ومنه. وفي سكون تأمل الرجل العجوز شعرت بشيء من قدرية السحر،
وأعجز عن التعبير بكلمات عما أحسست به في تلك اللحظة مما لم يخطر ببالي قط، كان قلبي
مغمورًا بالفرح والخوف، ثم امتزج كل شيء في شعور واحد من الهناءة: لن أكون يتيمًا على
هذه الأرض ما دام هذا الرجل يعيش عليها" ويبتعد غوركي على أطراف قدميه لئلا يحدث
الرمل حطيط؟ تحت عقبيه وحتى لا يعكر على العجوز صفو تفكيره".
وتحليل الروائي توماس مان لشخصية
دستويفسكي والذي كتبه كمقدمة لكتاب يضم 6 روايات لفيودور دستويفسكي، ففي عام ١٩٤٥م
طلبت مطابع ديال من توماس مان أن يكتب مقدمة لمجلد يضم ٦ روايات قصيرة لدوستويفسكي
وهي: المقامر، مذكرات من تحت الأرض (في قبوي)، حلم العم، الزوج الأبدي، المثل، وصديق
العائلة (قرية ستيپانتشكوڤو وسكانها). وكان عنوان المقدمة (دوستويفسكي – بإيجاز)،
ويشرح فيه توماس مان لماذا تجاهل الكتابة عن دستويفسكي وهو الذي ألف كتاب عن
تولستوي وجوته. (دوستويفسكي بإيجاز – توماس مان/ترجمة: سلمان العواشز، موقع حكمة)
الروائي الساذج والروائي الحساس
قدم أورهان باموق الروائي التركي
والحاصل على جائزة نوبل معالجة لقضايا القراءة والكتابة في عدة كتب من ضمنها كتاب
"ألوان آخرى" الصادر عن دار الشروق، والذي تناول فيه الحديث عن بعض
الروائيين مثل فيكتور هوجو ودستويفسكي وروايات الكاتب الروسي نابوكوف، وألبير
كامو، وماريو فارجاس يوسا، ويتحدث فيه عن روايته "اسمي أحمر"، أورهان
باموق قاريء منتظم للأدب ولفن الرواية فهو لكي يشعر بالسعادة يتناول جرعته اليومية
من الأدب، وفي كتابه الصادر عن دار الجمل بعنوان "الروائي الساذج والروائي
الحساس" والذي يتكون من محاضرات ألقاها عن فن الرواية في جامعة هارفارد عام
2009، والذي يحكي فيه أنه يقرأ الروايات منذ أربعين عام، وخلال فترة معينة من
شبابه سخر نفسه تماماً لقراءة الرواية، من عمر الثامنة عشرة إلى عمر الثلاثين،
ويصف لنا باموق كيف يتبدل عالمه الواقعي لعالم من صنع الرواية وهو يستمر في القراءة
صفحة بعد صفحة منفصلا عن عالمه الواقعي إلى عالم آخر من صنع القصة والحكاية، ثم
يستمر في وصف كيف تعمل عقولنا بكل نشاط كلما تعمقنا في قراءة الرواية، وعنوان كتاب
باموق يستمد اسمه من مقالة لفريدريك شيلر بعنوان "عن الشعر الساذج
والحساس" ويقدم باموق تفريق بين نوعين من مؤلفي الروايات الساذج والحساس وهذا
التفريق يشمل القراء أيضاً، فالنوع الساذج أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب
الفنية لكتابة وقراءة الرواية، والنوع الحساس لوصف الإحساس المعاكس تماماً: هم
القراء والكتاب المفتونون بتصنع النص وعجزه في تحقيق الواقع، والذين يولون اهتماما
كبيراً للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا
عندما نقرأ، ويرى باموق أن على الروائي أن يجمع بين السذاجة والحساسية في نفس
الوقت، والكتاب يضم تحليل لباموق لكثير من قضايا فن الرواية، مثل هل تعتبر الرواية
وجه من وجوه السيرة الذاتية لمؤلفها، وفي هذا الصدد يقدم مناقشة حول روايته
"متحف البراءة" والتي طالما اعتبره القراء قريبا ووجه من وجوه بطلها
كمال.
كتابة الروائي في فن النقد الأدبي هي
ثراء وهي معالجة من الفنان لفنه ولفنون الآخرين، فتارة يحاول أن يبدع عمل أدبي
خالص متعدد التأويلات، وتارة يريد التحليل وفهم بناء وكتابات الآخرين، شارحا ما
أعجبه وما نقم منه، فن الرواية ومنذ أن كتب عيسى المويلحي في كتابه "حديث ابن
هشام" عبارته قرب نهاية القرن التاسع عشر "والناس اليوم في حركة لا شرقية
ولا غربية" ومازالت الرواية تبحث عن حركة الناس وقصصهم.