السبت، 7 أبريل 2018

فلاحو الباشا (2)



 محمد عبد العزيز الهجين
 
ولد أبي عام 1924، إذا كنت بدأت حساب عمري وعمره، فقد أنجبني في الستين من عمره رحمه الله، وتوفي وأنا طفل صغير، وما سمعته منه بسيط لكني سمعته مرة يقول أنه دخل فيلم "الأرض" في السينما بطولة محمود المليجي، وكبرت ورأيت الفيلم وعاملت الفيلم بإجلال كبير لأنه مهم ولأنه ذكرى من والدي، لأصدقائي نكتة عني يقولوا فيها إنني انتمى لعصر والدي حسابيا أكثر مما أنتمى لعصري حالياً، وهو ميل لا أعرف سببه إلا محاولة الفهم كيف سارت الأمور على ما هي عليه.
في فيلم الأرض تلخيص كبير لحال الفلاح المصري في هذا العصر، قهر وباشا يريد أن يتحكم في أهل القرية، وفي "مذكرات نجيب الكيلاني" وصف لحال هذه القرية يقول "وهناك نسبة كبيرة لا يمتلكون شبراً من الأراضي الزراعية، فكانوا يشتغلون كأجراء،...، ويقضون أعمارهم في ضيق وصبر دون الكفاف من الرزق،... وكنا ونحن أطفال نرى الشاحنات الكبيرة تأتي في مواسم معينة من العام، ثم يحشر فيها مئات الفلاحين، ويحملون إلى مناطق بعيدة يطلقون عليها (الوسايا) حيث الإقطاعيات الكبيرة خارج حدود المحافظة، وهناك يقضون شهراً أو شهرين في العمل الشاق، سواء في زمهرير الشتاء، أو في قيظ الصيف، ثم يعودون بقروش قليلة، وأمراض كثيرة، هؤلاء هم عمال التراحيل التعساء، الذين يسافرون وليس على أجسادهم إلا الملابس المهترئة وجوال به أرغفة جافة قاتمة، وكثيرا ما كان البعض يقضي نحبه، ثم يطويه النسيان إلى الأبد".
ووصف الرحالة الأجانب لقرى مصر مؤلم، وكذلك وصف الرحالة الأتراك كما في رحلة محمد مهري حوالي عام 1894 ميلادي، فهو يصف أكواخ الفلاحين وحالات أمراض الرمد في أعين النساء والأطفال، ويتساءل كيف يعيش هؤلاء الفلاحون في تلك المساكن البدائية بينما يغلي هذا الأقليم تحت ألسنة اللهب في يوليو وأغسطس، وينهي وصف تلك القرى بأنها تشبه عشش الحمام، لتصور عشوائيتها وبدائيتها.
وعندما تريد أن ترى تاريخ الفلاح منذ عهد محمد علي، ستجده مبني على الظلم والسخرة، والصراعات بين الملتزمين والفلاح وخلافات حول دفع الضرائب، والصورة التي يقدمها الجبرتي لحال الفلاحين بشعة، لما تفشى فيهم من الظلم والاستغلال، واستغلال المحصلين لهم بالهدايا والعمل بالخدمة، حتى يصف حالهم بأنه أقرب إلى العبودية، ثم لفت نظري تعليق مهم للجبرتي بأن الظلم أفسد نفوسهم وأخلاقهم،فربما تولى أمرهم رجل عادل ورحيم،فتكون ردة فعلهم أن يستهينوابه بل ربما أطلقوا عليه اسم من اسماء النساء، وماطلوا في دفع الأموال، ثم يكمل أن أثر الظلم  جعلهم يكثر بينهم إيقاع الشر بعضهم ببعض، فكان يقع بينهم كثير من الخصام وحوادث القتل، ثم يشير إلى أكل أعيان الريف لمال الأوقاف بالباطل، حتى تخربت مساجد كثيرة وأسبلة لأن أعيانهم كانوا يأكلون ربع ريعها، وتحليل الجبرتي لأثر الظلم في فساد الأخلاق يذكرنا بحديث الكواكبي في طبائع الاستبداد.
وكان أسوء ما يبتلى به الفلاحون فوق ما يقع عليهم من ظلم وسخرة، القحط بنقص فيضان النيل، أو الغرق بزيادة الفيضان والأوبئة، والقحط كان يلازمه بوار الأراضي، وتلف الزرع، وموت البهائم، وكانت الزيادة بالفيضان توقع تلف الزرع.
وقد يجيء الفيضان والوباء بالطاعون معاً كما حدث عام 1800، فكان الناس لا عمل لهم إلا دفن الموتى كما يصف الجبرتي،  وكان يموت حوالي 600 كل يوم كما وصف الشيخ حسن العطار الحال لصديقه الجبرتي في رسالة له، وقد قدر مسيو جومار أحد مهندسي الحملة الفرنسية عدد الموتى ب 10 ألف في شهر واحد من سكان القاهرة.
هذا وصف للفلاح في عام 1800 وقريب منها، فهل تغير الأمر في أربعينات القرن العشرين مثلا؟ يجيب يوسف الشريف في كتابه "مما جرى في بر مصر"  أنه كانت لوالده أرض زراعية في قرية أبي صير بمحافظة الجيزة، فكانت أجرة الفلاح المسكين وحماره لا تزيد عن خمسة قروش أواخر الأربعينيات، وعليه أن يواصل عمله في نقل السباخ والطمي أو المحاصيل من الصباح الباكر حتى تغيب الشمس، وأن طعام الفلاح مكون من المش الأجاج  والنباتات العشوائية مثل السريس والجعضيض، ثم يقول من كان في الريف عهدئد الذي كان يعرف طعم لحم الأبقار والجاموس والأغنام والجمال،إلا أن تأتيه صدقة من أحد الموسرين، أو ربما أن بهيمة وقعت في ساقية فتحطمت عظامها، فلحقها جزار القرية وذبحها وطاف في القرية مردداً وهو يشير للذبيحة "من ده بكره" ويردد وراءه الأطفال "بقرشين" أو ثلاثة على حسب وزن الرطل، والريف انتشر فيه أمراض الرمد وأمراض العيون فأنشأ الإنجليز مستشفيات لهذا الأمر بسبب تفشيه، وفي هذه الفترة انتشرت مشاريع مواجهة الحفاء، ونادراً ما كان لهم أحذية، فخصصت بعض الأسر منح وهبات لمقاومة الحفاء، وفي المقابل ينعم عليهم الملك بلقب الباشوية، وأحياناً يكون اللقب من نصيب طالب في المدرسة أو الجامعة لأنه ابن باشا يريد أن يرث ابنه اللقب، ويتميز أهل الريف بعادات منها دق الوشم والرسومات على الصدر، وكتابة الاسم والعنوان على اليد بالوشم الأخضر.
وفي عام 1937 نشرت عائشة عبد الرحمن بنت الشاطيء مقالات في جريدة الأهرام عن شرور صناعة تجهيز وحلج القطن على الأطفال، موضحة كيف أن 25 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين الثامنة والخامسة عشرة كانوا مستخدمين في ذلك العام في حلج القطن، حيث كانوا يعملون وسط غبار خانق من الخامسة صباحاً وحتى العاشرة مساء كل يوم بلا انقطاع.
وفي الفترة بين عامي 1929 - 1934 حدثت أزمات اقتصادية تأثرت بحالة الكساد الكبير وتوقف سوق القطن، ولدينا كتاب يرصد تاريخ تلك الفترة بعنوان "أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري" والذي يضم شهادات تفصيلية من الجرائد والمجلات على حالات الغلاء الشديدة وبيع الفلاحين للمواشي، وبور الكثير من الأراضي الزراعية في تلك الفترة، مع عدم القدرة على دفع الأموال الأميرية وضرائب مجالس المديريات وأقساط البنوك، بل حتى عجز الفلاحون عن تدبير المصروفات الدراسية، ويورد المؤلف حالات انتحار ارتبطت بضيق ذات اليد، فضلاً على زيادة البطالة، وحالات الشحاذة والتسول، وكذلك ظهور حالات السرقه بالإكراه والسطو المسلح، ورصد الكاتب نمو ظاهرة تعاطي المخدرات في تلك الفترة، وزيادة دور البغاء مع ارتفاع حالات الطلاق والتي ذكرها الصاوي محمد في مقاله "ما قل ودل" عن وقوع طلاق لعدد 15 ألف من عدد زواجات تصل إلى 28 ألف أي بمعدل 52 %.
يجب الانتباه إلى أن تلك الفترة قامت بريطانيا بتحويل مصر إلى بلد ذات محصول واحد يغذي مصانع القطن في لانكشاير، ويجب الانتباه إلى نمو مشاعر قومية منذ ثورة 1919 لدى الفلاحين، فبعد القبض على سعد زغلول اشترك الكثير منهم في المظاهرات، وهاجموا خطوط السكك الحديدية، وقطعوا خطوط التلغراف، وقاموا بالاعتداء على الكثير من الأوروبيين بالإضافة إلى حرق المملتلكات الخاصة بهم.
وثبت حزب الوفد أقدامه في الحياة السياسية عبر الاعتماد على أصواتهم، وأوضاع الفلاحين منذ الحرب العالمية الأولى كانت سيئة فقد تم استغلالهم والاستيلاء على مواشيهم، وبدأ الطعام يشح بسبب قلة المحاصيل الزراعية مقابل زراعة القطن، وقد ظهر وباء الملاريا من عام 1942 – 1945، وكذلك وباء الكوليرا عام 1947، وتفاقم مرض البلهارسيا، وحالة الفقر تعود إلى وجود طبقة من كبار الملاك تتمثل في 11 % من الشعب تملك 90 % من الأراضي الزراعية، وفي مذكرات أحمد لطفي السيد تصوير لقسوة العمد في تحصيل الضرائب من الفلاحين بالضرب المبرح بالسياط،
 الفلاح في الكتابات الغربية
يبدو أن جذور الاهتمام بالدراسات الفلاحية في الكتابات الغربية تعود لمحاولة الغربيين تفسيرات انتفاضات الريف وتمرداته، مثل تمردات المناطق الريفية بعد الحرب العالمية الأولى، وكذلك الانتفاضات والثورات في فلسطين، كانت جذورها ريفية، ولعل الأحداث في فلسطين شجعت الباحثين البريطانيين للكتابة عن الريف، مثلما شجعت تمردات الفلاحين في الهند الصينية على كتابة بيير جورو كتابه بعنوان "فلاحين دلتا تونكين"، وتعتبر أول دراسة عن حالة الفلاح دراسة الأب عيروط بعنوان "طبائع وعادات الفلاحين"، بالفرنسية عام 1938 والذي أشار إلى تأثره بكتاب جورو عن فلاحو الهند الصينية، وهناك دراسة كريتشفلد عن الفلاحون بعنوان "شحات مصري
 يفند تيموثي ميتشل في كتابه القيم "حكم الخبراء" أفكار عيروط في كتابه بداية من وجود حياة قروية ثابتة لم تتغير ويعتبرها خرافة، ويعرض مظاهر هذا التغير في القرن التاسع عشر كمثال، ويذكر منطقة في صعيد مصر ويعدد التغيرات التي حدثت فيها بداية من الأفول والزوال لتجارة المسافات البعيدة مع الهند وشبة الجزيرة العربية والسودان، وانهيار صناعة النسيح المحلية، وإدخال وانتشار الملكيات الخاصة بالأرض، وظهور المحاصيل التصديرية، ودخول ماكينات الري الماكينكية، وظهور وباء الكوليرا، مع زيادة نمط المزارع التجارية الضخمة المتمثلة في الأبعاديات والعزب، والتي أصبحت بعضها مثل القرى التي تزرع قصب السكر مصدر للمواد الخام لمصنع كوم امبو لسكر القصب.
ويرى ميتشل القرية بشكل مختلف فقد قاومت بعض القرى الاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون، مثل قرية القرنة، وبعضها نظم تمرد على نمط التجنيد الذي فرضه محمد علي عليهم، وقد قامت في الصعيد انتفاضات على الضرائب مثل قيام قوات محمد علي بتطويق قرية البعيرات، ولعل الكتاب الذي صدر مترجما للعربية حديثا للدكتورة زينب أبو المجد بعنوان "إمبراطوريات متخيلة: تاريخ الثورة في صعيد مصر" يقدم قراءة لتمردات إقليم الصعيد على الكثير من السلطات واستعصاءه على الاخضاع.
يلاحظ ميتشل أن هناك عمى تاريخي مقصود في كتابات عيروط وغيره عند الحديث عن تحولات الريف، فهناك إدعاء يحاول أن يدحضة بوجود صورة عتيقة للريف تجعل وجوههم تعود إلى أوجه التماثيل في المعابد الفرعونية، كأن هناك خط تاريخي لم يتأثر بتغير الأحول السياسية والاجتماعية على حال الفلاح،  ويقدم نقد لدراسة عيروط ويفسر كثير من المسلمات عن الفلاح والريف المصري، بأنها استخدمت منهج لا تاريخي في تفسير تصرفات الفلاح، وجنحت بميل استشراقي لتصور عادات عقلية للفلاح، ونمط متكرر يتجاهل الحدث التاريخي، وتحميل مشاكل الريف للعقلية الريفية بدلاُ من النظر للتغيرات في القوى السياسية والاقتصادية.
هناك العديد من المعالجات لقضية الفلاح، سواء في علم الاجتماع كما ذكرنا، أو في الرواية والأدب مثل "يوميات نائب في الأرياف" ورواية "زينب" وغيرها من الروايات والسير الذاتية مثل "الأيام" لطه حسين، والتي تستحق أن تكون عنها دراسة عن صورة الفلاح في الروايات العربية، وكذلك صورة الفلاح في السينما، اكتب ومشاهد من فيلم "أفواه وأرانب" بطولة فاتن حمامة تظهر أمامي وأتخيل الأرض وعمل الفلاحين، وحب والدتي لهذا الفيلم.
لعلني أختم بملاحظة كيف قامت السينما بمعالجة موضوع الريف والفلاح في غلاله من الوهم عن الواقع الفعلي على واقع القرية، فتم تحويل خيال عامة الناس عن الريف كأنها قصيدة رعوية وثيقة الصلة بالطبيعة، ولذلك ظلت جاذبية الخيال أمام قاطني المدن لها فعل المغناطيس، فأصبح الريف هو المكان الذي يمكن اللجوء إليه هربا من سرعة الخطى المتزايدة للحياة في المدينة، ولعل فيلم محمد خان "خرج ولم يعد" ونتذكر أن كلمات أغنية "محلاها عيشة الفلاح" والتي كتبها بيرم التونسي وغناها محمد عبد الوهاب "محلاها عيشة الفلاح مطمن قلب مرتاح.. يتمرغ على أرض مراح والخيمة الزرقا ساتراه.. واللقمة يأكلها ومبسوط، أكمنه وأكلها بشقاه.. الشكوى عمره ما قالهاش إن لاقى وإلا ما لاقاش)، لنكتشف أن الكلمات جميلة لكنها غير حقيقية.
مراجع
·        الأرض والفلاح في صعيد مصر في العهد العثماني، جمال كمال محمود، الهيئة العامة للكتاب.
·        مما جرى في بر مصر، يوسف الشريف، دار الشروق.
·        مصر في القرن الثامن عشر، محمود الشرقاوي، الهيئة العامة للكتاب
·        مصر في كتابات الرحالة الأتراك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سامية جلال، المجلس الأعلى للثقافة
·        حكم الخبراء، تيموثي ميتشل، المركز القومي للترجمة
·        مذكرات نجيب الكيلاني
·        أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري 1929-1934، علي شلبي، دار الشروق
·        رؤية جديدة لمصر 1919-1952، آرثر جولد شميدت، المركز القومي للترجمة.

الخميس، 5 أبريل 2018

هوانم وباشوات (1)"الطبقة العليا في مصر بين 1919- 1952"





عصر ما بين الثورتين  (1919-1952) ملهم لمن يبحث في تاريخ مصر الحديثة، يجد فيه العديد من المحطات التاريخية، فهو عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهو عصر يبدأ بثورة 1919، ضد الإنجليز في مصر، ويمتد إلى إعلان الدستور ثم وفاة زعيم مثل سعد زغلول، ثم معاهدة 1936 ثم تجري فيه حرب عالمية ثانية، يتخلل ذلك قيام إسرائيل وحرب 48، وينتهي بثورة أو انقلاب يوليو 1952.
وتشعر بالاستفزاز المعرفي عندما تطالع صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي، تنشر صور تعود لتلك الحقبة، لتحكي عن مصر الجميلة النظيفة الارستقراطية، وكانت من بداية شعوري بأن هذا كذب وغير حقيقي، صورة لمصنع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وكنت انتهيت لتوي من الكتاب المؤلم لفكري الخولي بعنوان "الرحلة"، ووجدت في الكتاب تفاصيل عن قسوة العمل في هذا المصنع وعن حالات القتل التي كانت تحدث من الماكينات فضلا عن عمالة الأطفال وضعف الأجور، وحالة التفسخ الاجتماعي التي حدثت في تلك المدينة مع توافد العمالة مع الريف، ونهاية صناعة النسيح المحلية.
ثم قرأت كتاب فتحي رضوان بعنوان "عصر ورجال" والذي قدم فيه تراجم لأهم المثقفين في تلك الحقبة، وكانت كل قراءة لأدباء تلك المرحلة، لا تزيدني إلا شعور برغبة في كشف تلك الفترة، التي أعرف أحداثها كأحداث فردية، سواء كانت ثورة 19، أو الحرب العالمية الثانية ومعاركها المشهورة، أو إتفاقية 36، فضلا عن الاسماء السياسية المهمة مثل سعد زغلول وعدلي يكن، ومصطفى النحاس، فبدأت أدون بعض الهوامش عن طبقات تلك الفترة لعلي أجد شيء ولو قليل من روح العصر على اختلاف طبقاته، ابتداء من الطبقة العليا والتي تضم الذوات والأعيان أي كبار ملاك الأراضي الزراعية، والفلاحون، والمثقفون، والحركة العمالية، وموظفو الحكومة.
الطبقة العليا والذوات
لنحاول أن نتخيل مواصفات لتلك الطبقة العليا المصرية، كان الباشوات ظاهرة قصيرة في تاريخ مصر، عمرها حوالي 150 عام، ففي  عام 1800، لم يكن في  مصر إلا باشا واحد وهو طاهر باشا، وتركيزنا على الطبقة العليا من المصريين، لا الأتراك  الشراكسة الذين تولوا الوزرات وحصلوا على اللقب من السلطان، فالارستقراطيةا لتركية كانت عثمانية الهوى والعادات مفصولة عن عموم المصريين، وهذا النوع وصفه كرومر بأن ملكاتهم لم تكن على مستوى مطامعهم.
وأصول تلك الطبقة تعود في الغالب إلى التزاوج بين الطبقات التركية والمصريين، أو العمد والمشايخ وكبار التجار ممن حصلوا على حصة من الأراضي لا تقل عن 200 فدان، وهو في الغالب مشترك في الجمعية الزراعية الخديوية تأسست عام (1898)، أو اتحاد الزراعيين تأسس عام (1911)، وحصل على الأراضي الخاصة به عن طريق الشراء من الدولة، خصوصا مع قانون المقابلة الذي قنن حقوق الملكية مقابل الدفع الفوري للضرائب، وقد قرر إعفاء الملاك من نصف الضريبة المستحقة في حال دفع ضرائب 6 سنوات مقدماً، وكان دافع الخديوي إسماعيل لهذا القانون هو رغبته في دفع الدين العام المستحق عليه.
وقد يكون مالك تلك الأراضي قد حصل عليها عن طريق شراء قطعة أرض جراء بيع "أراضي الدائرة السنية" وتلك الأراضي عرضت مرة أخرى لسداد الدين الخارجي، أو يحصل على هذه الحصص الزراعية من أجانب غادروا مصر في فترات الأزمات مثل 1917-1921، وهي فترة الهبات الوطنية، أو 1937- 1949 في فترة الحرب العالمية الثانية خصوصا رعايا دول المحور.
هؤلاء الأعيان كانوا الفئة الغالبة في مجلس الشيوخ، والذي يشترط تملك العضو 200 الف فدان، وكانوا هم غالبية أعضاء برلمانات مصر بين 1924- 1950.
وقد يكون الباشا من أحفاد أسرة بدأت الحصول على تلك الأراضي من بداية أسرة محمد علي، في القرن التاسع عشر، وازدادت مع الوقت مثل أسرة البداروي عاشور، أو أسرة شعراوي، أو أسرة أباظة التي كانت تمتلك بين 5000 فدان إلى 10000فدان.
ترافق ذلك مع نخبة من التجار بدأت مع إنشاء الغرفة التجارية، وبدأت في بناء مصرف وطني، والدخول في أعمال تقليدية مثل مصانع حلج القطن، أو مشاريع جديدة مثل مصر للطيران وصناعة السينما وإنشاء استوديو مصر،
باشاوات وسوبر باشاوات
كانت محصلة قراءة حسين مؤنس في عصر ما قبل ثورة 23 يوليو واطلاعه على وثائق هذا العصر خصوصاً الإنجليزية بعد الأفراج عنها، لونا من الكتابة الحزينة التي استخلص نتائجها في كتابه "باشاوات وسوبر باشاوات"، والصورة التي يقدمها مؤنس لهؤلاء الباشاوات "أنهم كانوا في عالم مرهوب وراء الأسوار، يتخيلهم المحرومون كأنهم ديكة أو طواويس:  في بذلات سوداء رسمية أنيقة طويلة الذيول، وطرابيش حمراء كأنها تيجان، ومشية أنيقة رشيقة وأبهة في موكب حافل من الخدم والعشم والسفرجية والأغوات...بعيداً عن عالم الرعاة.
وبرغم طرافة أسلوب حسين مؤنس فأنه يرسم بقلمه صورة قريبة من حياة الباشاوات فيقول أن الباشاوية تمتاز باللقب طبعاً، ثم مكان السكن الفخم في القصر أو السراي أو الفيلا، فلا يمكن أن تكون باشا وأنت تسكن في شقة متواضعة، وكذلك بالسيارة فضلا عن العزبة أو الأبعدية التي تكون فيها مساحة ضخمة من الأراضي.
ومؤنس يوضح أن اللقب كان يصدر من استانبول في البداية كما حصل مصطفى كامل على الباشوية من السلطان، لكن الخديوي إسماعيل فتح مصنع للباشوية وأتت له هذه الطريقة في منح الأعيان اللقب بالمال الوفير.
وبالطبع تشكل هذه الطبقة مادة الحكم فشخص مثل حسين سري باشا تولى الوزارة 25 مرة، ومحمود فهمي النقراشي 18 مرة، ومصطفى النحاس 17 مرة، والجو السياسي لمصر عام 1925 مثلاً، بعد قتل السير لي ستاك، وتعيين اللورد جورج لويد، يدل على الانحطاط السياسي، عن اللورد جورج لويد كتب محسن محمد كتاب بعنوان "الشيطان"
وعلى رأس الوزارة أحمد زيور باشا وهو رجل لا يستطيع بالكاد قراءة العربية، وقد وافق على كل ما طلبه منه الإنجليز مثل الانسحاب من السودان، وسلم واحة جعبوب للإيطاليين، وفي هذه الفترة سارع محمد محمود باشا بالارتماء في حضن الإنجليز لإسقاط حكومة الوفد بقيادة النحاس، عبر إثارة قضية وصاية النحاس على أملاك الأمير سيف الدين،فقط لكي يستلم كرسي الوزارة منه، وهكذا استمرت العديد من وزارات السراي التي تدار من قصر الدوبارة، وهو قصر المعتمد البريطاني، هكذا توالت حكومات مثل حكومة إسماعيل صدقي وتوفيق نسيم.
وخلاصة القول في أخلاق تلك الطبقة إنها لم تتجرد من الفضائل، بل كانت لبعضهم فضائل وملكات طيبة لكنهم وقفوا جهدهم لخدمة الملك والإنجليز، والذي يبحث في تطور المزاج السياسي لهذه الفترة بحسب مؤنس يلاحظ تغير مزاج حزب الوفد بتغير شخصية مصطفى النحاس فقد أرهقه الخلاف مع مكرم عبيد، وخرج من هذه المعارك متعباً قليل الثقة في الناس، وتغيرت قاعدة الوفد من عموم الشعب والأفندية إلى الباشوات.
الزمالك حي النخبة
هذه النقطة حدثت مع انزياح النخبة العليا من الطبقة الحاكمة إلى هذا الحي، خصوصا مع بدء المباني الحضرية قريباً من قصر الجزيرة الذي بناه الخديوي إسماعيل لاستضافة الإمبراطورة أوجيني، ثم تم تقسيمه بعد ذلك، وامتلك جزءا منه آل لطف الله السوريين، وفي العقدين الأولين كان ساكنو الجزيرة في قلب الزمالك هم حصرا من كبار المديرين الأجانب والمسؤلين الاستعماريين مثل (المدير العام لحسابات الدولة، والمدير العام للضرائب، ومحافظ البنك الأهلي المصري، وقضاة المحاكم المختلطة، مفتشو المالية ومفتشو الري والمستشارون) وأعضاء من الأسرة المالكة مثل الأميرة فاطمة فاضل والأميرة نازلي حليم، وشخصيات مهمة من نخبة التجار مثل أصلان قطاوي وجوزيف شيكوريل، وكان الزمالك أيضاً هو الحي الذي احتوى على أكبر عدد من النوادي: نادي الجزيرة الرياضي، والتيرف كلوب، والنادي الأهلي الرياضي، ونادي الضباط، والنادي المختلط، ونادي الاتحاد الإنجليزي المصري. واستمر الحي في فتح أبوابه لكبار الملاك ليصبح أحد أحياء الطبقة المترفة، وبرغم وجود المصريين إلا أن معظم المحلات والمخازن في هذه المنطقة يملكها أجانب.
البلدي والأفرنجي
ظهر في هذه الفترة نوع من التراتيب التي تربط بين أسلوب الحياة المتدني بأعتباره بلدي، وأسلوب الحياة الارستقراطي بأنه أفرنجي، هذا التمايز وصلت حدته إلى وجود النجارون والكواءون الإفرنجي مقابل النجارين والكوائين العربي، بل هناك تمايز في المحامون الشرعيون مقابل المحامين المدنين أمام المحاكم المختلطة، بل إن وصف الرومي أي الأوربي أصبح يميز بعض أنواع القطط والكلاب الأليفة التي تستحق وضعها في البيت، اما الأنواع البلدي المختلفة  لا تعد جديرة بهذه الصفة، وهكذا انقسمت المدينة بين بلدي بسيط ويرتبط بالخشونة والفقر وقلة الذوق، وأفرنجي مولع بالأشياء الأجنبية ومترف ولديه ذوق راقي، لكن الطبقة الوسطى تحاول الركض لتقليد الطبقة المترفة والنخبة العليا فيظهر نموذج مشوه للنموذج الأصلي، وتظهر محلات تلبي رغبات الأفندية ك "أفيرينو وصيدناوي وأروزدي" وفي مقابل النوادي الأهلية للنخبة تظهر صالات أرخص في الجوار، أو دار من دور السينما التي ازدهرت في تلك الفترة.