السبت، 27 أكتوبر 2018

محمد كرد علي: حيادي على طريقته في عصر التحزب



"وقد ثبت لي أنه ما أفلح في هذه الأرض حزب ولا جمعية، اللهم إلا إذا كان من بعض الشياطين أن اتخذوا من حزب مطية لأغراضهم الخاصة، يصلون على متنها إلى المراتب والمكاسب." محمد كرد علي
يتناول محمد الناصر النفزاوي حياة محمد كرد علي (1876- 1953) من زاوية ميوله السياسية في كتابه الصادر بعنوان "محمد كرد علي: المثقف وقضية الولاء السياسي"، ورغم قدم الكتاب، إذ صدر في بداية التسعينات، إلا أن مؤلفه يبرع في تتبع مواقف الرجل وعلاقاته السياسية اعتماداً على مصادر متنوعة، وينجح في استنطاق مذكرات محمد كرد علي، استنطاقاً يبين مدى صدقية دعوته إلى عدم التحزب.
أول ما يخطر في الذهن عند الحديث عن محمد كرد علي اهتمامه بالتراث العربي ودوره في "المجمع العلمي السوري" منذ إنشائه إلى وفاة محمد كرد علي، وقد أتاح له هذا الدور منزلة مرموقة بين أهل الثقافة بسبب إسهاماته في ميدان اللغة وإحياء التراث، أما الدور السياسي فيحتاج إلى مراجعة.
ابن الغوطة يتعلم الفرنسية
ولد محمد كرد علي عام 1876، العام الذي تولى فيه السلطان عبد الحميد الثاني عرش الخلافة العثمانية، في عالم كانت منزلة الدولة العثمانية تواصل هبوطها فيه. تعلم محمد كرد علي الفرنسية والتركية والعربية في طفولته. في ذلك الزمن احتكرت بعض الأسر في كل منطقة  "العلم" أو الاشتغال بالأمور المعرفية. ويرى كرد علي أن هذه الأسر كان لها دور في الاستئثار بالمدارس والأوقاف والوظائف الدينية مما جعلها تقصُر العلم والتعليم على أبنائها احتكاراً لفرص العمل بالتدريس والوعظ والخطابة والإمامة جيلاً بعد جيل. وهو بهذا لا يتبنى رأي من يُرجع كل مصائب الشام إلى إرادة تركية شريرة، فهو يلقي بالمسؤلية على البيئة الاجتماعية والمصالح المحلية الضيقة أيضاً.
في هذا الجو، الذي لم ير الناس فيه المشايخ التقليديين أصحاب إلهام، يقتدي الشاب الصغير بالشيخ طاهر الجزائري الذي يعده "في هذه الديار كالأستاذ محمد عبده في مصر".
العمل في الصحافة وبدايات الشهرة
في عام 1899 نشرت له مجلة "المقتطف" شيخة المجلات العربية كما يسميها، وهو في سن الثالثة والعشرين، تسعة فصول في "عمران دمشق"، وابتدأت شهرته من نشره في هذه المجلة. كانت بداية الشهرة لشاب من أصول كردية وصغير السن في مجتمع عتيق يقوم على الأصل والفصل.
هذه الشهرة دفعته للسفر إلى مصر في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1901، ثم يسافر محمد كرد علي لمصر ثانية عام 1905 ليصدر مجلة المقتبس، ويقيم في مصر ثلاث سنوات، ثم يحدث الانقلاب على السلطان عبد الحميد 1908، وتخف قبضة الاستبداد على بلاد الشام، ويعود إلى دمشق وينشئ مطبعة ويصدر المقتبس اليومي السياسي، وكذلك المقتبس الشهري العلمي، وكان المقتبس السياسي أول جريدة يومية صدرت في دمشق.
علاقة متوترة: محمد كرد علي والاتحاديون 1908-1914
لم يتردد محمد كرد علي في دعم حكومة الاتحاد والترقي في الآستانة عبر مجلته المقتبس. وحتى عندما أرسلت حكومة الاتحاد والترقي حملة على الدروز بقيادة سامي باشا الفاروقي، حاول أن يساعد الحملة بالخرائط والتقارير عن تلك المناطق. ولم يكتف بذلك بل هاجم جماعة المحمديين المناوئة لحكم الاتحاديين. ونتج عن ذلك بحسب روايته محاولة اغتياله من المحمديين، حتى لقد قرر عبد الرحمن باشا اليوسف، وهو من كبار الاتحاديين، أن يرسل ثلاثة من شجعان الأكراد يرافقونه أينما ذهب لحمايته.
لكن مواقف محمد كرد علي لن تشفع له عند والي سوريا، الذي سيتقدم بشكوى ضده، ويستصدر قراراً من حكومة الاتحاد باعتقاله، لكن بعض العاملين في مديرية البرق سيسربون الخبر له ليهرب عام 1909 على متن باخرة نمساوية كانت راسية في ميناء بيروت إلى باريس. وقضى في باريس فترة حتى حصل على البراءة عن طريق الآستانة. لم تكن هذه المرة الوحيدة التي سيهرب فيها خوفاً من الاعتقال، بل ستتكرر عام 1912 عندما صدر قرار باعتقاله من حكومة الاتحاديين، وهرب إلى مصر على ظهور الجمال، وعبر المدن والصحارى حتى بلغ القاهرة بعد أسبوعين.
كانت ضريبة العمل الصحفي والاقتراب من السياسة التعرض للاعتقال والمساءلة، لذلك نجد محمد كرد علي بعد عام 1913 يتجه إلى البحث. وإذا كان شكيب أرسلان قد اختار أثناء الحرب الإيطالية الليبية أن يندمج في مقاومة الإيطاليين صحبة صديقه الحميم أنور باشا، فإننا نجد محمد كرد علي في عام 1913 يشتغل في خزانة الأمير "ليوني كايتاني" في روما شهراً كاملاً، وهو اختيار عرضه لكثير من النقد بسبب حدة المشاعر المضادة لإيطاليا آنذاك.
رئيس تحرير عثماني الهوى فى الحرب العالمية الأولى
لن يصمد قناع الحياد الذي سيبدأ في ارتدائه كرد علي محاولاً التخفي، فقد اضطر للعودة إلى ساحة السياسة، فقد خطبت وده حكومة الاتحاد والترقي في بداية الحرب العالمية الأولى ليكتب في الصحيفة ما يدعم مواقفهم. ومع اشتداد الضغط على حكومة الاتحاديين تقابل عبد الرحمن الشهبندر ورضا باشا الركابي ومحمد كرد علي، وعرض الشهبندر الاتصال بالإنجليز للتفكير في مصير الديار الشامية، إلا أن محمد كرد علي رفض بحجة أن الدولة العثمانية قد تنتصر ويتغير الوضع. وعرضه هذا الرأي لسخرية الشهبندر، وانفض الاجتماع وتعاهدوا على الكتمان. وأرسلت له القنصلية الفرنسية، كما يروي، من يستميله ليقف في صف فرنسا، لكنه وقف مع العثمانيين، وسيسجل الفرنسيون هذا الموقف في أوراق القنصلية التي سيحصل عليها رجال جمال باشا، فيزيد تقدير جمال باشا لمحمد كرد علي، وتبدأ علاقة بين الرجلين يمول فيها جمال باشا محمد كرد علي وجريدته المقتبس، ثم يرأس كرد علي تحرير جريدة الشرق وهي جريدة تبث الدعاية لتركيا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى.
لا نحتاج إلى مقارنة بين مواقف شكيب أرسلان ومحمد كرد علي، فقد شرح لنا محمد كرد علي الأمر: "كان الأمير شكيب أرسلان من جماعة أنور يحميه ويحبه، وكنت أنا من أخصاء جمال باشا يحبني ويحميني، والله أعلم بنيات الاثنين نحونا، وأنا لا أعتقد بأن قلب أمثالهما من القلوب التي تحب، وما حبهما لنا إلا لاستخدامنا في الدعوة لهما وللدولة".
محمد كرد علي بعد الحرب العالمية الأولى وفي عهد الحكومة الفيصلية
كانت فترة جمال باشا قاسية على شخص يحب الفردية ويمقت العمل السياسي، ويريد النجاة بنفسه وماله ما استطاع، ويتشكك، بطبيعته، في دوافع الناس، ويميل إلى أن يضفي أبعاداً أخلاقية على مواقف الأشخاص السياسية. كان محمد كرد علي حزيناً في هذه الفترة.. "إني استعبدت مرة واحدة في حياتي، ولا أحب أن أستعبد مرة ثانية، استعبدني جمال باشا الكبير لأنه حماني، منذ وافى هذه الديار، من دسائس الدساسين، وأنا أكره الاستعباد مهما كانت صورته ولست كفوطة الحمام انتقل من جسم إلى آخر". ومما يثير العجب حنق محمد كرد علي على بعض الشخصيات التي ذكرت اسمه في التحقيقات التي أعدها جمال باشا في عالية، مع تجاهل المتسبب الحقيقي في هذه الفوضى السياسية وما جاءت به من إعدام الوطنيين، وهو جمال باشا.
مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وتولي رضا باشا الركابي الحكم، يعتزل محمد كرد علي العمل السياسي المباشر، ويبدأ بناء المجمع العلمي في دمشق. يستمر كتاب النفزاوي في عرض متقن لتفاصيل علاقة محمد كرد علي بحكومة فيصل. ولا بد هنا من إشارة عرضية إلى أن القوم جميعهم، أقصد مثقفي تلك الفترة.. محمد كرد علي وخصومه، لم يكونوا يرون في التعامل مع القوى العظمى، بريطانيا وفرنسا أو حتى ألمانيا، أي غضاضة، أي أنهم لم يكونوا يرون في هذا التعامل ما سترى الأجيال اللاحقة من أن ذلك يعد خيانة أو نقصاً في الوطنية. وكي نفهم ذلك يجب أن ندرك أننا في فترة سيولة سياسية وانهيار لسلطة الدولة العثمانية بعد قرون من سيطرتها على تلك المناطق، وهي فترة تنازع بريطاني وفرنسي، بل حتى أمريكي، فلقد أرسلت أمريكا وفداً لدراسة فرض الانتداب على تلك المنطقة. كانت منطقة تتشكل من جديد، وتبحث عن قوى عظمى تؤيدها. لم يكن لديهم ما أصبح لدينا اليوم من خبرة تاريخية أدت بنا إلى عدم الثقة بوعود الغرب. كانوا أول من جرب هذه الكأس، فالملك فيصل سافر وهو يظن أن الإنجليز لن يسلموا سوريا للفرنسيين، ووثق الكثير من أهل العصر بوعود الرئيس الأمريكي ويلسون بشأن حق تقرير المصير.
محمد كرد علي وعهد الانتداب
كانت واقعية محمد كرد علي السياسية تصل إلى البحث عن مصالح مدينة دمشق فقط، فهو غير منشغل بالأحداث السياسية الكبرى، وهو يغضب من توظيف الوالي رضا باشا الركابي بعض الفلسطينيين أو اللبنانيين في بعض الأعمال، وهو يجمع نخبة من شباب دمشق لمقابلة المندوب السامي الفرنسي الجنرال غوابيه.
إن صراحة محمد كرد علي في مذكراته توضح سذاجته السياسية أو كيف ينظر للأمور في تلك الفترة بصراحة دون مواربة، فهو يقول مثلاً إن من يعادي إنما يعادي لسبب، وإنه لم يجد سبباً لمعاداة سلطات الانتداب. شعر أنه لم يلق من الفرنسيين إلا كل رعاية، وساعدوه في المجمع العلمي ودار الكتب والمتحف. إن محمد كرد علي ينطلق في تقييمه للأحداث من واقع فردي، فهو ينتمي ككل أعضاء الحكومات التي تشكلت في هذه الفترة إلى جماعة الانتدابيين، الذين لا يرون حرجاً في التعامل مع الفرنسيين. ولا يستغرب المرء أن تكون كل وزارة لا تضم بين عناصرها محمد كرد علي محل نقد جارح من جهته.
تفكير محمد كرد علي السياسي
نلاحظ أن محمد كرد علي لم يكن من المعارضين لحكم العثمانيين ولا من المؤيدين، لقد كان يتجنب الخوض في السياسة العثمانية، ولعله حاول أن يفسر ذلك في مذكراته بقوله "إن العاقل يلزم السكون عند تبدل الدول". يفسر الكاتب محمد الناصر النفزاوي حيادية كرد علي السياسية بأنها تعود إلى أن الرؤى الفكرية والسياسية المتضاربة في هذه الفترة. وهي فترة شبيهة بفترة المخاض، وهي فترة نزاع بين العثمانية والإسلامية والوطنية، وفترة إرهاب وشك وتعدد رؤى قومية ووطنية لم تبلغ مستوى الوضوح إلا فيما بعد.
في هذه الفترة انتشرت الجمعيات السرية والمنظمات وتم إحياء العديد من الأفكار. في فترات النزاع لا تتمكن العقول الميالة إلى الشك، ومنها عقل محمد كرد علي، من الاستقرار على ولاء راسخ. وعزز ذلك ضعف وجود البدائل في الساحة السياسية. ولعل هذا ما يفسر وصفه لنفسه بأنه "حيادي غير حزبي".
هناك سبب ذاتي يورده محمد الناصر النفزاوي ويعتمد فيه على مذكرات محمد كرد علي، وهذا السبب أن محمد كرد علي كان يسيء الظن بالساسة والعمل الحزبي. يقول في مذكراته "كنت أسير على ما يوحيه إلي عقلي عندما يقترح علي الانضمام إلى أناس لا أعرف سيرتهم للمشاركة في مسائل ظاهرها نافع ووطني، وذلك لأني بلوت الأحزاب وعرفت أغراضها، وأدركت مرمى الجمعيات. ومن فضل الله أنني كنت أقل رفاقي تهوساً بالحزبية وتهوراً في الإقدام عليها. واجتهادي هذا وفر علي أوقاتي ومالي". ونلاحظ ميل محمد كرد علي للتقليل المستمر من دور العامل السياسي الشعبي أو المقاومة في إحداث  أثر، فضلاً عن  تمجيد النمط الإنجليزي في التغيير البطيء، والخوف من الثورات والتحولات السريعة في المجتمع.
وهو في هذا على النقيض من شخصيات مثل شكيب أرسلان ورشيد رضا، فرشيد رضا حاول الاستفادة من الشريف حسين سياسياً، لكن محمد كرد علي رأى أن ما تمتد إليه يد الناس من صرة الشريف حسين هو ذهب الإنجليز لا ذهب الشريف حسين، وعلى الرغم من أن شكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا حاولا إقامة علاقات مع حكومة نجد والحجاز لتوظيفها سياسياً، فإن محمد كرد علي كان يرفض إدخال الدين في السياسة في موقف متشدد من الوهابية ونقد حاد لحكومة نجد. ثم نجده ينقد في كتاباته جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في بدايتها في تلك الفترة.
روح العصر تترك أثرها في أفكار المثقفين وحياتهم، ولا يليق بمن يقرأ التاريخ أن يقيم المحاكمات وأن يلبس المواقف التاريخية ثوباً أخلاقياً، ويكون كالقاضي الذي تعرض عليه ملفات الأنام ويحكم فيها بمفاهيم الوطنية أو الخيانة، فكل مثقف قد تحدوه الشجاعة أو تخونه في بعض الأحيان، والذي يلفت النظر في محمد كرد علي صراحته في تفسير مواقفة. وهو نموذج من نماذج عديدة في تعامل المثقفين مع السلطة مقاومةً أو مهادنةً. ولافت للنظر أنه لا يمل من الدعوة إلى التبرؤ من كل التزام سياسي، وإلى التمسك بالحياد، ومع ذلك فقد كان بعيداً كل البعد عما كان يدعو إليه.

ولادة المستشفيات أجداد أطباء اليوم سحرة وكهنة!



الكستناء الهندية تساعد على الشفاء من البواسير، وحجر اليشب الأحمر وهو أحد أنواع الأحجار الكريمة يساعد في إيقاف نزف الدم، والطماطم تزيد نسبة الدم في الجسم، هذه وصفات طبيبة قبل القرن الثامن عشر، وقبل الطب الأوروبي الحديث!
ليس هذا فحسب بل أن الطب اقترن بالسحر والكنيسة والشعوذة والتنجيم، ولقد خرج الطب قبل القرن الثامن عشر مهزوما وفاشلا في معالجة أوبئة خطيرة.
وتاريخ الطب القديم ينمحور حول نزيف وتطهير وحجامة، وإعطاء سوائل من كل نبات، ومحاليل من كل ملح ومعدن، مع استخدام كل أنواع الحمية بما فيها الصوم الكامل، مع أغرب الخيالات عن أسباب المرض!
طبيعة المرض قديماً     
أرجعت الكتب الطبية القديمة أسباب انتشار الأوبئة لثلاثة أسباب: الأبخرة العفنة، وهي الهواء الفاسد الذي يأتي من المواد المتعفنة أو الأجسام المتحللة، وهناك الـمُمْرضات أو المعديات Contagions، وهي المواد التي تخرج من الشخص المصاب بالعدوى وتساعد على نشر المرض للآخرين، والأمر الثالث هو تأثير الأفلاك والنجوم وحركة الكواكب على صحة الناس ومسار الأحداث.
أما عن طبيعة المرض نفسه فهو نتيجة لعدم توازن أمزجة أو أخلاط الجسم Humors، فلدينا الساخن والبارد والرطب والجاف، وكانت العناصر الأولى في هذا التوازن هي الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وكل فرد له توازن أخلاط يظهر في مزاجه، فقد يكون بلغمياً أو صفراوياً أي عصبياً، أو سوداوياً أي مكتئباً. المرض هنا هو اضطراب في توازن الأخلاط، وعلى الطبيب أن يوازن ذلك الخليط أو يصححه بالأعشاب والغذاء.
أصناف الأطباء قبل الطب الحديث
انقسم العاملون في الطب – هذا بخلاف المشعوذين والسحرة - إلى ثلاثة أقسام: "الحكماء" وهم من يقرأون الكتب الكلاسيكية القديمة في الطب. وهذه الشريحة فرضت سعراً أعلى في المداوة، وانحسر عملها في مداواة الحكام والأمراء والطبقة الارستقراطية، واحتقرت الجراحين لأنهم لا يقرأون الكتب "المعتمدة".
وهناك" الجراحون" الذين كانت معارفهم الطبية مستقاة من ممارساتهم العملية للجراحة والحجامة، وقد نظموا طائفة لهم، ولكن الحكماء نظروا لهم على أنهم مجرد جزارين! حتى إن ابن سينا قال عن الجراحة إنها من الصناعات اليدوية، ولا تستحق أن ترفع إلى مقام الطب.
هل لك أن تتخيل أن تكون معالجاً في قرية في العصر الحجري ولديك مريض لست متأكداً تماماً من طبيعة إصابته، فهو يعاني من اضطرابات الصرع ولا تعرف تماماً ما به! والحل هو القيام بثقب داخل رأسه، لربما سيساعد ذلك في علاجة! هؤلاء هم أجداد الجراحين. وكما تقول كاثرين موهر فإن ثقب الجماجم كعلاج يعود إلى عشرة آلاف سنة.
تتبقى الفئة الثالثة التي تعتبر أجداد حلاقي القرية، وهم محتقرون من الحكماء ومن الجراحين ويمارسون الطب الشعبي! وقد يتجولون من قرية إلى قرية، وهم يقومون ليس بالمعالجة فقط بل بعروض فنية، فنحن في زمن ما قبل التخدير، وصراخ المريض بسبب ألمه المبرح يشبه الحفلات العامة الصاخبة.
ولادة الطب السريري
كل هذا سينتهي وسيظهر طب حديث يقوم على التشخيص، ويعتبر أن سبب المرض خلل عضوي. سنضع كتاب ابن سينا "القانون في الطب" على الرف، وننصرف عن جالينوس وأبقراط، ولندخل القرن الثامن عشر وفي أيدينا مبضع، ولنفتح باب المشرحة! ذلك أن الطب تحول إلى مهنة وأصبح له كلية ومستشفى ودولة ترعاه. ورغم أن أبقراط يلقب بأبو الطب إلا أنه لم يشرح جثثاً آدمية، لأنه مثل جميع الفلاسفة الأغريق لم يجرؤ اعتقاداً منه أن الروح تتضرر من ذلك. وكذلك نعلم أن أرسطو لم يمارس التشريح رغم أنه كتب في التشريح المقارن، وفي الغالب اعتمد قدماء الإغريق على تشريح الحيوانات.
فوكو من المؤلفين الذين اهتموا بدراسة تاريخ تطور المؤسسة الطبية. فبرغم انتماءه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوله إلى جراح يجيد تشريح الأجساد، إلا أنه أصبح كاتباً ومؤرخاً مهتماً بتشريح الأفكار، فكتب عن تاريخ العيادة والمستشفى في كتاب صدر عام 1963. وصدر الكتاب مترجماً عن المركز العربي بعنوان "ولادة الطب السريري".
سفينة الحمقى
هناك قصة تتعلق بأن الدولة في العصور الوسطى عندما لم تستطع التعامل مع المجانين وأصحاب الأمراض العقلية جعلت لهم سفينة المجانين: فالدولة لم تستطع التكيف مع المصابين بالأمراض العقلية ومصابي الجذام وغيرها من الأمراض، وكانت تضعهم في سفينة وتجعل أحد المرضى يبحر بالسفينة لخارج المدينة، كنوع من الطرد خارج حياة الناس، ورمزية القصة أن المرض يبقى خارج المدينة.
والآن، تقرر الدولة أنها لن تطرد المرضى. ستبني لهم مبنى اسمه مستشفى، ومصحة عقلية، وستجعلهم داخل المدينة. وسبب ذلك النمو الاقتصادي وتزايد الإنتاجية والموارد، فضلا عن زيادة عدد السكان، وتطور المعارف المتعلقة بالحياة بصفة عامة، بصاف إلى ذلك تحسن التقنيات الزراعية، مع قلة الأوبئة والأمراض الفتاكة. وهناك سبب سياسي لتدخل مؤسسات الدولة في الصحة في القرن الثامن عشر وهو توسيع مدى نفوذها وسيطرتها على المجتمع كما يرى فوكو.
فالدولة أصبحت أمك وأبوك. قبل هذا الوقت كان من يتعامل مع المريض هي أسرته، فهي من يتحمل تكلفة علاجه، ثم ظهرت الدولة بشكلها الحديث وقررت التكفل بهم! ظهر نقاش حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، ودعا أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة استثمار الأموال التي ترصد لبناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة التي سيصبح آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت بإجراءين، الأول هو مساعدة المريض على المرض، والثاني مساعدة أسرته على القضاء على البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى منفعة في بقاء المستشفيات، وهكذا تم إنشاء أول مستشفى مكون من عدة أقسام في مدينة بليموث عام 1756، وتم إنشاء أكاديمية للجراحة عام 1743. (هذا بالطبع في أوروبا فأما في العالم الإسلامي فقد عرفت البيمارستانات، أي المستشفيات، قبل ذلك ببضع مئات من السنين).
وفي نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع. فقد علمنت مجال  الصحة بفصل الدين عن الصحة، وبإقصاء الكنيسة عن تدبير المجال الصحي وعن التدخل في علمية العلاج. هكذا استبعد الجانب الديني للطبيب فهو ليس ساحراً ولا قساً، وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى تملك قدرات الأول ولا صفات الآخر، بل يمارس مهنته بشكل تقني.
وهكذا أدخلت الدولة أنفها في أمور صحة الناس، فقامت بالتفتيش على المدن صحياً، وتنظيفها وإعادة تنظيمها لتكون أكثر صحية، كما وضعت الدولة مخططات لردم البرك الآسنة، ونقل المقابر إلى أماكن تبعد بمسافات مأمونة عن المدن، وكذلك الاهتمام بمخازن الطعام والحبوب والفواكه وتفتيشها خوفاً من العفن.
باختصار أصبحت الصحة للسكان هدفا للدولة، وكذلك تكفلت بمجانية العلاج وإلزاميته، فالطبيب لا يجوز أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها الجديدة، وكذلك قامت بتقنين الممارسة الطبية فكل فرد يمارس الطب دون اجتياز الامتحانات، أو التقدم للجان المختصة سيعاقب بغرامة أو بالسجن في حال تكرار الذنب، وسيتم تسجيل أول حالة تطعيم عام 1796، وقد تحمس لها نابليون، وتم تطعيم العديد من جنوده.
القرن الثامن عشر: قرن المجد للطب
تغير في القرن الثامن عشر نمط الطب من طب أبقراط الذي اعتمدته العصور الوسطى إلى طب المستشفى، وبدأ الطبيب يفحص النبض ويعدّ النبضات. وعلى النقيض من العصور الوسطى لم يعد النظر إلى البول يحتل منزلة أساسية في التشخيص. وعلى الرغم من التقدم في الإجراءات إلا أن الطب سيحتاج وقتاً ليحصل على الثقة بين الناس. قال فولتير عن طب عصره "إنهم يصفون أدوية لا يعرفون عنها إلا القليل، لعلاج أمراض لا يعرفون عنها سوى الأقل، للإنسان العادي الذي لا يعرفون عنه شيئاً على الأطلاق". وفي عام 1808 تمت ترجمة دراسة للطبيب ليوبولد أوينبرجر عن فحص الصدر بالنقر بالأصابع، وبهذا أدخل حاسة السمع، في التشخيص، وفي عام 1819 ابتكر ثيوفيل رينيه لانك السماعة الطبية (خجل من وضع أذنه على صدر امرأة شابة فكان لنا هذا الاختراع، واستوحاه لانك من مشاهدته الأطفال يلعبون في الحدائق ويتهامسون عبر الأنابيب).
تطور المستشفيات
ظلت مستشفيات القرن الثامن عشر تعاني من مشاكل، ففي تحقيق أجراه "تينون" (1724- 1816)، في فرنسا وصف الخراب الهائل للمستشفيات، حيث يختلط العجزة وصغار المجرمين والمومسات والمتسولون والمشردون بالمرضى وضحايا السرطان والمختلين عقليا. شكلت المستشفيات ملجأ وسجناً وملاذاً، وعرضياً مكاناً للعلاج، أما المستشفيات الحقيقية بالمعنى المعاصر حيث أجنحة التخصصات المختلفة فقد تأخرت حتى القرن التاسع عشر حين حدثت إصلاحات عديدة مثل ربط أساتذة العيادات والمستشفيات بالبلديات، فبهذا تحسنت الحالة المادية للأطباء، فضلا عن ربط حصول الطلاب على منح في دراسة الطب بتواجدهم في صالات التشريح وقاعات المرضى، وبهذا لم تعد المستشفيات ملجأ للبؤساء بل أصبحت مكاناً للتدريب، وتحسنت العلوم الطبيبة.
الجيوش والطب
ويرجع الفضل في بعض التطورات الطبية للجيوش بسبب الخبرة المكتسبة من القتال. الجراح دومينيك لاري (1762-1842)، الذي شارك في حملة نابليون على مصر، وواجه مناخاً صحراوياً، فكر كثيراً في كيفية تأمين رفع الجرحى من ميادين القتال، ونقلهم إلى مكان العلاج، فقام باستخدام الجمال في مصر، وأوصى باستخدام البغال في جبال الألب، والزلاجات في روسيا، وأصبح لاري أول منظر لاستخدام الإسعاف في وقت الحروب.
عمر المشتشفيات – بمفهومها الأوروبي الحديث - ثلاثة قرون تقريبا، وعلى الرغم من المشاكل التي تعتري المستشفيات فهي باقية، لأنها تحمل ثلاث صفات تجعل الاستغناء عنها أمراً مستحيلاً، ألا وهي: التشحيص المتطور، والرعاية السريعة للحالات الطارئة، والعمليات الجراحية.
ويمثل الذهاب للمستشفى لإجراء مجموعة من الفحوصات ممارسة شائعة في العصر الحديث، فالطب بصورته الحديثة يتجلى في بناء المستشفى، لكنه يخفي شيئاً آخر مهماً، وهو المعمل أو المختبر، فلا طب حديثاً دون فحص يتم تحضيره في المعامل لا المستشفيات.

الجسد والحداثة: لماذا الاهتمام بتاريخ الطب؟
زاد الاهتمام بدراسة تاريخ الطب لأنه يقدم زاوية مهمة من تفاصيل الحدث التاريخي، فالمجتمعات تتعرض للتحديث، وأحد أوجه هذا التحديث صحة المواطنين أو قدرة الدولة على مواجهة الأمراض والأوبئة.
ظهرت العديد من الدراسات العربية والمترجمة التي تهتم بهذه الزاوية مثل كتاب "الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة" للدكتور خالد  فهمي الذي استعرض فيه الكاتب تطور المؤسسات الطبية في مصر، وقد اهتم قبل ذلك في كتابه الآخر "كل رجال الباشا: محمد علي وجيشة وبناء مصر الحديثة" برصد الحالة الصحية للجيش المصري في عهد محمد علي. وهناك كتاب آخر بعنوان "أرواح في خطر: الصحة العامة في مصر في القرن التاسع عشر" يرصد العديد من الأوبئة التي أصابت مصر مثل الكوليرا والطاعون والجدري، ويبين كيفية تفاعل الدولة معها. وهذه الأبحاث التي تنطلق من الأوبئة تمس الحالة الاجتماعية للمواطنين والدولة وتثري فهمنا لتاريخ تلك الفترات.
وهناك دراسة ديفيد أرنولد بعنوان "الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية" التي قدمت معالجة متنوعة للعلاقة بين المرض والاستعمار مثل الجدري في الهند، ومرض النوم في الكونغو، والكوليرا في الفلبين، مع دراسة شيقة عن مرض البلهارسيا في مصر، ومعالجة البريطانيين له خوفاً من انتقاله لجنودهم في الحرب العالمية الأولى، إذ وصلت نسبة إصابة المواطنين المصريين إلى 47% من مجمل السكان. وكان للكشوفات الجغرافية دور في تغيير خريطة انتشار الأمراض في العالم. وهناك الدراسة التي قدمت تاريخاً للطاعون في أوربا وقد ترجمت بعنوان "الموت الأسود" في سلسلة مميزة تصدر بعنوان الحياة اليومية عبر التاريخ.
تميل الدراسات التاريخية الآن لتضمين الحالة الصحية وتاريخ الأمراض في الفترات التاريخية التي تدرسها، مثل الكتب التي تصدر عن الحرب العالمية الأولى والثانية. وفي نفس السياق ترجم إلى العربية كتاب "الأوبئة والتاريخ: المرض والقوة والإمبريالية" لشلدون واتس الذي يعالج علاقة الأوبئة بالاستعمار.
ومؤخراً صدر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" كتاب "الطاعون في العصر الأموي" الذي يدرس أثر الطاعون في الأوضاع الديموغرافية في ذلك العصر، وانعكاساتها على النظم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدان الدولة الأموية وأقاليمها.

مراجع
·       تاريخ الطب، جان شال سورنيا، مؤسسة عالم المعرفة، الكويت.
·       الطب مقدمة موجزة، دار كلمات، مصر.

أصدقاء الكفاح: محمد رشيد رضا (2)



"لما نشب خلاف بين أعضاء المؤتمر وبين الملك فيصل وبدرت من الملك كلمة ينتقص فيها من قدر رجال المؤتمر كان فيما قال الملك: أنا الذي أوجدته - أي المؤتمر -، فرد محمد رشيد رضا عليه بقوله: بل هو الذي أوجدك! فقد كنت قائداً من قواد الحلفاء تحت قيادة الجترال ألنبي فجعلك ملكاً لسوريا".
عرضت في المقال السابق تجربة الكاتب والسياسي شكيب أرسلان، وأعرض اليوم بعضاً من أوجه تجربة محمد رشيد رضا ودوره في بلاد الشام، من خلال رحلاته التي سجلها وجمعت مرتين: الأولى في كتاب "رحلتان إلى سورية" الذي يسجل فيه رحلتيه إلى سورية فقط، والثانية في كتاب "رحلات الإمام محمد رشيد رضا" تحقيق يوسف إيبش، الذي جمع رحلات وأسفار رشيد رضا كلها.
قرر رشيد رضا أن يلحق بشيخه محمد عبده في مصر في عام 1898، بعد أن تم تعطيل مجلة "العروة الوثقى"، وفي نفس العام أصدر رضا أول أعداد مجلته "المنار".
الرحلة الأولى لبلاد الشام 1908
صادرت حكومة سورية العدد الثاني من المنار بعد توزيعه، لمقالة فيه عنوانها "القول الفصل في سعادة الأمة"، ثم صدر أمر من السلطان عبد الحميد الثاني بمنع مجلة "المنار" من دخول مملكته، وعرض عليه أكثر من منصب في بلاد الشام شرط أن يتوقف عن الكتابة. ولم يوافق وفضل المكوث في مصر. ثم أعلن الدستور العثماني في عام 1908 فعاد لزيارة بلاد الشام.
مما لفت انتباهه سعي بعض المصلحين لإعادة فتح المدارس التي أسستها جمعية المقاصد الخيرية والتي أغلقت في عهد عبد الحميد. واستقبله الناس بالاحتفالات في طرابلس، لكن أحد الأشخاص قام بالاعتداء عليه محاولاً إطلاق النار عليه، وغضب الكثيرون من محبي رضا من هذا التصرف، ويقول في سجله عن الرحلة: "وتطوع نحو خمسين رجلاً من فدائية بيروت (الأبضايات) بذلك، فكتبت إلى بعضهم أنه لا حاجة إلى ذلك، وأنني في طرابلس عزيز كريم"، وينقل رسائل من بعض المسيحيين الذين حزنوا من أجله، وكتب له نقولا أفندي شحادة رسالة يتمثل فيها بقول المسيح عليه السلام الذي معناه أنه لا يهان نبي إلا في قومه وبلده.
امتلك رشيد رضا الكثير من الأفكار ومن أجلها سافر إلى الآستانة عام 1910 ليمول دار الدعوة والإرشاد، ثم شارك في تأسيس جمعية "الجامعة العربية".
وبعد رحلته الشامية بأعوام - وفي عام 1913 - سافر إلى الهند واستقبل فيها استقبال الملوك، وعرج أثناء رحلته هذه على مسقط والكويت والعراق وسوريا. وكانت الثورة العربية في أواخر العهد العثماني، فرحل إلى الحجاز والتقى بالشريف حسين، وجعل مجلة المنار منبراً لبث الدعوة إلى مبايعته، واغتنم تلك الرحلة لأداء فريضة الحج.
رضا يقابل بيكو
سافر رشيد رضا إلى بلاد الشام ثانية في أيلول/سبتمبر سنة 1919 وقد وضعت الحرب العظمى أوزارها، وتم منحه أذن سفر مقابل كتابته تعهداً بعدم تهييج الوضع السياسي، ثم دعي لمقابلة مسيو بيكو المشارك في وضع اتفاقية سايكس بيكو، قال رضا: "واتفق ان أعلن كل من دولتي إنكلترا وفرنسة عقب وصولي إلى الشام أنهما اتفقتا نهائياً على تنفيذ معاهدة سايكس بيكو". ثم زاره شرطي في بيروت وأبلغه استعداد القومسير السامي مسيو "جورج بيكو" لمقابلته. دار الحديث بينهما في ثلاث مسائل وفيها ذكر رشيد رضا أهمية جعل التعليم باللغة العربية، وعدم المساس بهذه القضية من الفرنسيين، والثانية سأل رشيد رضا بيكو عما تنوي فرنسا عمله في شرق سوريا وهل ستبقي على حاكم واحد أم أكثر، وتهرب بيكو من إجابة هذا السؤال، والمسألة الثالثة كانت نقاشاً عن الفرق بين سياسات بريطانيا وفرنسا في المناطق التي خضعت لكل منهما

رضا والملك فيصل
في هذه الزيارة ذهب رشيد رضا إلى دمشق ليقابل الملك فيصل، ثم عاد إلى بيروت في أول مارس/آذار سنة 1920، لإقناع وجهاء بيروت المنتخبين للمؤتمر السوري بحضور الجلسة التاريخية التي يعلن فيها استقلال سورية. كان رضا يتصرف كمسؤول أول عن مستقبل بلاد الشام، فيقترح على الملك فيصل تعيين الوزراء، ونقل فيما كتب عن رحلاته خلافه مع فيصل ورده عليه بأنه جاء بسبب عمله مع الحلفاء، ورفض رشيد رضا طلب فيصل من وزراء حكومته إعداد جيش لمؤازرة أبيه الشريف حسين إذا نشبت الحرب بينه وبين ابن سعود. ذلك كله لم يمنعه من الثناء على تواضع الملك فيصل وخصاله الحميدة، وكان يوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر لا يصدران إلا عن رأي رشيد رضا لأنه هو الذي رشحهما لوزارة الأتاسي. وهنا نشير محذرين إلى أننا ننقل الوقائع والمواقف من وجهة نظر رشيد رضا كما دونها بقلمه.
شارك رشيد رضا في تأسيس حزب الاتحاد السوري، ورضي أن يكون فيه نائباً للرئيس، وأن يكون الأمير ميشيل لطف الله رئيساً. وقررت لجنة حزب الاتحاد أن تدعو الجمعيات والأحزاب السورية إلى عقد مؤتمر سوري عام في جنيف، مركز عصبة الأمم، عام 1922. ومع عودة رشيد رضا إلى مصر لم تعد المسألة السورية من أولوياته، وقد زامن ذلك انهيار الخلافة العثمانية، ونشوء دولة آل سعود في نجد.
تاريخ اجتماعي لبلاد الشام
نرى في رحلات رشيد رضا إلى بلاد الشام تاريخاً شخصياً عن نشاطاته، لكنها تحتوي على تاريخ اجتماعي حي، حيث يصف عادات استقبال الناس في القرى وتقاليدهم، وكان يصف أي مكان يزوره مثل بلدة القلمون وطرابلس. ولم تتجاهل ملاحظاته القطار الحديدي إلى دمشق، وينقل لنا فرحته بصناعات دمشق وانشراح صدره بها، فهو يلاحظ مهارة العمال في صناعة الفسيفساء في المساجد، ويزور بيت عبد الرحمن باشا يوسف أمير الحج فيلفت نظره جمال أثاث بعض الحجرات وأنها كلها من صنع بلاد الشام، ثم يقول: ونفتخر بصناعات الشام في النسج والحفر والبناء والنجارة والأثاث، حتى القناديل الكهربائية النحاسية فهي من صنع تلك البلاد.
رشيد رضا رجل إصلاح ما أن يزور مدينة حتى يقدم درساً في المسجد، وينتقل بعدها ليؤسس جمعية في البلد ويسعى لإصلاح المدارس بها ويشتغل بالعمل السياسي بجانب تلك الأنشطة. وهو حريص على مقابلة الأعيان والمشايخ، ويصف مثلاً مقابلته مع الشيخ جمال الدين القاسمي ويمدحه، ثم يزور حمص ويلفت نظره أن التعايش بين المسلمين والمسيحيين فيها أفضل من بيروت، والتفاصيل التي يهتم بها رشيد رضا تشبه مذكرات الرحالة عن المدن التي يزورها، وهو يكتبها لقراء مجلتة المنار من أقطار مختلفة فيريد أن يشركهم في كل ما تقع عليه عينه.
في دمشق يصف فندق فيكتوريا وسوء الخدمة فيه، ثم انتقاله لفندق الشرق الملاصق لفندق فيكتوريا مع وصف حالة الفنادق في تلك الفترة، ثم يصف سوء حالة الوضع الاقتصادي في بلاد الشام إبان الحرب العالمية الأولى، وأن دمشق كانت أفضل حالاً لأنها تقع في بحر عظيم من الجنات والبساتين. أما مناطق لبنان والساحل فقد تعرضت لما يشبه المجاعة، ويصف ما وصل له الناس في تلك المناطق خصوصا في قضاء المتن وكسروان، وانتقد إقامة الوجهاء المآدب للولاة وقواد الجيش مثل جمال باشا الذي يذكر مظالمه، وذكر أن رؤساء البلديات كانوا يهتمون بنقل جثث الموتى أو المشرفين على الموت جوعاً من الطرقات حتى لا يراهم جمال باشا أو أنور باشا أو والي بيروت في زياراتهما.
ويصف حال المسلمات في بيروت بأنهن الأشد محافظة على التقاليد القومية من أمثالهن في سائر المدن السورية، بسبب قلة أخذهن بأسباب التغريب وقلة اختلاطهن بالترك. ننقل تلك الملاحظات وهي كثيرة في رحلاته لنذكر اهتمام رشيد رضا برصد مظاهر الحياة في بلاد الشام بداية من الدروس العلمية في المساجد إلى الحالة السياسية والعمرانية إلى الحياة الاجتماعية وملابس النساء، وقد فعل الشيء ذاته عندما دوَّن رحلته إلى إسطنبول وقدم ملاحظات شيقة عنها.

حياة حافلة بالأعمال وعصير مخيب للآمال
قد يرى البعض في حياة رضا تحالفات مختلفة وولاءات متباينة، فهو لم يعادِ العثمانيين في البداية، لكن التضييق اضطره لهذا الشعور، ومع الوقت زاد وعيه بخطورة الاستبداد خصوصا مع معرفته بالكواكبي، ثم حاول أن يتعاون مع الشريف حسين في ثورته العربية، وشهد أفول حكم العثمانيين وسقوط دولتهم، ووثَّق وعود الرئيس الأمريكي ويلسون بحق تقرير المصير، وسافر مع وفد المجلس السوري الفلسطيني إلى جنيف ليعرض قضيته على عصبة الأمم ثم لم تكن تلك الوعود إلا أوهاماً ورأى بلاده تقسم بمعاهدة سايكس بيكو بين إنجلترا وفرنسا.
رشيد رضا شاهد على لحظة التحول لكنها لم تكن لحظة مبهجة. لقد قدر لرشيد رضا أن يكون المؤرخ اليومي لوقائع دخول غورو إلى دمشق وإقصاء فيصل عنها، ثم اقترب من الدولة الجديدة في نجد، وحاول أن يتعاون مع آل سعود لتحقيق أهدافه. وتوفي رضا وهو عائد من استقبال الأمير سعود أثناء زيارته إلى مصر، في السيارة التي تقله من السويس إلى القاهرة، وروايته كشاهد عيان مهمة عن هذه الفترة المليئة بالتحولات السياسية والتاريخية والاجتماعية.