الاثنين، 30 ديسمبر 2013

كيف أعيش ولماذا أعيش؟





سأحاول في العرض التركيز على الثنائيات المتقابلة التي حاول بيجوفتش التفريق بينها في كتابه، مثل: التفريق بين الحضارة والثقافة، والدين والإسلام، والدراما واليوتوبيا.. إلخ.
ينطلق كتاب علي عزت بيجوفتش من عدة منطلقات أساسية، أولها أن هناك ثلاث رؤى عن العالم ولا مكان لغيرها: الديني، والمادي، والإسلامي؛ فالمادية ترى العالم باعتباره مادة محضة، وهي فلسفة تنكر التطلعات الروحية للإنسان، والاشتراكية مثال جيد على ذلك، والرؤية الدينية المجردة أو الروحية والتي تعتبر الدين محض تجربة شخصية، لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية مع الله عز وجل، والمسيحية مثال جيد على ذلك، وأي حل يغلب جانبًا من الطبيعة الإنسانية على الجانب الآخر، يؤدي إلى الصراع الداخلي، فالحياة كما يقول: "مزدوجة، وقد أصبح من المستحيل عمليًّا أن يحيى الإنسان حياة واحدة منذ اللحظة التي توقف فيها أن يكون نباتًا أو حيوانًا".
والرؤية الثالثة هي الرؤية الإسلامية، والتي تعترف بالثنائيات وتحاول تجاوزها من خلال الروح والمادة، فالدين هنا قادر على أن يكون متوافقًا مع فطرة الإنسان التي خلقه الله عليها،
الإنسان كائن مزدوج الجسد والروح، والجسد هو حامل الروح فقط، تطور هذا الحامل في الحقيقة، وله إذن تاريخ، والروح لا تملك مثل ذلك، فالله أطلقها بلمساته، الجانب الأول عن الإنسان هو موضوع العلوم، والثاني هو موضوع الدين والفن والأخلاق.
ولذلك هناك رؤيتان وحقيقتان عن الإنسان، في الغرب يمثلها (داروين ومايكل أنجلو)، ويمكن التفريق بين إنسان داروين وبين إنسان ميكال أنجلو، فإنسان داروين يمثل جانب الحضارة، ومايكل أنجلو يمثل جانب الثقافة، وبيجوفتش يحاول فض الاشتباك والتفريق بين مصطلحين مهمين: مصطلح الحضارة ومصطلح الثقافة، فالحضارة تنتمي لمجال العلوم والتقنية، والثقافة الدين والفن.
كيف أعيش ولماذا أعيش؟
كل سؤال يطرح رؤية مختلفة عن الآخرى؛ فسؤال كيف أعيش يبحث عن الجانب الحضاري المادي من حياة الإنسان، وسؤال لماذا أعيش يبحث عن سؤال الهدف من الحياة، وهو بذلك يمثل نوعًا من أنواع حفريات الذات.
ينتقل بيجوفتش ليبحث في الفرق بين اليوتوبيا والدراما، وبيجوفتش وهو يفكك أي ملاحقة للفردوس بالأرضي، يُعلي من قيمة فعل مكابدة الحياة، أو ما يسميه بالدراما، وهو بذلك يحاول أن يفهم قيمة الأدب؛ فأحد القيم الأساسية للأدب هو تعبيره عن حياة الإنسان، وما يعتليه من لحظات فرح وحزن، والتفريق بين اليوتوبيا والدراما يتبعه التفريق بين المسيح والكنيسة؛ فالمسيح هو جوهر الدين النقي، لحظة البداية دون شوائب أو بدع البشر، لحظة التوحيد، يتبعه تاريخ دنيوي للكنيسة من الهرم الأكليركي، والسلطة المدنية المتسلطة، بل حتى تاريخ طويل من الإقطاع للكنيسة، هذا الأمر يذكرنا بفصل المفتش الأكبر من رواية "الأخوة كرامزوف" لدستويفسكي، التي يناقش فيها الكاهن المسيح في سؤال جوهري: لماذا عدت؟ إن عودة المسيح هي هدم لتاريخ الكنيسة.
وبيجوفتش يستعير عبارة هيجل عن جوهر أو حقيقة الروح وهي الحرية، وينظم بيجوفتش فهمه لتاريخ الفن، باعتباره تعبيرًا عن الديني، فهيجل يقول إن الفن بأكثر تأثيراته ألقًا يشير إلى ذلك الإلهي والروحاني معًا.
لكن هل حضور تاريخ ثقافي عريق، أو امتداد روحاني عميق، قد يمنع من الإرث الحضاري المادي؟ هيجل يطرح تلك الإشكالية الخاصة بتاريخ الهند، فالإنتاج الروحي العميق للهند منعها حضور التاريخ!
يستمر بيجوفتش في تأمله للخلفية التي ينطلق منها عدة مصطلحات، مثل مصطلح البحث والتأمل؛ فالبحث يتجه لما هو خارجي، والتأمل لما هو داخلي، وهو يقتبس عبارة هيسه في لعبة الكريّات الزجاجية باعتبار التأمل طهارة الروح أو كلقاء النفس والروح، وهو بذلك استمرار للتفريق بين داروين ومايكل أنجلو، داروين الذي يمثل إرث العلوم الطبيعية، ومايكل أنجلو الذي يمثل لحظة من لحظات تاريخ الثقافة والفن واللذين يقومان على جوهر ديني كما سبق وذكرنا.
العالم بعين هيرمان هيسه وغابة نيرودا
"الأيام الصيفية الدافئة.. اشتعلت مثل راية ملتهبة.. وخيل إليّ كأن الجبال تصرخ فاغرة من الألم.. والطريق الطويل يعذبها النهار الصيفي والبيوت الصفراء اللامعة تحلم.. والصفصاف الأبيض المعدني الصامت وشبه الميت أرخى أجنحته الثقيلة على طول الجدول الذاوي، وعلى المرج الأخضر.. والشجرة القديمة الضخمة كأنها عاشقة لصورتها في المرآة، وتعرشت على الصفصاف الأخضر الغامق وقيمة فوقه قبة غامضة.. كل المخلوقات كانت تقف بصلافة من خوف أو حزن على العشب المليء بالأزهار".
ولدينا مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا التي يفتتحها بفقرة أخاذة، يفتتح المذكرات بعبارة:
"تحت حميم البراكين، إزاء القمم الثلجية العاصفة، بين البحيرات الكبيرة، الغابة التشيلية المتشابكة الساكنة الشذية، تغوص الأقدام في أوراق الشجر الميتة. لقد خشخش غصن هش؛ ثمة عصفور يعبر من الدغل العابر، يرفرف، يتوقف بين غصون الشجر الظليلة، ثم من مخبئة يصفر مثل مزمار صغير، ويسري عبر أنفي حتى مسارب روحي شذى الغار البري".

وهنا يمكن أن نفهم طرح  بيجوفتش بأن هناك صورة شاعرية مشخصنة للعالم، مع إصرار ببث الحياة في الأشياء الميتة، وهذا الأمر يختلف عن رؤية العلم للأشياء.

أثينا وروما أو الروح والعقل والثقافة والحضارة
يقرأ بيجوفتش بعض العصور التاريخية ليطبق عليها رؤيته، فيفرق بين لحظة اليونان والرومان، وينسب لكل منهم انتماء للحضاري وآخر للثقافي، فروح روما هي روح المدينة الإجرامية رابطة الرفاق، والأعمال الفنية جلبها الرومان من بلاد اليونان، بل جلبوا العديد من اليونانيين وجعلوهم مربين لأبنائهم، وكذلك يمكن الحديث عن الفراغ الإيماني في روما.
بعد ذلك حلت المسيحية، وتم بناء كنيسة بطرس على أرض روما، وتطورت الديانة المسيحية بالشكل الذي جعلها تنتج الإنسان الإلهي المسيحي الذي يرفع الإنسان لمرتبة الرب، مع شعور بالإثم لا يغادر الإنسان، في الدين الإسلامي يتم إعلاء قيمة الإنسان بسجود الملائكة لآدم، مع إثبات السمو المطلق لله عز وجل، فبينما أعلنت المسيحية الإنسان أعلن الإسلام الله.
الصوفية والإسلام أو ما لقيصر لقيصر وما لله لله
يقرأ بيجوفتش تطور ظهور الصوفية كتعبير عن الانفصال بين الدين والدولة، ووجود شكل روحاني يشبه روحانية الكنيسة من إعلاء قيمة الإنسان، مع تجاهل للتاريخ الأرضي الواقعي، وهو بهذا يفسر انتشار الصوفية كدين جماهيري.
لدينا ملاحظة لافتة تستحق النظر، وهي: النبي محمد وواجب النجاح، فإن ما يميز محمدًا صلى الله عليه وسلم كرسول إسلامي أنه لم يكن له الحق في السقوط، وبغير ذلك لا يكون رسولاً للإسلام والمسلمين، ويلاحظ بالنسبة لكتاب السيرة الغربيين أن فكرة نضالية الرسول منفرة، كان أولئك محاصرين بالحكايات الحزينة عن السقوط والتعليق على الصليب حتى أصبحت فكرة النجاح بذاتها كريهة.
وهو ما يفسر لنا أنه قبل وفاة النبي بشهر أرسل حملة عسكرية، وهكذا استمرار المنحنى التاريخي الواقعي الذي لا يتوقف مع اكتمال الرسالة الروحية، بل يسير بالتوازي معها.
التاريخ الثقافي يستطيع أن يكون خارج الزمن المتتابع، الذي نقيس به عمر الحضارات، فأسطورة جلجامش حوالي 400م، تناقش أفكار المصير الإنساني والموت، وهي على كل حال مثيرة وعميقة، مثل تلك التي لدى شكسبير وجوته والشعر العربي. الثقافة هنا تقع خارج التاريخ، وهنا يمكن تشبيه الزمن الثقافي بالزمن الدائري، والزمن الحضاري بالزمن المستقيم.
النتيجة الرئيسة للحضارة كانت تحويل العالم إلى سوق، ونجحت في هذا الأمر بشكل كبير، سوق منظم ومرتب، كانت تلك رسالتها، وهذه الرسالة كما يبدو لا علاقة لها كثيرًا بالثقافة.
سؤال الحضارة والثقافة يجعل بيجوفتش يتوقف للسؤال عن ماهية الثقافة، إن لم تكن محاولة لترويض الحيوان المسمى إنسانًا؟
قضية الحرية
يركز علي عزت بيجوفتش على قضية الحرية؛ ليقوّض بها نظرية التطور البيولوجي لدى داروين، وهي مقدرة الإنسان على الاختيار، فقضية الخلق هي في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية، فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقًا، إما بقوى مادية داخلة أو خارجة، لا تكون الألوهية ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه، ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمنًا وإما صراحة، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق، فالله لا ينتج ولا يشيد.. إن الله يخلق.

قضية الأخلاق
بعد أن أكّد بيجوفتش على قضية حرية الاختيار المستمدة من الفعل الرباني خلق الإنسان، يناقش قضية الأخلاق، وهو بذلك يفرق بين الموقف المادي من الأخلاق والموقف الإنساني، والأخلاق المادية هي النفعية المادية، ومن ثم يكون الانغماس في كثير من النشاطات المادية للإنسان (التي تحقق الربح المادي له) مثل الفن الداعر أو ما يعرف بالجرائم المقننة، وهو يسأل عن إمكانية العقل في أن يولد منظومات أخلاقية؟ ويجيب بالنفي؛ فالعقل لا يستطيع أن يصدر حكمًا قيميًّا عندما تكون القضية استحسانًا أو استهجانًا أخلاقيًّا، لكن عندما نتفحص الأمر نجد أن في الإنسان شيئًا ما يرفض هذا النموذج المادي، وأن الأخلاق الحقيقية ضد الطبيعة المادة، والتفريق بين فكرة التضحية وهي فكرة أخلاقية، وبين فكرة المصلحة وهي فكرة براجماتية تقوم على النفع المادي، فالأخلاق الحقيقية ليست مربحة.
ثم يحاول بيجوفتش تفكيك مفهوم التقدم بالتصور الغربي، والذي يتعرض لاختبار قاس عندما تتم قراءة تاريخ الإنسان البدائي الذي يكبل نفسه بالطقوس والالتزام الخلقي، فهل هذا يعني تطور الحيوان وتخلف الإنسان؟
ويعرج على فكرة المساواة، والتي يرى أن تحققها لا يحدث إلا بوجود مظلة إيمانية، فبحضور الدين يمكن افتراض مساواة بين البشر، باعتبار البشر جميعًا مخلوقات من عند الله. أما النظم الدينية والأخلاقية التي لا تعترف بالخلود فهي لا تعترف بالمساواة، وبيجوفتش يفرق بين المساواة والتشابه.
القرآن والأنجيل أو المسجد والكنيسة
بإجراء مقارنة بين قاموس المصطلحات المستخدمة في الإنجيل والقرآن، نجد أن كلمات الإنجيل تدور حول الجانب الروحي من حياة الإنسان، بينما في القرآن نجد المصطلحات ذاتها، قد صيغت على صورة هذا العالم وصيغت بلغته، وقد اكتسبت واقعية وتحديدًا. ثم يعقد مقارنة بين المسجد والكنيسة؛ فالكنيسة هي بيت الرب، أما المسجد فهو بيت الناس، وفي الكنيسة يسود جو من الصوفية، وفي المسجد يسود جو العقلانية والتفكر. المسجد وسط المدينة قريب من بؤرة النشاط والحيوية، أما معمار الكنيسة فيميل إلى الانعزال والصمت والظلام والارتفاع، والتعالي عما حولها، فعندما يدخل الناس كاتدرائية قوطية يتركون هموم الدنيا خارجها، أما عندما يدخلون المسجد فإنهم يناقشون شؤون دنياهم بعد الفراغ من صلاتهم.
وهو ما تطور لدى المسلمين إلى وجود المدرسة الدينية داخل المسجد بتنوعاته المذهبية، باعتباره بيئة للاجتهاد البشري، وليس القول المقدس المتوقف عند مذهب بعينه، ففي مساجد القاهرة تجد المسجد بأروقته على عدد المذاهب الأربعة، كل رواق به مذهب فقهي معتبر، ومبدأ العصمة البابوية يختلف عن مفهوم الإجماع في الفقه الإسلامي، فبين عصمة فرد واحد البابا وبين إجماع الأمة يكمن فرق بين المسيحية والإسلام.
والإسلام بهذا هو حالة البحث عن التوازن الدائم بين الجواني والبراني، هذا هو هدف الإسلام، وهو واجبه التاريخي المقدر له في المستقبل، ووحدة الإسلام انشطرت على تغليب أي جزء من أجزائه الدنيوي أو الصوفي، وهذه الثنائية هي التي يؤكد عليها بيجوفتش في الكتاب.
خاتمة الأمل أو التسليم لله
في الأوضاع "الحدية" يبذل الإنسان جهده لتحسين العالم، ومع ذلك فسوف يظل هناك أطفال يموتون بطريقة مأساوية، مجاعات وحروب، وتدافع بين الناس، وما حيلة الإنسان إلا التقليل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيظل الظلم والألم مستمرين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيه، سيظل الخير والشر.
ومواجهة الإنسان لهذا الأمر تتراوح بين التمرد والعدمية، وبين التسليم لله والاعتراف بالقدر، والصمود والصبر، والتسليم لله هو قوة الأمل؛ فالطريق إلى الله يفتح نور التكافل بين البشر بعضهم بعضًا، والإسلام الذي هو تسليم لله يستمد قوته من لحظة الوعي الباطنية، ومن قوة النفس في مواجهة محن الزمان، ومن التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود من أحداث.. حقيقة التسليم لله أنه استسلام لله، والاسم: إسلام.

الأحد، 1 ديسمبر 2013

ماذا يخطر في بالك؟



أعجبني قول جلال أمين: "من أنواع الكذب الذي ليس من السهل اكتشافه: هو أن يكتب أحدهم عما لا يهمّه حقيقة، ويتظاهر فقط بأنه جدير بالكتابة" .
***
من الكلمات التي أحبّها لإدوارد سعيد: "لستُ معنيًّا بإيجاد أتباع" .
***
"مفكر اللقطة: لست إلا هذا".
قول لبيتر هاندكة.
***
كان الطريق إلى المكتبة يبدأ مع لحظة الجلوس على دكة الاحتياطي في لعب الكرة!
***
يتحدث كارياكين في كتابه دستويفسكي: إعادة قراءة عن ما أسماه "الدوستويفسكية"، وكذلك كونديرا في فن الرواية عن مصطلح "الكافكاوية" نسبة إلى كافكا، لدينا تعليق كارياكين والذي يقول فيه: "لقد وجد في دستويفسكي دستويفسكية أقل كثيرًا مما يحب أن يعتقد قراءه".
لدينا هنا تلك الصورة التي يرسمها القراء عن إنتاج كاتب ما، محاولين سبر أغوار عمله؛ فلا يظفرون إلا بصورة نمطيّة تقليديّة، تكاد تبهت من كثرة الترديد على الألسنة، وقد تكون غير واقعية !
تحرّروا من صورة الكاتب، ولا تكونوا قتلة نصوص!
***
الطلب الذي طلبه كافكا من ماكس بحرق جميع أعماله بعد وفاته، وجدته لدى رامبو، طلب من فارلين حرق أعماله.. ما سر غواية المؤلفين بحرق مؤلفاتهم؟ !
***
كتب كونديرا فصلاً ممتعًا بعنوان "خصاء القديس" أو عنوان شبيه بهذا، تحدث فيه عن حجب ماكس برود كاتب سيرته وناشر أعماله بعد وفاته، تتبعه كونديرا ووجد ماكس قد حجب سيرة كافكا الجنسية. بعض القراء يفعل ما فعله ماكس؛ يرسم صورة الكاتب على مقاسه، حتى لو ألغى جزءًا من حياة الكاتب، ورسم صورة مغايرة للواقع !
***
كان يتحدث مع صديقه عن البنيوية وليفي شتراوس، مرّت أمامهم فتاة جميلة؛ تحول صديقه إلى تفكيكي، فككت صواميل قلبه !
***
لم أستطع إكمال سيرة جان جينيه مذكرات لص، ليست كل الكتب جميلة كما يشاع، بعض الكتب مقرفة !
***
هنري ميللر لم يكسب من كتبه حتى بلغ سن الستين.. اكتب حتى سن المعاش!
***
في الهاتف نتحدّث عن الرواية..
وصل بينا الحديث إلى فرج رضوى عاشور، قلت له: تصنع رضوى شخوص الروايات بحبكة، أو على حد تعبير عبد القهار: رواية مسبوكة، لكن الشاهد أنني لا أجد أثرًا لثلاثيّة غرناطة في عقلي، وأجد الطنطورية وفرج أحبّ إليّ من الثلاثيّة، خصوصًا ندى عبد القادر في فرج، ومريم في الطنطورية، بأصولها الفلسطينية ولهجتها المصرية التي تعلمتها في الإسكندريّة !
إنك لا تكاد تذكر أوصاف الأبطال الجسدية؛ رضوى لا تصف أبطالها جسديًّا، لكن تصف أرواحهم وسيرة القلب والعقل، لذلك يبقى الأثر !
***
في الصالة أردّد أبيات أمل :
"هل أنا كنت طفلاً، أم إن الذي كان طفلاً سواي؟"
أمي: أمال كبرت لقيت نفسك كده؟ !
***
أنهى عزت القمحاوي أحد فصول كتابه اللطيف كتاب الغواية بعبارة :
بوسة منّك كانت قادرة على إكمال المقالة !
قلت: سقى الله تلك الأيام التي كنت أتحجج بالطفولة؛ فأطلب منها قبلة فلا تخيبني لأنني طفلاً !
***
كنت أحتاج إلى المرض؛ حتى أعرف مذاق الشاي بعد منتصف الليل !
***
أين كان جدّي يثرثر عندما يصيبه الأرق ليلاً؟!
لم يكن هناك فيس بوك، ولا غابة يهيم بها !
***
لقطة..
أغلق باب الغرفة بطريقة لا تحدث صريرًا للباب، سار على أطراف أصابعه ليتأكد من عدم وجود أحد بجانب الغرفة، بدت على وجهه علامة سرور طفولي. أعرف وجهه وهو طفل؛ كنّا معًا في الصفّ الإعدادي، أخرج سيجارة وقال: سأشرب سيجارة! انفجرت من الضحك؛ فتنة التجاوز أن تشرب سيجارتك في المنزل على بعد غرفة من الأهل. كان لسروره وقع فاتن، حتى فكرت أن أطلب منه سيجارة لأشاركه.
***
في شارع مظلم ينتصب عمود نور كأنه مشنقة الوقت! كانت في الشرفة مع أخيها الصغير، جنية صغيرة لم يتجاوز عمرها الرابعة، كانت تقفز بخفة وسرور رائع. نظرت لها فأخرجت لي لسانها؛ فأخرجت لها لساني ووددت أن أقفز كالمهرج لتضحك في الشارع وأضحك.
***
الشعر : كلام لا يُنسى .
التعريف للشاعر : و؛ه. أودن
-          شعر بالجهد بعد الكتابة؛ فتذكر عبارة يوسا: "في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب ليكتب؛ فإنه يقرر إن كان سيصبح كاتبًا جيدًا أم كاتبًا رديئًا". وطفت عبارة مريل رانك في عقله وهو يطقطق أصابعه بعد الشعور بالألم من الكتابة على الكيبورد، لقد كان يجيب عن ما هو الكاتب فيقول: هو شخص الكتابة عنده أصعب مما هي عند الآخرين.
***
"يتمنى الإنسان عالمًا يمكن فيه تمييز الخير والشر بوضوح كامل؛ لأن في أعماقة رغبة عميقة في الحكم على الأمور قبل فهمها".
 ميلان كونديرا، فن الرواية .
***
كنا نجلس سويًّا في غرفتنا التي جمعت حكايات ومناقشات لا تنتهي إلا بأذان الفجر. كان أحدنا يقرأ نصًّا طويلاً لوديع سعادة؛ علق يوسف وهو يقول: "هذا الواقع الافتراضي يصيب الكاتب بالاستنزاف، من لديه الصبر على كتابة نصوص طويلة بهذه الجودة؟ الواقع الافتراضي يجعل الكتابة مجرد حالة!". كان تعليق يوسف مباشرًا وبه دقة في الملاحظة، وأنا أفكر في تلك الخربشات التي لا تبقى، تتحول إلى حالة في التايم لاين.
***
مفارقات مضحكة :
   ذهبت إلى مقر الهيئة بالعجلة؛ دخلت وسألت على كتاب رامبو فوجدته، أخذته وقلت للموظف: أمر عليك بثمنه يوم السبت، ردّ: تمام. خرجت سعيدًا بالنسخة، وعدت إلى البيت وأكلت طعام الغداء، ونمت لمدة ساعة وتصفحت حسابي على الفيس، وبعدها تذكرت العجلة التي كانت أمام الهيئة! نزلت من البيت بسرعة، وصلت إلى الهيئة وأنا أضحك من نفسي، وجدتها مازالت كما هي، وهي موجودة تقريبًا في أكثر الأماكن ازدحامًا بطنطا !
***
في الفجر أرى وجه يوسف ونحن أمام البحر، يمسح العوينات ويرفع يده ويقول: هذا الغبش الذي يكسو النظارة هو أعيننا التي لا ترى العالم على حقيقته .
***
الشدياق يقول: أخطر الأفكار ما كان في ثلاثة مواضع، منها: ما كان قبل النوم!
***
الصف الثالث الابتدائى، غرفة ضيقة تحوي عددًا كبيرًا من التلاميذ في ما يسمّونه "المجموعة"، بطلنا لا يمكن أن نطلق عليه اسمًا بعينه؛ سيثير الاسم رابطًا ذهنيًّا قد لا يفيدنا في فهم الحكاية. لو قلت إن اسمه علي سيرتبط بعلي ما ضمن من نعرفهم، لا يهم الاسم الآن !
هي.. أتذكر اسمها كما أتذكر اسمه، كانت من أجمل من مرّ بهذا المكان وأخفهن روحًا، أكاد أتذكر ملامح وجهها رغم مرور عشرة أعوام أو يزيد، لنتكلم عنا نحن رفاقه في هذه المجموعة، ممن كان يملؤهم الحقد الممزوج بالتعجب: لماذا هو؟ ولماذا ليس أي أحد فينا؟ كان أقلنا اجتهادًا، وكانت لديه نقطة تجعله خارج المنافسة بالنسبة لنا على الأقل.. كان يتهتأ ويتلعثم عند الحديث !
كان ساذجًا لنوقعه في الحديث في طريق العودة من الدرس، ليقول لنا إنها قد أنقذته من حادث مشئوم كاد يحدث له عندما جذبته بشدة، لتنجيه من دهسة بقرة مارة في السوق !
برغم عدم شاعرية أن تموت مدهوسًا عن طريق بقرة وفي السوق، إلا أنها أضفت على المشهد خيالاً رومانتيكيًّا عذبًا عندما قالت له: أحبك !
لا يوجد الآن إلا صورة علي وهو منتش بهذه المصارحة الجميلة، أثق بعدها أنه توقف عن التلعثم في الحديث !
مررت بمنزلها القديم منذ شهر تقريبًا، لسذاجتي توقعت أن أقابلها وأتعرف عليها، لتعيد لحظة من لحظات جمال المرات الأولى في الطفولة !
على الهامش: لم أنشغل ساعتها وإلى الآن بتفسير ما كانت تقصده الفتاة بحبها لعلي، هل كانت تطبق ما شاهدته على التلفاز؟ أم تعيش حالة من التمرد الطفولي بتقليد أفعال الكبار؟ أغلب ظني أنني لو كنت أحلل هذه التحليلات في الطفولة؛ لكنت معقدًا أستحق الرثاء، أو طفلاً حاقدًا على حب هذه الفتاة لرفيقي علي !
***
يحكي فلاديمير كورلنكو أنه قام بعرض انضمام تشيخوف إلى هيئة تحرير إحدى المجلات الأدبية، ساعتها كانت في بداية شهرة تشيخوف؛ فأبدى بعض التردد وقال: إننى بدأت عملى الأدبي مازحًا تقريبًا !
 ثم نظر إليه وأكمل:
-          أتدرى كيف أكتب قصصي القصيرة؟ انظر!
تطلع إلى الطاولة، وتناول أول شيء وقعت عليه عيناه (وكانت منفضة السجائر)، وضعها أمامي وقال :
-          إذا شئت قدمت لك غدًا قصة قصيرة.. عنوانها: "المنفضة".
أشرقت عيناه بمرح، بدا وكأنما بدأت تحوم فوق المنفضة شخصيات ما غير محدودة، ومواقف ومغامرات لم تتجسد بعد في أشكال واضحة، ولكن المزاج الفكاهي كان حاضرًا .
***
"توقف أمام المراة؛ وجد نفسه جميلاً، وبقي مدة دقيقة ينظر إلى نفسه".
رواية التربية العاطفية لفولبير.
***
يفتتح المذكرات بعبارة:
"تحت حميم البراكين، إزاء القمم الثلجية العاصفة، بين البحيرات الكبيرة، الغابة التشيلية المتشابكة الساكنة الشذية، تغوص الأقدام في أوراق الشجر الميتة. لقد خشخش غصن هش؛ ثمة عصفور يعبر من الدغل العابر، يرفرف، يتوقف بين غصون الشجر الظليلة، ثم من مخبئة يصفر مثل مزمار صغير، ويسري عبر أنفي حتى مسارب روحي شذى الغار البري".
هكذا يبدأ بابلو نيرودا مذكراته التي حيرني عنوانها كثيرًا، والتي عنونها بـ"أعترف بأنني قد عشت"، هذه المذكرات التي راودتني نفسي عن تصليح أحد أخطاء مكتبة قسم التاريخ بحيازة نسخة من هذه المذكرات، وفكرت أن أصلح الخطأ بوضعها في مكتبتي. الكتابة بحبور حضور روح تشعر بالفرح، نيرودا عندما اختار العنوان أعطاها لفظ الاعتراف، كأنه قادم على الإدلاء بشيء سرّي مخجل غير متوقع، يثأر ضد الحزن المترسب في قلوب الشعراء.
***
 -صياحًا أردد قول فيسوافا شيمبورسكا:
"هذا العالم المريع لا يخلو من مفاتن،
لا يخلو من صباحات، تستحق أن يُستَيقظ من أجلها".
***
قاموس للتعريفات
الكتابة: هي أن تنثر ذاتك على أوراق صفراء، يتفق معك الناشر على طبعها كأنها بضاعة. القراءة هي الحل الأمثل للهروب من التواصل الاجتماعي والتلفاز، فضلاً عن كونها طريقة لقضاء الوقت بمفردك دون أصدقاء .
السفر: هو متعة المفاجأة.
الحب: هو لهفة المحب للقاء.
الأم: هي حبها لك دون انتظار المقابل، نوع من أنواع الجمال أبقاه الله في الارض لبث الطمأنينة في قلوب الخائفين. هي انتحار كتب الفلسفة أمام قبلتها الصباحية، وهدوئها المتجاوز كل الأسئلة الوجودية والقلق الميتافيزيقي المزعج .
الصداقة: هي العري دون خجل التلصص. المرأة الحامل: هي اكتمال فعل الأنوثة. العجوز: هو رمز الحكمة في شارع الجنون. والكتاب المهمل: هو انتظار توبة الفاجر وعودة الغائب؛ لإزالة التراب ولفتح طاقة نور على الكون .
***
 كتب دستويفسكي: "إنني الآن في حالة حمّى، والسبب في كل ذلك روايتي. أود أن أكتبها جيدًا، وأشعر أن فيها شعرًا، وأعرف أن مستقبلي الأدبي كله يتوقف على نجاحها.. سيكون عليّ الآن أن أنكبّ عليها ليل نهار".
ربيع 1860 أثناء كتابة رواية مذلون مهانون.
كان دستويفسكي يعرف شرف الكتابة، وأنها قد تقتات على حياته إلى أن تصيبه بالحمّى !
***
يا قارض الكتب،
في عيد ميلادك عليك أن تجمع كتبك كلها، ثم تضرم فيها النار؛ باحثًا عما حرمتك منه !
تحرّر قليلاً، ولو بالقرب منها أكثر .
كل عام أنت بالحياة أفهم، وإلى الكتب أقرب!
هذه تهنئة يوسف بعيد ميلادي، تستحق معاودة النظر إليها، أو الفرح الساذج بقلب يوسف الناصع الذي لا يشغل الآخرين بحكايته، رغم أنه يستمع لكل الحكايات .


يحيى حقي
في ليالى الشتاء الباردة، كنت أخرج من المنزل بعد الساعة الواحدة، معي كتاب ليحيى حقّي، المدينة نائمة لا يقابلك في الطريق إلا كلاب ضالة، وأشخاص يحرسون المنازل. أتوجّه إلى قهوة بالقرب من المحطة، معي كتابه كناسة الدكان، أطلب نسكافيه يأتي دافئًا في جو شديد البرد؛ يدفئني حكي يحيى حقّي وأسلوبه الرشيق، وأرتشف من النسكافيه!
***
كانت تمر في الشارع التجاري المزدحم، تحمل الطفل ذا الأربعة أعوام، هدّه تعب اللعب فنام على كتفها، لا أعرف لماذا نظرت ساعتها لعينها، كانت تحتها علامة إرهاق شديد. يبدو أنها لم تنم منذ مدة، لكن الملاحظ أنها كانت تحمله بحب شديد وبعطف تضع اليد اليمنى على ظهره، ليس لحفظ الاتزان فقط، بل لبث الطمأنينة حينما يستيقظ فجأة في الطريق !
الأمهات هنّ الجميلات!