الجمعة، 13 مارس 2015

الرافعي أو حناناً نأوي إليه

"رحمة الله على الرافعي، لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره، ونزع إليهم بحنينه، ثم صار إلى أن أصبح ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوي إليه". محمود محمد شاكر [1]
ذكريات
تبدو شهادة محمود شاكر معبرة عن حبه للرافعي واستثنائه إياه من زمرة ما قصدهم بتهمة فساد حياتنا الأدبية، كما وصفها في رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، أحن إلى الرافعي حنان البدايات، فهو يقع في موقع قريب من القلب، فكلماته ومعانيه الوجدانية تظل عالقة في عقل وقلب القارئ، ما زلت أجد حنينًا لمذاق مقالته "اليمامتان" في وصف الفتح الإسلامي على مصر، أو ضحكي وصديقي على درج المنزل نقرأ مقالاته عن "خروف العيد" أو "حديث قطين" من كتابه وحي القلم، فيسحرنا هذا القلم وهذه الموسيقى، ووجدت في كتاب محمد سعيد العريان حياة الرافعي فرصة لمعاودة الحنين والزيارة لأدب الرجل، وذكرًا لبعض لمحات عن حياته وزيارة لجو هذه الفترة الزمنية في بدايات القرن المنصرم.
العريان وحياة الرافعي
تعرف محمد سعيد العريان على الرافعي في بداية حياته، فقدم بذلك خدمة للأدب العربي بتسجيله سيرة الرافعي في كتابه حياة الرافعي، خدمة وصفها شاكر  بأنه "لو تيسر لكل شاعر أو كاتب أو عالم صديقًا وفيًّا ينقله إلى الناس أحاديث وأخبارًا وأعمالاً، كما يسر الله العريان للرافعي، لما أضلت العربية مجد أدبائها وعلمائها، ولما تفلت من أدبها علم أسرار الأساليب وعلم وجوه المعاني التي تعتلج في النفوس، حتي يؤذن لها أن تكون أدبًا يصطفى"، فكسر العريان بسيرته الصورة النمطية عن الرافعي، كشيخ متعجر العمامة، مسترسل اللحية، مما تقرأ له بحوثًا في الدين وآراء في التصوف، ودفاعًا عن القرآن، لكنه كان بجانب ذلك رجلاً رقيق الجانب، محبًّا للمزاح، مخالطًا للناس، شاب وما شاب قلبه عن أحاديث القلب.
قبلة الرافعي
كان يرمي وسط فساد الذائقة أن يعيد الجملة القرآنية إلى مكانها مما يكتب وينشيء الأدباء، فأدبه  يخالط النفس وينفذ في رفق إلى القلب، فهو يستمد أدبه من دراما الحياة الإنسانية بصورها المختلفة، فكتابه المساكين جاء بعد الحرب العالمية الأولى، وفيه ظلال من أحداث التاريخ ومقابلته لرجل اسمه الشيخ علي الجناحي، وكذلك أغلب مقالاته في الرسالة.
 كانت قبلته التى اتجه إليها في الأدب، هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا يكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها.
ثقافة الرافعي
ساعده في ذلك عدة عوامل، منها ثقافته الواسعة وقراءاته المتشعبة في بحر التراث العربي، فهو يجلس وحوله الكتب، وعندما يزوره ضيف يناوله كتاب ويقول له هيا بنا نقرأ، فكان يقرأ ما يقارب الثماني ساعات في اليوم، ومع عاهته وحرمانه من السماع، كان يمتلك حافظة قوية تعينه على سرعة الاهتداء إلى مراجع البحث، مع مهارة الاستدلال على مواضع النقص.
الأديب الموظف
عمل الرافعي في وظيفة إدارية بمحكمة طنطا، وكالعادة من الصعب أن نبحث عن حق الرافعي على الأمة، التي كان أحد الناطقين باسم لغتها وثقافتها ومدافعًا شرسًا عن القرآن والأدب العربي، فعاش على بضع وعشرين جنيهًا في الدرجة السادسة بعد خدمة ثمان وثلاثين سنة في وظائف الحكومة، لكننا نعيش في شعب وأمة أكبر فضائلها أنها تنسى على حد تعبيره.
فضائله الذاتية وقصته مع الكتابة
تمتع الرافعي بروح تمتلئ بالأمل، فهو يذكرني بجهة السماء عندما تسد في وجهي منافذ الجهات الأربع كلها، فكان منبسط الوجه، يقنع نفسه في كل يوم بأنه في أسعد أيامه، مستعينًا بالإيمان بحكمة القدر وقانون التعويض بعد علته التي ذهبت بسمعه وهو لم يزل غلامًا، كان كبير الثقة بالنفس، عظيم الطموح، كثير الاعتداد بذاته ومواهبه، تميز بدقة الحس وسرعة الاستجابة، امتلك عاطفة ومشاعر دينية قوية، جعلته لا يستطيع الكتابة إلى امرأة رسالة ود ووصال إلا بعد أن يستأذن زوجته ويطلعها على ما كتب.
أما موقفه من السياسة، فهو رأي رجل من سواد الناس تمتع بلقب شاعر الملك فؤاد، وحصل على أثره جوازًا مجانيًّا في الدرجة الأولى على خطوط السكة الحديد، فكان يروض به عن نفسه في زيارات لبورسعيد والإسكندرية والقاهرة، وطبع الملك كتاب إعجاز القرآن على نفقته.
 تزود زاده من الأدب القديم، فكان يحتشد للكتابة، فقد كانت الكتابة له فنًّا وأسلوبًا وصناعة يحترم بهذا الجهد قراءه، فلم يكن يسخر منهم أو يشعوذ عليهم ليملأ فراغًا من صحيفة.
ويستفتح عمله في كتابة المقالات بمطالعة أسفار الأدب العربي، ككتاب الأغاني وكتب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، لتدخله في جو الكتابة، حجته في ذلك كوننا نعيش في جو عامي، فسد فيه اللسان، ولم يعرف العربية، وصف العريان أسلوبه في الكتابة كأنه يلقى إليه الوحي، لا يرفع عيناه إلى العريان، كأنما يتحدث من وراء ستار إلى سامع غير منظور، أو كأنه في نجوى خاصة ليس فيها سامع ولا مجيب.
كل هذا مع كوب الشاي وفنجان القهوة، مع قليل من الدخان، فلم يكن يشعل إلا سيجارة واحدة أو سيجارتين في الجلسة، وكانت معظم مقالاته تعبيرًا عن مواقف حياتية عاشها، فمقالته "موت أم" على سبيل المثال، هي مقالة انفعل بها بعد وفاة زوجة صديقه حسنين مخلوف، كانت الكتابة لديه تعبيرًا عن معايشة الحياة، مجادلة معها، واستعاذة من هواجس الشيطان، ورغبة في الطمأنينة والتعبير، عندما كتب مقالته اليمامتان عن الفتح الإسلامي لمصر أسلم على أثرها أستاذ مسيحي من أساتذة التاريخ في الجزائر، فسر بذلك كثيرًا.
وأضاف إليه ورود الرسائل علمًا جديدًا هو علم الحياة، بعيدة عن علم الكتب، فكانت تصل إليه ثلاثون رسالة في الأسبوع، وكانت نقلة اجتماعية له لفهم طباع ومشكلات المجتمع حوله.
القلب العاشق
امتلك الرافعي قلبًا جياشًا ينفعل بالجمال ويستقبل العشق ويهيم بالحب، وينظم الشعر ولا يعمل ذهنه في مقدمات الهوى إلا عندما يتمكن منه، ثم ينتصر عليه بالتخويف بالله والاستعاذة من همزات الشيطان، وهذه المجاهدة/ المكابدة هي ما تكسو كلماته وأدبه جمال الصدق والتجربة الذاتية، فلم يكن يكتب إلا ما ينفعل في وجدانه، فهو يتساءل على باب كازينو ومعه العريان: "هل من المروءة الدخول إلى هذه الأماكن؟" ويمنعه الدين والحياء فينصرف.
للرافعي  في الجمال صبوة فكان يضع صورة محمد عبده وصورة الرياضي الفرنسي صاندو وبجانبهم صورة كريمان هانم خالص ملكة جمال تركيا، فيسأله العريان فيقول: هاتان قوتان تعملان في نفسي، قوة في روحي، وقوة في جسدي، وهذه أي صورة كريمان ما أجملها، ألا تقرأ شعرًا مسطورًا على هذا الجبين؟!
ولم تكن تتاح له الفرصة للسفر إلى أوروبا، لكنه كان يجد في (السيما) رحلة يسميها خارج القطر، ذلك بعض أثر مذهبه في فلسفة الرضا والسعادة.
حياته في طنطا
تذكرت مواضع حياة الرافعي في طنطا فلمست ذكريات لي مع هذه الأماكن، فقد كان الرافعي يدلف من حارة سيدي سالم، قادمًا من بيت آل الرافعي القريب من مسجد السيد البدوي، يجلس في مكتبة المسجد الأحمدي أو مكتبة مسجد القصبي، بعد أن يغادر عمله في المحكمة، يتردد على عدة مقاه مثل قهوة اللوفر بميدان الساعة أو قهوة ليمنوس بشارع البحر والتي مازالت قهوة يؤمها الناس، أو يسهر مع رفاقه في صيدلية كوكب الشرق بشارع البحر، بالقرب من مسرح البلدية والذي كان يتردد عليه في حالة وجود عروض به، وبه تجدد اللقاء مع مي زيادة، يصلي في مسجد المنشاوي، أو يجتمع بالشباب في مسجد البهي يؤلب الشباب على القديم ويحمل راية الإصلاح فيغضب الأزهر، مات وهو يستعد لمعاودة الغارة بالكتابة، وله مقالات ظلت عناصر في ورقات على مكتبه تشير إلى أمل الأحياء وإلى كثير من خداع الحياة.

ليحفظ الرب نابلس

"ولا نرى أن نسهب في بيان المصاعب التي قاسيناها في تذليل موضوعات الكتاب واصطلاحاته العلمية الكثيرة وإعادة المئات من أسماء الأعلام المحرفة، فكنا نقضي عدة ساعات كي نعثر على الأصل العربي للاسم الواحد“.
عادل زعيتر*
ليحفظ الرب نابلس، التي ولد بها عادل زعيتر، هكذا رددت هذا الدعاء بعد قراءة العديد من ترجمات عادل زعيتر، والتي تجعل من قراءة ترجماته متعة عقلية وأدبية في آن معًا، مع أمانة النقل ونصاعة التعبير العربي.
ولد عادل زعيتر  في مدينة نابلس، عام 1897، درس الحقوق في فرنسا، وكان عضوًا في مجمعي اللغة العربية بدمشق وبغداد، عمل بالمحاماة وعكف على الترجمة منذ عام 1946.
عكف عادل زعيتر على ترجمة العديد من الكتب التي ذاع صيتها في القرن الثامن عشر، فقد ترجم لروسو كتابه “العقد الاجتماعي” و”إميل (في التربية)”و”أصل التفاوت بين الناس”، وترجم لمونتسكيو كتابه الرئيس “روح الشرائع”، وترجم لفولتير “رسائله الفلسفية” وروايته “كنديد” (التفاؤل).
والسؤال هنا: هل ما زالت هذه الكتب تستحق الرجوع إليها واهتمام القارئ المعاصر؟
روح الأنوار
كانت اختيارات زعيتر للترجمة تنم عن ثقافة ومشروع معرفي، حاول فيه تذليل كتابات عصر الأنوار، إلى اللغة العربية، ومن ضمن تلك الكتب كتابا جاك روسو “أصل التفاوت بين الناس” فقد نشره روسو عام 1755، ويعتبر مدخلًا لكتابه “العقد الاجتماعي” وسابقًا عليه، وروسو أثار جدلًا بكتبه، وكتاب “العقد الاجتماعي” أصبح إنجيل الثورة الفرنسية بعد ثلاثين عامًا من تأليفه، ولروسو عقلية فذة، غير أن آراءه تُقْبلُ أو ترفضُ على حسب الميول العقلية للقارئ، ولكتب روسو قيمة الانتقال في عالم الفكر السياسي من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة حول الدولة.
أما عن رواية فولتير “كنديد” أو التفاؤل، فقد انتشرت الرواية بسرعة هائلة في زمنه، وأعيد طبعها باستمرار، وكان يسود عصر فولتير مبدأ التفاؤل القائل: “إن كل شيء هو أحسن ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم”، ومع حرب السنين السبع عام 1756، وعدة كوارث طبيعية مثل زلزال لشبونة عام 1755، حمل فولتير على مذهب التفاؤل  حملة لا هوادة فيها وقال كلمته.
وراهنية كتابات أفكار عصر الأنوار ما تزال سؤالًا يثير الجدل، فالقرن الثامن عشر هو قرن فولتير ومونتسكيو وروسو، ورغم النقاش الذي يخوضه المثقفون عن قيمة أنوار هذا العصر، والحديث عن الاستنارة المظلمة وجدل التنوير، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الترجمات التي وفرها لنا زعيتر، هو النفاذ إلى الذهنية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، وهي ذات أثر بالغ في تاريخ أوروبا الفكري وروحه ومقدمات ثورته الكبرى، أعنى بها الثورة الفرنسية، الفائدة واضحة بالنسبة لمن يؤرخ لتطور الأفكار وآليات تغلغلها في المجتمعات. مع كون هذه الترجمات فصلًا في التاريخ الثقافي العربي المعاصر في تعرفه على الأفكار الغربية.
ويجدر بنا الانتباه لملاحظة العروي التي ذيل بها ترجمته لكتاب “دين الفطرة” لروسو وكتاب مونتسكيو “تأملات في تاريخ الرومان” وأسبابه في إعادة ترجمة وقراءة مفكري القرن الثامن عشر، فهو يُخضع اختياره لنص روسو للترجمة لخطة نقدية، يشرحها بكون الفكر الغربي لم يقترب من تمثل الفكر الإسلامي إلا مرة واحدة، وذلك أواسط القرن الثامن عشر الميلادي، قبل ذلك التاريخ كان الحاجزُ المعتقد الديني وبعده كان المانع سد الاستعمار، أي قبل الثورة الفرنسية.
جوستاف لوبون
هكذا كان اهتمام مترجمنا عادل زعيتر بهذه الحقبة الزمنية الفارقة وبترجمة كتبها إلى العربية والتعريف بأعلامها. ونجده على صعيد آخر قد اهتم بكتابات جوستاف لوبون، الطبيب والمؤرخ الفرنسي الذى جاب الآفاق وسافر حول العالم، فكتب عن حضارة العرب وحضارة الهند، وروح الثورات، وروح السياسة، والآراء والمعتقدات والذي يناقش فيه الحديث عن المعتقدات. ويبدو إعجاب زعيتر بكتابات جوستاف، والتي قد يختلف مؤرخو الفكر في مدى قيمتها الفكرية الآن، فكتابه عن “حضارة الهند”، تنافسه الدراسات الحديثة والتي كتبها الآسيويون المحدثون عن الديانة الهندية، وتفاصيل المعتقدات الهندوسية والبوذية، مع الكشوف الأثرية الحديثة.
لكن سبب اهتمامه بهذا الكتاب هو خلو المكتبة العربية في ذلك الوقت من كتابات تغطي تاريخ الهند وحضارتها العريقة. ومترجمنا قضى  في سبيل ترجمة هذا الكتاب أوقاتًا شديدة، ولاقى مصاعب كثيرة يقدرها القارئ خصوصًا مع دقته في ضبط الأسماء الخاصة بالأعلام والمعتقدات بحصوله على كتب وجداول من الهند ليخرج الكتاب وفيه روح الأمانة في النقل.
ويبدو موقف لوبون المدافع عن حضارة المسلمين، قد لاقى مزاجًا طيبًا من زعيتر  وكان محفزًا لزعيتر  في عمله فحرص على نقل كتبه إلى العربية. واهتمام المثقفين العرب بجوستاف لوبون قديم؛ فقد ترجم أحمد فتحي زغلول باشا شقيق الزعيم سعد زغلول كتابات لوبون عام 1913، لكن زعيتر  وجد في هذه الترجمات ما يعتورها من أمانة النقل والدقة، فحرص على إعادة ترجمتها مرة أخرى.
حياة الأبطال
هل كان المزاج في وسط القرن الماضي، يقبل تضخيم مذهب دور البطل في التاريخ، ويجد في كتابات كارليل مذهبًا في تفسير لحظات التاريخ الفاصلة؟ أغلب الظن أن هناك مزاجًا علميًا روج لهذا المذهب، والذى قل بريقه بعد ذلك، بالاهتمام بمدرسة التاريخ من أسفل، وتاريخ المهمشين. وفي هذا الوقت كانت كتب التراجم تستولي على عقول المثقفين، فكتب العقاد العديد من الكتب في هذا الفن، وكان يحب هذا النمط من الكتابة، وترجم عادل زعيتر العديد من الكتب في هذا الموضوع، منها كتاب “نابليون” لإميل لودفيغ، وكتاب “كيلوباترا” وكتاب “بسمارك” للودفيغ أيضًا، حتى كتاب البحر المتوسط وكتاب “نهر النيل”، الذى كتبه إميل لودفيغ وكأنه يترجم لشخصية، فخرج الكتاب بطريقة مشوقة يحكى التاريخ الشخصي للنهر والبحر، وقضى لودفيغ ست سنوات يجمع مواد كتابه عن “نهر النيل”، وترجمة كتاب نهر النيل كانت هدية صغيرة بتعبير زعيتر لأبناء وادي النيل معبرًا لهم عن وده ومحبته لمصر، حيث يصفها بالبلد الكريم الذي أحبه كثيرًا.
حياة عادل زعيتر
في حياة شيخ المترجمين دروس منها أمانة النقل، والدقة، فقد أنفق ما كسبه من الترجمة وما حصل عليه من مال على نفقات السفر والقدوم إلى مصر ليراجع مسودات ترجماته، ليتأكد من دقة ما صفته المطبعة.
وفي سيرة الرجل تبتل للعلم وللمعرفة، فمهنة الترجمة مهنة جاحدة، تأكل من العمر ومن الجهد، في سبيل تذليل نص أعجمي غريب، لينطق بلسان الضاد، ولعله كان محقًا حينما كان يردد هذا البيت:
غَزَلْتُ لَهُمْ غَزْلًا رَقِيقًا فَلَم أَجِدْ لِغَزْلِي نَسّاجًا فَكَسّرتُ مِغْزَلِي
وتمتعت بترجمته لكتاب “الحياة والحب” لإميل لودفيغ، ففي الكتاب متعة عقلية ونفسية خالصة، فهو يكشف عن أفكار تتعلق بعظمة المعنى الذى كان يهتز له زعيتر، حينما ترجم للأبطال من التاريخ، وللسعادة والحب، وكلها معانٍ راقية تخاطب الوجدان الإنساني في أعلى ذراه.
توفي «عادل زعيتر» في عام ١٩٥٧مع اثنين وستين عامًا، مات زعيتر وقلمه ونظارته أمامه وهو يترجم الجزء الثاني من كتاب “مفكرو الإسلام”، والذي لم يبق من صفحاته لينهي ترجمة الكتاب غير أربع صفحات، لقد لفظ زعيتر أنفاسه وهو يعمل بإخلاص وأمانة، وما كتبه وديع فلسطين عنه يصلح لتأبين الرجل وتجديد ذكراه فيقول عنه: “كان عادل زعيتر جامعة وحدها، ومجمعًا وحده، ومثل عادل زعيتر ظاهرة لا تتكرر في كل قرن من الزمان.”
ولا أريد في نهاية المقال أن أزعج الرجل في قبره بنسبته إلى نابلس أو فلسطين التي كان يضيق بالنسبة إليهما، فكان يرى في هذا الانتساب تصغيرًا له من انتمائه العربي الأكبر، لوطن عربي أكبر من قرية صغيرة.
لقد غزل كل أمين مغزلًا لا ينقض بتقادم العهد وزعيتر في مقدمة هؤلاء، لأن عمله سقاه من روحه ومن فنه ومن حرصه على حيوية روح أمته، وأن تحيا فيها المعاني الكبرى التي دارت حولها ترجمات كتبه.
الهوامش
* من مقدمة ترجمته لكتاب “تاريخ العرب العام” لسيديو.

عصارة الأيام

"في هذا الكتاب سأحاول أن أعرض آرائي حول الموضوعات التي حظيت بالنصيب الأوفر من اهتمامي خلال سني حياتي، ولكن النتائج التي توصلت إليها كانت مبعثرة في دماغي كحطام سفينة مفككة في بحر لا يستقر موجه، وبدا لي أنني لو رتبت هذه الأفكار على نحو ما؛ لاستطعت أن أدرك قيمتها الحقيقية وأتوصل إلى نوع من الربط بينها“.
سومرست موم، عصارة الأيام
يوضح هذا الاقتباس الغاية من سيرة سومرست موم، والتي أسماها “الخلاصة”، واختار لها المترجم العربي عنوانًا أدبيًا فأسماها “عصارة الأيام”، وهي السيرة التي كتبها بعد أن تجاوز الستين من عمره، بعد تأجيله المتكرر لهذا العمل؛ ففي الشباب تمتد السنوات أمام العين متطاولة حتى يصعب على الشاب أن يدرك أنها ستنقضي يومًا ما، وفي منتصف العمر يسهل اختلاق المعاذير لتأجيل الأعمال، ولكن لا بدّ من أن يأتي يوم ونحسب للموت حسابًا، وبنظرة في جريدة التايمز وعمود الوفيات وجد موم أن سن الستين سن غير صحيحة إلى درجة بعيدة، وخاف أن يداهمه شبح الموت قبل أن يكتب الكتاب/الوصية.
في هذا الكتاب يفارق الكاتب عادته الطويلة وراحته من التحدث من خلال المخلوقات الأدبية والفنية إلى الحديث الذاتي الخاص، فجاء الكتاب قطعة فنية تنضم لأعمال سومرست الروائية والقصصية؛ فهو تعبير عن خبرته و ملابسات حياته بقلم رشيق وصور بديعة، حرص مترجمه حسام الخطيب، ذلك المترجم القدير، أن ينقلها بأمانة وبحرفية عالية ويحافظ على حيوية النص وقربه من القارئ.
كان موم مولعًا في شبابه بالقراءة في الميتافيزيقا؛ إذ وجد فيها صحة لروحه، كما يفيد الجسم من حمَّام الصباح، على حد تعبيره. وموم ينفر من اللهجة الوعظية أو الخطابية، فلقد ورث داء الشك، ولم يكن لديه يقين الوعاظ، وما يميز طريقة موم أنه لا ينعزل ليكتب، بل يعيش الحياة الحقيقية للناس، ويجد في هذه الحياة مادة لما يكتب، أو مادة للتأمل والتفكير؛ فهو يقول إن الغرض من الحياة هو ممارسة الحياة وكفى.
ويميز  سردَ موم حالةُ الألفة التي تنشأ بينه وبين القارئ، فكأنهما في مقهى هادئ يحكي فيه موم ذكريات عجوز  رأى الكثير من ألوان الحياة، وموم يبدو أنه يعتذر عن نسيانه للعديد من الذكريات الهامة؛ ففي الصفحة الأولى من المذكرات يندم على عدم تسجيله لليوميات بعد نجاحه ككاتب مسرحي، وفي هذه الفترة  نعم بمصاحبة الحكام والساسة المبرزين في المجتمع، لكنه وجد أمرهم عجيبًا، فحديثهم أبعد ما يكون عن العذوبة وذكاؤهم قلَّما يكون متوقدًا، ومعلوماتهم العامة وثقافتهم دون الوسط بكثير.
فما سر قيادتهم للناس؟ السر في ذلك يرجع إلى قدرتهم على سلب عقول الجماهير في المجتمعات الديمقراطية، لا لذكائهم ولا قوة تفكيرهم. وهو يفتش في هذه السيرة عن بعض الدوافع، فيعجب للحماسة التي يبديها الناس لمقابلة المشهورين في عصرنا للتصوير معهم، ويرى أن هذا الحرص فيه شعور نقص من الإنسان، ويجد صعوبة في تصوير حياة المشهورين في أعمال فنية وأدبية؛ لأنهم يحرصون على وضع أقنعة تخفي حقيقة أنفسهم أمام الجمهور، فهذه المخلوقات فريدة لدرجة أنها لا تصلح قاعدة للعمل الفني لأنه يستحيل إضفاء الواقعية عليها، وهو يجد في الشخصيات العادية مادة ثرية للكتابة الأدبية، فعامة الناس لم يتعرضوا لعيون الجماهير  فلا يخطر لهم أن هناك ما يجب أن يخفوه، وهم يكشفون تصرفاتهم الغريبة، لأنه لم يخطر لهم يومًا بأنهم غريبون.
وهذا الرأي يذكرنا بعبارة بيجوفيتش عن الفن عندما قال: “المعنى النهائي للفن أن يكتشف الخصوصية الإنسانية في الناس الذين أساءت إليهم الحياة، وأن يكتشف النبل الإنساني عند أناس صغار منسيين في خضم الحياة”.
وصراحته تأسر القارئ؛ فهو لا يتواضع ذلك التواضع الكاذب، بل يقول: “عليّ أن أكتب كما لو كنت رجلًا ذا شان، وأنا كذلك عند نفسي، مع أنني لا أنسى أنني إنسان غير ذي خطر أبدًا، وهو حكم يمليه المنطق السليم، وما كان للعالم أن يصيبه تغير كبير لو أنني لم أوجد”.
كذلك ثمة لفتات جميلة عن حياة الإنسان والمجتمع، وموم ينقل لنا أفكاره الخاصة بمفهوم التمتع بالحياة، فهو يرى أن وضع تصميم للحياة قد يعرضنا للقضاء على البداهة، أو يجعلنا نعيش في المستقبل أكثر مما ينبغي. كما يحكي معاناته مع تلك العادة في التفكير فيما هو خارج اللحظة الراهنة، فيقول إنه ما من مرة عبر فيها من ميدان (بيكاديلي) في قسمه الجنوبي، إلا وفكر فيما يجري في شماله، محاولًا أن يقبض على اللحظة الراهنة بكل السبل، لكن هيهات !
وكاتبنا يعبر عن عدم ندمه على أخطائه، بل يعد لها الفضل في تعليمه التسامح مع الآخرين، مع التحفظ في نشرها على الناس، كما في ما يسمى الاعترافات، فهناك شؤون كثيرة خاصة به يرغب في أن تظل خاصة، وما من أحد يقول الحقيقة كاملة عن نفسه، فما يمنع الناس من رؤية الأمور بغير زاويتهم الخاصة، ما هو إلا نقصًا في الخيال، وعندما عمل موم في الطب ورأى معاناة الناس انتبه بأن خرافة كون المعاناة والفقر تعلم الإنسان الصبر كما يحلو لسينما الأغنياء تصوير الفقراء في عصرنا، ما هي إلا وهم، فالمعاناة لم ترفعهم فوق الرجال بل خفضتهم، وكتب يومئذ أن المرء لا يتعلم الجلد والصبر عن طريق معاناته الخاصة، بل من معاناة الآخرين.
خلاصة الكتابة
ورث موم الخط الرئيس في حياته من العصر الفيكتوري؛ إذ كان الناس يصرّون على وضع خطة للحياة يوجهون خطاها على هديها، كانوا يحبون الأشياء المرسومة المرتبة ويكرهون التشتت والسير على الهوى، ومن هنا حدد موم هدفه في بداية حياته بأنه يريد أن يصير كاتبًا، يحترف الكتابة، لكنه واجه مشكلة في إعلان هذا الحلم أو الأمنية، فلم يجد طريقًا إلا احتراف الطب، سيضطر لترك الطب بعد ذلك ليتفرغ للكتابة، لكنه أفاد من خبرة ممارسة الطب في كتابته الأدبية والفنية بعد ذلك، فهو يرى أن أفضل تدريب للكاتب هو قضاء بضع سنوات في ممارسة الطب، لما يفتحه هذا العالم من تبصرة بطبيعة الإنسان عاريًا من الأقنعة.
وفي شهادة موم عن تجربته مع الكتابة ملاحظات لطيفة، فلم يخطر له إلا وهو على أعتاب العقد السادس من عمره، بأن الكتابة فن لطيف يكتسب بعرق الجبين، وهو يفكر بأن رأسماله الأصلي في شبابه كان ضئيلًا قبل أن يغذيه بالاكتساب الفكري والتدريب.
وفي بداية حياته كتب كتابًا عن الأندلس بعنوان: “أرض العذراء المباركة”، وفي نهاية عمره يشعر بسخافة هذا الكتاب؛ “لأن المؤلف كان إنسانًا آخر نسيته تمامًا”، على حد قوله، ولا يعده إلا تمرينًا على الأسلوب، بسبب بلاغته المتكلفة، وعدم وضوح شخصيته فيه، وبسبب النعوت الغنائية الكثيرة.
وقصة موم مع الكتابة قصة تدريب طويل، وممارسة يصف فيها بعض كتبه بالجمود والكتابة المستهجنة، ولا يخجل أن يحكي مراحل تطور كتابته، بل إن موم لجأ إلى تنويع الفنون التي كتب بها؛ فمن الرواية إلى القصة إلى المسرح، إلى السيرة الذاتية، وقد أكمل موم كتابته بالتخلص من الكتابة المثقلة بالزخارف اللفظية والنعوت، ووجد في فن القصة برقية طويلة مسهبة، حذفت منها، رغبة في التوفير، كل كلمة لا يؤثر حذفها في وضوح المعنى.
الوضوح أول صفة للكتابة في رأيه، فهو لا يطيق أولئك الكتاب الذين يطلبون من القارئ أن يبذل جهدًا ليفهم معانيهم، ويرى في بعض كتابات الفلاسفة الكبار في جمعهم بين العمق والوضوح دليلًا على صحة طريقته، كما يوضح أن غموض الكُتَّاب يرجع إلى الأهمال، ولموم عبارة جميلة يقول: “وفي أغلب الأحوال يكتب الناس بغموض لأنهم لم يكلفوا أنفسهم قط مشقة تعلم الكتابة بوضوح”.
وعلى القارئ ألا ينخدع بجمال الجرس الموسيقي في الكتابة، فيتجاهل القارئ البحث عن المعاني، بسبب طغيان الكلمات، ويحذر من الكتابة بأسلوب فخم عن الامور التافهة، وهو يرى أن الكتابة ببساطة تحتاج إلى جهد ونظام قاس.
ولقد خفتت الكتابة التراجيدية بسبب المرح وانتشار السخرية وقوة الاحتمال وخشونة المشاعر، كل هذه الامور قللت وهج التراجيديات والنغمة الرومانسية الغنائية للقارئ المعاصر، فالعالم أصبح مكانًا للعيش أكثر راحة، والنثر الجيد في اعتقاده ينبغي أن يكون، كلباس الرجل الأنيق، مناسبًا ولكن غير متكلف، وعلى الكاتب أن يكون ذا حسٍّ مرهف أكثر من مزاج قارئه ليشعر بمواضيع الضيق قبل أن يشعر بها القارئ، وبذلك يجمع موم في فكرته عن الكتابة بين الوضوح والبساطة وعدم التكلف والحرص على الجرس الموسيقي، مع طابع الحيوية، والكتابة الجيدة ينبغي أن تبدو كأنها بنت مصادفة سعيدة، وهو يسأل الكاتبة كوليت التي تبدو كأنها لم تبذل أدنى جهد في الكتابة، فتقول له إنها تقضي صباحًا كاملًا في كتابة صفحة واحدة.
أما عن قيمة الثقافة لديه، فتكمن في تأثيرها على الشخصية، وهي لا تساوي شيئًا ما لم تَسْمُ بالشخصية وتمدها بالقوة. إن فائدتها مرتبطة بالحياة، وهدفها الخير لا الجمال، ولا يرى قيمة في قراءة ألف كتاب ما يفوق فلاحة ألف حقل، أو إصلاح سيارة، وهو يرى في المثقفين سخفًا عندما يعتقدون أن معرفتهم وحدها هي ذات الشأن، فالحق والخير والجمال ليست من احتكار القراء المنغمسين في المكتبات أو المترددين على المتاحف.
سومرست موم كاتب يتمتع بعين الروائي والقاص، فحين كان يرى عظماء الأرض مترفعين في مجالسهم، كان يفكر هل يتاح لهم في هذه اللحظات أن يذكروا كيف يملأ عقولهم فراغ وحدتهم؟ وهل يزعجهم، يومًا ما، التفكير في الأسرار التي تنطوي عليها نفوسهم المتأبية؟
وقد هالهُ تناقض الإنسان في دوافعه في الحياة والعيش بالرغم من ذلك في انسجام عجيب، وكثيرًا ما سأل نفسه: كيف توجد في الإنسان نفسه صفات لا يجمعها أي جامع؟
إنه شغوف بالبحث في المناخ الإنساني، ويكتب ذلك بلغة جميلة بعيدًا عن أشواك الوعظ، أو النبرة التعليمية، بل بألفة الصديق. لن أنصح القارئ بشيء في النهاية، إلا بأن يجد فرصة لمقابلة سومرست موم في عصارة أيامه، فلو لم يجد الفائدة، سيجد المتعة الجميلة في الحكي من رجل تجاوز الستين.

عام هجري جديد وآمال جديدة

"أحيانًا تعتريني حالات غير قابلة للتحقيق. أتخيل نفسي على سبيل المثال، بوقاحة، أن لدي فرصة للتحدث مع (سفر الجامعة) مؤلف المرثاة المؤثرة حول تفاهة كافة الأعمال الإنسانية. وأنحني أمامه بخشوع، لكني بعد ذلك أمسكه من يده، “لا شيء جديد تحت الشمس” أنت قلتَ يا الجامعة. ولكنكَ نفسك قد ولِدتَ جديدًا تحت الشمس. والقصيدة التي أنتَ مبدعُها هي أيضًا جديدة تحت الشمس؛ لأن أحدًا لم يكتبها قبلك. وجميعُ قرائك هم جُددٌ تحت الشمس؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يقرءوها قبلك. والسرو الذي جلستَ في ظله هو كذلك لا ينمو هنا منذ بداية العالم. أعطاه البدايةَ سروٌ آخر، شبيهٌ بسَرْوك لكنه ليس هو تمامًا“.
-فيسوافاشيمبورسكا، خطبة جائزة نوبل.
مع بداية العام الهجري الجديد، جال في خاطري عدة أفكار، أولها ما تمثله البدايات الجديدة من إلهام، وفرصة لالتقاط الأنفاس، في ظل سرعة حياتنا المعاصرة، وما تحمله البدايات من رمزية للتفكير في معنى الزمان، وخطرت لي عبارة شيمبورسكا وهي تخاطب سفر الجامعة وترد على دعوى: “لا جديد تحت الشمس”، وهي تذكره بأن هناك جديدًا ما دام هناك حياة، ثم تذكرت كلمة الحطيئة: “لكل جديد لذة”، وبدأت بعدها أدون بعض الهوامش مع البداية.
يحكي سليمان فياض عن لقائه مع سيد قطب، فلقد ألهم سيد قطب فياض من خلال مقالاته ومعاركه الأدبية وقلمه السيال؛ فحرص فياض على زيارة قطب في منزله الفسيح بحي حلوان، بعد أن بحث عن رقم هاتفه في دليل التليفون، فوصف له قطب البيت بدقة، وكأنه حريص على اللقاء، في نهاية اللقاء يسأله: لماذا تحولت عن النقد الأدبي؟ فيبتسم سيد ويقول: “الكاتب حين تكون له قضية، يكتب في النقد، وفي غير النقد، وغايته أن يبعث العافية في أوصال الناس، الكاتب ليس ناقدًا فحسب”.
حدثني صديقي أنه استوقف رجلاً مغتربًا عركته الحياة وسأله عن الهدف من الحياة؟ فاستشعر الرجل منه الصدق في طلب النصيحة، فأجاب: “إما أن تعيش من أجل امرأة أو تعيش من أجل قضية”، أعجبتني الإجابة.
وهكذا تبدو الحياة في ظلال العمل أو الرسالة معينة للإنسان، مع فضيلة الإحسان، وما زلتُ أروض لى نفسي هذا المعنى وأشعر معه بالتقصير، لكني تنبهت لهذه الفضيلة عندما سمعت حديث النبي (ص): إن الله كتب الإحسان في كل شيء.
وفضيلة الإحسان أو الإتقان من الفضائل العزيزة في البشر. في أحد المقاهي سرح صديقي وهو يتأمل إتقان عامل المقهى عمله وانسجامه، ونبهني أن بساطة عمله لا تجعله يتهاون في القيام به، وبعض هؤلاء البسطاء يمكن أن نطلق عليهم فرسان الحظ، أسيادًا، تُوضع الأمور وفق خطة خفية معروفة لديهم فقط.
ويجدر بالإنسان أن ينال قسطًا من ساعة الصفاء، فالأجهزة التكنولوجية من حولنا  تمنعنا من الإنصات للنفس، والاستماع لها، وحاجة الإنسان إلى طقوس تأمل تمنحه قوة على نفسه، ويجد فيها فراغًا من الهموم المتتابعة، وينشغل فيها بترتيب بيته الداخلي، وأثاثه العقلي، ودروب روحه، ليس عليه فيها إلا الصدق، والصدق فقط، يطبطب ويداوي بعض الندوب، من تصرفات البشر وصروف الزمان، ويتصالح، ويستعين بالله ولا يعجز.
ولحظات التأمل والصفاء تقيه من هشاشة قبول الذات القائمة على آراء الآخرين أو آفة المقارنة البغيضة، وتقاوم نزعته المادية الاستهلاكية، وروح الأسواق التي تخلق دائمًا شهوات جديدة لا تنتهي.
أما ما يرجوه جميع الناس فهو السعادة، والتي تتمثل كمجموعة أوقات مباركة، ومن المهم الاحتفاظ بأثر تلك اللحظات في حياة الإنسان، وتذكر تلك الأوقات يعيننا على السير في دروب الحياة الوعرة، ومثل الذى ينساها كمثل المقامر الذي يبذر مما كسب في كل يوم، فمن يذكر ذلك يجمع في نفسه ثراءه.
ولا أنسى الساعة التي تسبق النوم، فقد وصفها الشدياق بأنها من أخطر مواضع الأفكار، وإنه لتأتي لنا الفرصة لتمثل عملنا قبل النوم، لنجد جمًّا غفيرًا من الصورة السارة التي تواترت على مدار اليوم، مع الحفاوة بتفاصيل الحياة الصغيرة، فهي بوابة للسرور، يغفلها الناس. ومما يعين ذاكرتنا سريعة النسيان، هو تسجيل اليوميات، للاحتفاظ بسجل لهذه الأوقات المباركة، لمراجعتها في ساعة الصفاء، واستعادة اليوميات، خصوصًا مع شعور الإنسان بتقلب الحياة، وعدم الثبات وأنه عابر لها.
كل ما سبق مرهون بالتمسك بالأمل، فهو طاقتنا للقيام بكل ما نتمناه، وما يجب أن نحذره هو الآمال العريضة في حياة قصيرة، لذلك يكون تصارع قوى الإنسان بين الآمال العريضة، وبين ضعف الإمكانات والظروف، وليس على الإنسان إلا القيام بما يستطيعه، ثم لا يحمل الكثير من الآمال، فيصيبه شعور بخيبة الأمل في نهاية عمره، والإسلام يرى في الحياة سعيًا، وطريقة حياة، لا نتائج يحاسب الناس عليها، وسمعة الأمل في خطر، مع لصوص التنمية الذاتية، الذين يبيعون الوهم، ويبذرون بذرة تضخيم الذات في ضعيفي الموهبة، فيعذبوهم بالأمل ثم بخيبتهم، فجريمة هذه التنمية أنها لم تراعِ الفروق البشرية، وكبرت من حجم الأمنيات والأحلام، بالرغم أن المحك هو العمل. فطبيعة الإنسان قد تحمل من القابلية للإبداع، لكن ذلك مرهون بالعمل والسعي لشحذ هذه الموهبة. وأحد مخاطر الأحلام العريضة، أو الطموحات أن تنسينا ما بيدنا من عمل، أو تنسينا الاحتفاء بقيمة كل يوم، وقديمًا قال المسيح أعطنا غذائنا كفافنا اليوم. اليوم اليوم فقط، ليس خبز الأمس الجاف ولا خبز المستقبل الذي في علم الغيب.
أحد آفات سذاجة خطاب التنمية البشرية، هو خوف الإنسان من أن يكتب عما يحفز الروح، أو يحرك الأرواح الساكنة للعمل، والنهوض والإصلاح، لخوفه أن يحسب على خطاب التنمية البشرية المتهافت، فيخاف أن يكتب عن السعادة والرضا أو مداواة النفوس، وهذا الأمر يشبه آفة الخوف من الوعظ، رغم أنه سلوك بشري إصلاحي، يقوم على الإنشاء ويحرك المعاني النبيلة في النفوس، لكنها ضريبة خطاب الوعظ تخيفنا أن ننضم لدعاة منفصلين في سلوكهم عما ينادون به، فيكتفى الناس بالسكوت.
وأساتذة اليأس يقفون لنا عقبة في الطريق، فالشخصيات السلبية تبدو أكثر حقيقة من الشخصيات الإيجابية، ولحن العدمية المنتشر في بعض الترجمات، وفي تلك الحكمة البالية لسيوران، أو العبارات الساخرة لكونديرا، لو كانت من مواطن أوروبي بلغت حضارته مكانة بين الأمم لكان مقبولًا، لكننا ونحن أبناء أمة تحمل من أحمال التخلف، وديون التأخر، وأمة وضعها هذا الوضع، لا يكون لأبنائها طاقة لكي يندبوا الحظ، ولا يشعرون بلا معنى الحياة، فالحياة أن يتغير كل هذا الضباب الذي يغشي أعين الناس عن الحرية والعدالة، وأن يعرف الناس أن الحرية أفضل من الحياة، وأن المجد لا ينال إلا بالبذل والتضحية.
ولا أجد في انتشار نبرة الشك، وانتشار المفارقات الساخرة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلا عرضًا من أعراض انكسار الروح، التي منيت بها الروح الشابة في معركتها مع جذور الاستبداد في عالمنا العربي، كأن السخرية تغطية على الجرح، والأمل بدون عمل محض هراء، وندب الحظ ليس من نصيب أصحاب المبادرة، وقوة الإحباط أو تفوق الباطل لها أثر عميق على تخيل البديل، والحل هو التجارب والثقافات المختلفة، بما في ذلك الذاكرة الأدبية وتعدد صور الحياة والكون التي تعرضها العلوم علينا.
فهي كتب تصيب بحالات التسمم الروحي، وأساتذة اليأس هؤلاء هم الذين يكررون الحديث عن الفراغ القاتل، والملل، أو بلغة المثقف، شعورهم بالخواء الذي يعتصرهم، أو فقدان المعنى والتشوش.
حياتنا اختيارنا
كتب لودفيغ في كتايه الممتع الحياة والحب: “السعادة ليست استمتاعًا أو امتناعًا، وإنما تقوم على اختيار الفرد لأحسن ما يلائمه”. ونمو شعورنا بالسعادة والرضا، يقوم جزء كبير منه على نظرتنا إلى رحيل الإنسان المحتوم. إننا سعداء بنقائصنا وضعفنا لا بفضائلنا كما يقول جوته، لكننا سعداء بمحاولة التغلب على الضعف، بمقاومة الزيف، بالمعرفة والتعلم والقراءة. ويعجبني تعريف هارولد بلوم للهدف من القراءة بأنها تطهير العقل من اللغو، ولنوسعه قليلًا ولنقول إن هذا هو هدف المعرفة تطهير العقل من اللغو والثرثرة.
وما أجمل حكمة الفيلسوف اليوناني حينما أجاب الإسكندر عندما سأله عما يمكنه أن يصنعه له، فقال: “نعم، ألا تحجب الشمس عني؟”.
العيش برسالة، والإحسان في العمل، والتمتع بساعات صفاء مع النفس، والحرص على الأوقات المباركة وتسجيلها، ومصاحبة الأمل والحفاوة بالبدايات، والهروب من أساتذة اليأس ومقاومة دعاوهم، والاعتقاد بأن سعادتنا رهينة باختيارنا، وقبل كل هذا التسليم لله، والإيمان بأن كل أوراق الحياة بيد الله، لا بيد البشر، فليس هناك أكثر طمأنينة من قلب المتوكلين.
هذه بعض هوامش بداية عامي الجديد، ودمتم بخير.

ماهر شفيق فريد أو صلاة للمنقطعين

"قد لا تكون جنابك من شعب الله الخاص فلا تفهم ما يُراد بالصلاة للمنقطعين، إنهم أولئك الذين ليس لهم عقب يصلي لأجلهم ويقدس. أجل، لقد بَعُدَ العهد بيننا وبين تلك الصلوات، ولكني فطنت في هذه الأيام إلى أن الصلاة “للمنقطعين” نفعتني جدًّا، إن لم يكن في الدين ففي الأدب وكم للدين عند العلم والأدب من يد، إني أميل جدًا إلى منقطعي الأدب وكثيرًا ما أفكر بهم”.
-مارون عبود، رواد النهضة العربية الحديثة.
ذكَّر الأستاذ عبد الله الهدلق في مقالة له بعنوان “ببيلوغرافيا إعادة الذاكرة” بالصلاة للمنقطعين، عند ذكر مارون عبود، وهذه سنّة حسنة، بإعادة التذكير بأصحاب الموهبة والأبداع، رغم قلة الأضواء.
منذ عدة سنوات حضرتُ في كلية الآداب مناقشة لرسالة ماجستير عن الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت، ما لفت نظري في الإعلان، وجود اسمين؛ الأول هو الدكتور محمد عناني، مترجم شكسبير  وملتون وبايرون إلى العربية، والثاني الدكتور ماهر شفيق فريد مترجم إليوت. توقعت أنني لن أستطيع الحديث مع الأستاذين وسؤالهم لأن طلبة الدراسات العليا سيلتفون حولهم فور الانتهاء من المناقشة يستفسرون منهم على بعض المسائل في التخصص، لكني كنت ساذجًا، فلم أجد لمَّة ولا يحزنون، بل حفاوة من الأساتذة بالمناقشين وزهد من الطلاب، تناقشت مع الدكتور عناني، مما أتذكره من هذا النقاش إعجاب عناني بكتب صلاح عيسى المهتمة بالتاريخ الاجتماعي، وإعجابه بكتاب صلاح عيسى عن ريا وسكينة وأنه قرأه في يوم وليلة.
بداية تعرفي على ماهر شفيق فريد كانت مقدمة محمد عناني لترجمته لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد؛ إذ قال عنه: “ولابد أن أسجل بالعرفان شكري لصديق العمر، العلامة والناقد الكبير والأديب ماهر شفيق، الأستاذ في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، فهو حجة هذا الجيل في الدراسات الأدبية والنقدية… خصوصًا لتشجيعه لي على المُضيِّ في الترجمة وتحمُّل مشاق هذا النص العسير”.
يحكى عناني تفاصيل صداقتهما في سيرته الممتعة “حكايات في الواحات”، قمتُ بعد ذلك بمتابعة ما يكتب ماهر وما ترجمه، والرجل يتمتع بالعديد من الفضائل؛ منها فضيلة القراءة طويلة النفس، فهو قادر أن يشير إلى مصادر بالعربية لا يفطن لها باحث الإنترنت المتعجل، كمقالة منزوية في مجلة من الستينيات أو ترجمة لم يُعَد نشرها. وهو محب للقارئ المتذوق؛ ففي إحدى مقالاته يذكر مقاطع من رواية لصنع الله إبراهيم، ثم يذكر  بعض ما اختاره بأرقام الصفحات دون اقتباس، ويقول لن أوردها هنا، حتى يعود إليها القارئ بنفسه.
صادفني خبر طريف عن دكتور مسيحي يستدرك آية من القرآن في إحدى الندوات العامة، ولم يكن هذا الدكتور إلا ماهر شفيق، فهو شديد الشغف باللغة العربية، ففي مقدمة كتابه “قراءات شتى” يحكى أنه شغوف باللغة العربية، فهو لا يكف عن مراجعة المعجمات ودوائر المعارف القديمة، فهو ابن مخلص للغة الضاد، عربيته تمتاح من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وما أعقبه، ومن لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف (هكذا كتب)، ومن آثار الكُتَّاب والمنشئين من فلاسفة وفقهاء في شتى عصور العربية، وحبه للعربية مصدره شعوره ببؤس الحياة الثقافية الحالية، فأدباء العربية المعاصرين ينتجون في أحسن الأحوال شيئًا ليس بجيد ولا رديء ولكنه بين بين.
يتابع كاتبنا ما يصدر في الدوريات البريطانية والأمريكية الأدبية منها على وجه الخصوص، ومشاهداته عن الحياة الثقافية في لندن مما رأى وسمع، وهو صاحب نَفَسٍ ببيلوغرافي، فهو الذي جمع أكبر ببيلوغرافيا إنجليزية عن نجيب محفوظ، وببيلوغرافيا طويلة عن إليوت، وببيلوغرافيا عن مجدي وهبة وتوماس هاردي في العربية و التفكيكية، ومقالته عن كتابات إبراهيم ناجي النثرية وبورخيس في الثقافة العربية، ولا يمكن أن نتجاهل جُمَلَه الاعتراضية الجميلة، والعبارات القصيرة التي يتوقف عندها؛ ففي مقالة عن وحيد النقاش ينقل عبارة وحيد عن أحد كتب يحيى حقي فيقول: “إنه كبعض المظاهر الطبيعية ظل يتكون ببطء على مر الزمن”.
أما عن المنقطعين الذين نسيهم الناس في دنيا الأدب، فلقد جمع مختارات لميخائيل نعيمة، ومي زيادة، ومحمد مصطفى بدوي، وفخري أبي السعود، ووحيد النقاش شقيق الناقد المعروف رجاء النقاش، وغالب هلسا، وسامي خشبة وغيرهم الكثير، مع إلقاء الضوء على أعمال كاد النسيان أن يطويها.
ينطبق على كتبه عبارة العقاد “أشتات مجتمعات”؛ ففي معظمها مقالات مُجَمَّعة، منها الذي سيبقى ومنها ما هو أشبه بيوميات ثقافية، تؤرخ للحالة الثقافية في مرحلة ما، وله مقالات ممتعة مثل مقالته عن مفارقة السجن والحرية  في كتابه “في الأدب والنقد”، ومتابعته لما تخرجه المطابع من ترجمات جديرة بالتقدير.
اشتغل ماهر شفيق بالترجمة وهي مهنة جاحدة تأكل سنين العمر، فلقد استغرق ستة وثلاثين عامًا في جمعه مواد كتابه عن المقالات النقدية لإليوت، وقبلها ترجمة قصائد إليوت في مجلدين على صعوبة ترجمة الشعر، فالشعر أكثر الفنون عنادًا في محليته على حد تعبير إليوت، وإن كان يفضل طريقة تحرير المترجمة القديرة سلمى الخضراء الجيوسي في تكليف أحد المترجمين العرب بترجمة القصيدة حرفيًا إلى الإنكليزية، ثم تعهد بها إلى شاعر بريطاني أو أمريكي ليتولى إعادة صياغتها*.
ويؤكد على  ما يسميه “الرحم الثقافي للنص”، ويقصد به السياق الاجتماعي والثقافي للنص الأدبي، وحرصه على أمانة نقل النص المترجَم، وحاجة المترجِم إلى فهم هذا الرحم الثقافي تعينه على نقله إلى لغته الأم، فلقد نبَّه على ألوان سوء الفهم لإليوت.
وهو حريص على إنعاش الذاكرة الثقافية العربية قصيرة الأجل وتقديره لترجمات عبد العزيز توفيق جاويد مترجم كتاب “معالم تاريخ الإنسانية” لـ .هـ. ج. ويلز، فهو ينبهنا أن المناخ الفكري العام من حولنا لا يشجع على ما أخذ به عبد العزيز نفسه وأقرأنه من الجد الصارم والحفاظ المر، والخلق الوعر.
سيرة ماهر تذكرنا بفضيلة القراءة، وهي ذات الفضيلة التي نبَّهنا إليها في مقالته عن نجيب محفوظ فيقول: “ودرس محفوظ هو درس الالتزام والانضباط والنظام: فلقد نأى بنفسه عن الفوضوية البوهيمية التي يعمد إليها الكثير من الفنانين، واختط لحياته نهجًا صارمًا يعرف قيمة الوقت، ويعكف على القراءة المستمرة”.
فقد عمل دون جزاء أو شكور غير الرضا الذي يستمده العامل الأمين مع المتعة العقلية والروحية وإعمال الذهن، في ظل عامية أساتذة الجامعات.

*مجاب الإمام ومحمد عبد العزيز. الترجمة وإشكالات المثاقفة، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2014.

من وحي الرسالة

"والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص… وغاية الرسالة أن تقاوم السياسة بثقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق“.
أحمد حسن الزيات في افتتاحية العدد الأول من مجلة الرسالة، 15 يناير 1933.
شرعت في قراءة مقالات أحمد حسن الزيات وتصفح الرسالة (1933- 1953)، مع أحد الرفاق الذي أدين له بهذه الفكرة، ودور مجلة الرسالة في تاريخ الصحافة الأدبية مشهود له من الأدباء الكبار، ودورها في إثراء الحياة الأدبية والتعريف بالكثير من شباب تلك الحقبة لجمهور القراء.
ففي السيرة العذبة لمحمد عفيفي مطر “أوائل زيارات الدهشة: سنوات التكوين” فصل عن المعلمين في المدارس المصرية، أطلق عليهم “سلالة النور”، مما لفت انتباهي تلهفهم لعدد الرسالة يوم الثلاثاء، وما حكاه عفيفي مطر عن سيره لعدة كيلومترات لكي يحصل على عدد الرسالة، وينقل قصيدة محمود حسن إسماعيل وينعم بوجبة غداء دسمة مع أستاذه.
ولا أملك وأنا أقلب صفحاتها الأصلية، وأرى فهرسها الفاتن بكل هؤلاء الأعلام، إلا الشعور بألق الماضي وسؤال الخلود، وجلال العمل الفني، وجزالة اللغة، وصفاء العبارة ونصاعة الفكرة، وبيان الهدف الجلي من الكتابة كعمل رسالي، يجمع بين المتعة والفائدة، مع روح الصدق في الإبانة عن النفس، مع التنبه مع كل ذلك خطورة الغرق في الحنين، فعادة الكاتب الشاب حينما يكتب أن يتصور أن الماضي أفضل، دون دليل أو برهان.
الرسالة أرشيف جيل
تمر الأسماء وأقرأ في توالي العناوين والحوادث تاريخ البلد وذاكرة الأمة، أضحك مع المازني، وأرى بدايات شاكر الخجولة ودفاع سيد قطب عن أستاذه العقاد. مع تنوع الترجمات عن اللغات الشرقية والغربية، فهناك أشعار مترجمة لطاغور، وأشعار لإقبال، وقطع من كتب نيتشه ترجمة فيلكس فارس، وتحقيقات تاريخية عن الأندلس لمحمد عبد الله عنان، وغيرها الكثير.
وطبيعة الكثير من المقالات من نوع المقالة الأدبية الذاتية، وفي هذا النوع الأدبي متعة ولذة للقارئ لظهور شخصية الكاتب، فهو أقرب للمناجاة وحكايات التجارب، فالكاتب يبدأ المقالة بحكاية ذاتية ثم يناقش فكرته، ففي مقالة لمحمد عوض محمد عن فتاة بريطانية تعرضت له أثناء دراسته في جامعة لفربول تسأله: ما هي روح الإسلام؟ فيحكي قصته مع هذا السؤال، ويتمتع القارئ بنقاش مميز.
وآفة الصحافة الأدبية أنها أصبحت أخبارًا وتقارير موضوعية باردة جافة. في إحدى ذكريات طه حسين، يحن إلى زيارة الأزهر مع مجموعة من رفاقه، فيكتب مقالاً يبث فيه الشوق للحركة القديمة في المسجد بعد أن أصبح بلا حس ولا حركة ولا دروس علمية.
الزيات مهندس البيان والتراجم الشخصية
أما مقدمة رئيس تحرير المجلة أحمد حسن الزيات فهي من أرقى الكتابات، ولغته النثر المنغم، ففيها اقتباس من القاموس، وتلاحظ عنايته بالجرس الموسيقي والأوابد المتقنة، وتتعرف فيها على التراجم الشخصية الكاشفة عن أوجه النبل في أعيان صدر القرن العشرين، في مصر وأقطار العروبة.
مع ملاحظات من صنف النقد العالي للشخوص الأدبية والسياسية، وتبيان ملامح تصلح لأن تكون مفاتيح للشخصيات كعادة مفاتيح العقاد، مع قصر في العبارة واكتناز في الفكرة وطول نفس في تأمل طباع الناس وحياة الأمم.
ففي تحليله لما تبقى من إرث شعر حافظ إبراهيم عقد موازنة أدبية لا تظلمه ولا تنكر فضائله بينه وبين غريمه شوقي، فيقول: “شوقي شاعر العبقرية، وحافظ شاعر القريحة. وتقرير الفرق بين الموهبتين هو تقرير الفرق بين الرجلين”، ثم يسهب في الشرح.
وكذلك في مقالته عن المتنبي وعن جهود أحمد زكي باشا في خدمة التراث، وعن ترجمته لحياة الشاعر العراقي جميل صادق الزهاوي وصداقته معه في بغداد، وعن الصف الدراسي الذي قضاه محمد عبده في جنيف في مقالة يحكي فيها دقائق مجهولة عن حياة الإمام، طبقًا لرواية أحمد لطفي السيد منبهرًا بطرائق التعلم الغربي مقارنًا بينها وبين تخلف الأزهر في تلك الحقبة، وفي التعبير عن الحوادث الإنسانية لشخوصه لتكاد تتحرك بك العبرة، فلما وقف على محنة الآنسة مي زيادة في مرضها وحبسها في دار المجانين، بعد أن دوخت المثقفين برقة حديثها، ولطف معشرها، وعذوبة مجالسها القاهرية الرقيقة، انقلبت بها دراما الزمن الذي يصلح للروايات ويقسو على الأحياء تصوره.
فلقد غشيها إغماء لثلاثة أيام وهي في بيتها لا يعلم عنها أحد، حتى فطن إلى ذلك بواب المنزل، فأبلغ أمرها إلى الشرطة. كانت السنوات الأخيرة من حياة مي كما يقول الزيات مأساة يرتاع لها الضمير ويلتاع لها القلب.
الرافعي مقاتل لآخر نفس
وأما عن رثاء الزيات للرافعي وحديثه عن أمله في آخر كلماته، وهو يرسل له مقالته والتي ستكون المقالة الأخيرة، وهو عازم أن يكمل الجهاد ويصمد في حملة التطهير كما أسماها، فالرافعي طبقًا لهذه الرواية مات وهو مرابط على ثغر أدب العرب ولغة القرآن، يقول الزيات: “كان الرافعي يكره موت العافية فمات به: أرسل إلي قبل موته الفاجئ بساعات كتابه الأخير يشكو فيه بعض الوهن في أعصابه، وأثر الركود في قريحته؛ ويقترح علي نظامًا جديدًا للعمل يجد فيه الراحة حتى يخرج إلى المعاش فيقصر جهده على الأدب؛ ثم يسرد في إيجاز عزائمه ونواياه، ويعد المستقبل البعيد بالإنتاج الخصب والثمر المختلف؛ ويقول: إن بنيتي الوثيقة وقلبي القوي سيتغلبان على هذا الضعف الطارئ فأصمد إلى حملة التطهير التي أريدها”.
رحم الله الرافعي كان يملك عزيمة المجاهد، وقلب المكافح في ميدان الكتابة، ورثاء الزيات للهراوي يصلح هنا. يقول: “كل حي فان، ولكن فناء الحي الذي طبع وجوده في القلوب والعيون والكتب والأمكنة، تحدّ لهذه الحقيقة”.
في هامش بإحدى مقالات الرافعي مدح للملك فؤاد. لا تتخيل الناس على مثال الملائكة، فالإنسان أسير من يحسن إليه. كتب الرافعي في رثاء الملك فؤاد، ثم وجدت في الهامش ملاحظة من تحرير المجلة، فقد أحسن فؤاد إلى الرافعي، وطبع كتاب “تحت راية القرآن” على نفقته، حتى الملوك فيهم خير.
الرسالة والخلود
وإنك لتشعر بحزة في نفسك و بسؤال لضمير الزمن عمن يختارهم للبقاء في ذكراه ومن يتجاهلهم؟ فلا تجد قاعدة!
وتفكر في قضية الخلود، وأنت ترى في باب الوفيات بابًا عظيمًا من الأسماء اللامعة في أوقاتها خفت ذكرها ونسيها الناس، وقل الاحتفاء بها وبكتبها الآن، وتتذكر قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}.
يحكي محمود محمد شاكر في حوار مع الإذاعة الكويتية عن ذكرياته مع الرسالة فيقول: “هذه هي مجلة الرسالة تراها وراءك ترى فيها أقلامًا ورجالًا، مئات الأسماع من الشام والعراق كتبوا فيها، ومن العجب أن لا ترى أحدًا منهم مذكورًا بعد ذلك، مع أن لبعضهم بدءًا من أجمل البدء، ولم يبق ممن كتب في الرسالة إلا عددًا محدودًا… ولصدق كثير ممن كان يكتب فيها، كان لها تأثير بالغ على كثير من رواد الأدب المحدثين”.
وهكذا تلعب المجلة، والتي تقع نسختها المصورة في 40 مجلدًا، دورًا في تسجيل روح العصر، بحكاياته المهملة في تلابيب الذاكرة البعيدة. الملاحظة الأهم هي قيمة هذه المجلة في باب التاريخ الاجتماعي، ففي صفحاتها تأريخ لحوادث السياسة وعادات المجتمع.
كانت مجلة الرسالة رسالة بحق، تشتغل في مجمل إنتاجها برفع الذائقة، كانت خلاصة أو ريحان جيل، له ما له وعليه ما عليه، لكنه ترك لنا وثيقة يحكي فيها عن نفسه، فوجب الرجوع ومراجعة أفراحه وأتراحه لعل مشاكلنا ما زالت لم تبارح مشاكل العقد الثالث من بدايات القرن الواحد والعشرين.
ختامًا، في ربيع عام 1933 كتب الزيات مقالًا بعنوان: “في الربيع”، يقول فيه: “وفي الربيع تتقد حمية العروبة في العرب، فتسمع اليوم في فلسطين والشام أبناء الشعب الخالد، ووارث المجد التالد، يصرخون صراخ الأسود، في راقد العدل أن يستيقظ، وفي غائب الحق أن يثوب”. كأني بصدى صرخة الزيات من الثلاثينيات إلى يومنا، وغزة تضرب والأقصى يحاصر والسوريون يحافظون على آمال الثورة المنهكة.
تابعت أخبار اقتحام الجامعة أثناء كتابة المقال فهالني هذا التتابع العنيف من اعتداء الدولة على الشباب في الجامعات، مع خبر إضراب بعض المعتقلين عن الطعام، وفكرت أيأكل البلد أبناءه؟ وتذكرت عبارة يحيى حقي في قصته “قنديل أم هاشم”: “وكلما زاد حبه لمصر، زاد ضجره من المصريين” لكنه ليس ضجرًا، بل غضبًا.
لم أبعد عن مادة مقالي، فالزيات بطلنا اليوم يرسل برقية في نهاية مقالة لشباب العراق ومصر في عام 1933 ويقول: “والشباب في العراق كالشباب في مصر منذ سنين، يحاول القائمون على أمره أن يربوه تربية الدجاج: ينقنق دائرًا بين الحب والماء، ويبحث في الأرض ليذهل عن السماء، ويأبى الشباب إلا أن يكون طيرًا يحتقر القفص، ويقتحم الجو، ويسمو إلى الغاية والغد على كل حال يومه”.

انكسار الروح

عن الشباب..
وهذه الفترة من السن عصيبة؛ فالإنسان فيها صغير السن بالنسبة لأحلامه ورغباته، كبير السن بالنسبة لتحقيق أي منها. وكلُّ شخص في هذه الفترة ينشد التغلّب على قلقه بأن يُصبح قويًّا بفضل ممارسته للحياة، وبأن يُحصِّن نفسه بالنسبة لما تأتي به الحياة مما لا طاقة له به، وأسفي لعدم بلوغي عشر سنوات أكبر من سني ليحفظني الكِبَر مما يضطرم في نفسي من ثورات، أو لعدم كوني في سن أصغر عشر سنوات حتى لا يهمني شيء ويكون كلُّ شيءٍ عندي على حد سواء..“.
محمد ميشا سليموڤيتش، رواية “الدرويش والموت”
الجرح النرجسي لجيل الثورة
يمر بي طيف من الحزن، أو مسحة ضيق في بعض الليالي، يحدث ذلك لزيادة التفكير وتوالي الأخبار السياسية التي تحول الضحايا وحياتهم إلى أرقام، والتي حولت العديد من الناس إلى متابعين فقط لما يحدث من جرائم الطغاة، ونقل شحنة غضب غير فعالة لا تفيد.
هذا التعرض الدائم لنكد السياسة، أخفى عن الناس متعة سير الحياة وتنوعها، وجعلهم أشخاصًا أحادي البعد، مقابل ذلك النموذج يوجد مذهب آخر، وهو المذهب الأناوي (من الأنا) بالتمتع بمباهج الحياة والترف، والتخلي التام عن حمل الرسالة، أو لنقل الزهد في فهم قضية استخلاف الإنسان على الأرض.
أعرف جيدًا ما يضطرم في نفس الشاب، وأدرك عواصف التفكير التي ينال الشاب منا كفايته في مقتبل حياته، خصوصًا مع جيل تشرب الأمل الثوري بالتغيير، ثم رأى خيبة بعدها بصعود الثورة المضادة، نحن في صف واحد، أبناء جيل واحد، لكني أخاف من جيل الغضب، من جيل التمركز حول لحظة أسطورية أو ملحمية، كالثورة مثلاً، أو كما حدث مع طلاب الحراك الجامعي في مصر نهاية الستينيات والسبعينيات، كأن الحياة أصبحت هي الجامعة، لحظة لم يتم تجاوزها، لذلك ظل الحنين إليها حنينًا طفوليًّا، دون قدرة على تحمل مسئولية الحياة الكاملة خارج أبواب الجامعة. ستكون الحياة عزيزة عليك في أن تجمع أنصارًا مؤمنين بفكرة كما في الجامعة -طلبة ليس لديهم ما يخسرونه-.
يقل أنصار القضايا والرسالة مع التورط أكثر في تفاصيل الحياة اليومية، لذلك كانت محاسبة الإنسان لنفسه دائمًا، لكي يراجع ما قدم، ولو بحس الاهتمام المؤرق. قلت لصديقي منذ عدة أيام إن وجود أرق السؤال قد يكون عذرًا، وإن العمل البسيط الذي قد يتبع هذا السؤال قد يكون معذرة إلى ربنا، في حدود طاقتنا وحياتنا.
الثورة وعصر الجماهير الغفيرة
يقول جلال أمين في كتابه عصر الجماهير الغفيرة: “كان جدي يرى الإصلاح في حكم المستحيل، ورآه أبي ممكنًا والمطلوب إصلاحه في نظره هو حال المسلمين، ورأيته أنا أيضًا ممكنًا، وكان في نظري إصلاح مصر وعلى أحسن الأحوال حال العرب، ورآه ابني مستحيلاً… يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأن ابني قد عاد إلى النقطة التي بدأ منها جدي، وهي الاعتقاد بأن الفرد منا أتفه و أعجز من أن يحدث تغييرًا مهمًّا في نظام المجتمع ناهيك عن نظام الكون”.
هناك من الشباب من أعادت الثورة وموجة أحياء الحلم تعريفهم لذواتهم، وصعود الثورات المضادة ولد ردة فعل عكسية، إما بالغرق في السياسة أكثر، أو الزهد في العمل العام، حالة الزهد التي قد تصل للقرف من المجتمعات التي قبلت بالاستبداد، وقبلت بما يقدمه لها الإعلام، مشاعر متخبطة لمفهوم “الشعب أو الجماهير الغفيرة” بين شعور الوقوف في وجه الظلم، وبين شعور دعهم لموعدهم مع الطغاة، بالقبول المستمر لتعرض الإنسان لأخيه الإنسان من قتل أو تعذيب.
رغبة مستمرة أشهدها من رفاقي للسفر وترك مصر البلد الطاردة، أتذكر جلسة بعد ثورة يناير بعام أثناء حكم المجلس العسكري، لم ينقطع فيها الأصدقاء عن حكي مواقفهم في أيام الثورة وفي الأيام التي لحقتها من المظاهرات، كل هذه الذاكرة المشحونة بالمواقف الحدية التي يقترب فيها الإنسان من مصيره ومن الموت، إلى أين تذهب؟
هل سيدفن طبيب الميدان ذاكرته، وشهود العيان عما حدث في محمد محمود والقصر العيني؟ الذاكرة التي كلما جاءت مذبحة جديدة تغطي على المذبحة القديمة، رابعة والنهضة والحرس الجمهوري ومحمد محمود والقصر العيني ومجلس الوزراء وماسبيرو… أخاف أن يحدث لنا عطب جماعي في ذاكرة الجيل، لكل ما يشهده من الدم!
في الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة عن سيارات الترحيلات، فكرت في خيط الدماء المتسلسل بين أعلى القيادات إلى أصغر رتبة لمجند في كتيبة الأمن المركزي، كل هذا الظلم، معاناة الشعور بالخجل من موقف النظام المصري مما يحدث في غزة، وتأكيد شباب شعروا لمدة عام تقريبًا أن بيدهم هم لا بيد عمر، التعبير عن آرائهم السياسية، البراءة من موقف الحكومة، لعبة عبثية، حكومة يجب أن تمتثل لرغبات المحكومين، وإعلام يخدم رواية السلطة، ويجعل الضحية هو القاتل، تشوية متعمد، ينتج عنه نفور من قلة الوعي والجهل الحاد في المجتمع، نعيد فيه فهم طبيعة عصر الجماهير الغفيرة المستهلكة للمواد التي تبثها الشاشات دون وعي، بعد عقود من الجهل في المدارس.
في أحد النقاشات صك صديقي مصطلحًا لطيفًا “الدروشة الثقافية”، كان يقصد به كما فهمته الحالة الهروبية التي ظهرت بين كثير من الشباب، ومن مظاهرها التحلق حول الحديث عن الكتب والفن والأدب، دون مشاركة اجتماعية من المثقف لقضايا أمته. كان يتحدث عن انعزال المثقف في برج وترف الاهتمامات، دون فعل أو حركة دينامية في المجتمع، الآن أفكر في مسؤولية المثقف، في تعكير صفو السلطة.
كيف نخفف ثقل الشعور بأن الفرد أتفه وأعجز من أن يحدث تغييرًا في المجتمع؟
عندما أقرأ بيغوفيتش خصوصًا في مذكرات السجن “هروبي إلى الحرية”، تعلق في ذهني هذه الفكرة: في الأوضاع “الحدية” يبذل الإنسان جهده لتحسين العالم، ومع ذلك فسوف يظل هناك أطفال يموتون بطريقة مأساوية، مجاعات وحروب، وتدافع بين الناس، وما حيلة الإنسان إلا التقليل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيظل الظلم والألم مستمرّين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيه، سيظل الخير والشر.
ومواجهة الإنسان لهذا الأمر تتراوح بين التمرد والعدمية، وبين التسليم لله والاعتراف بالقدر، والصمود والصبر، والتسليم لله هو قوة الأمل؛ فالطريق إلى الله يفتح نور التكافل بين البشر بعضهم بعضًا.
والتحلي بما يسميه تشارلز مورجان “الشجاعة الخلقية للحياة”، ومواجهة صروف الدهر، والتجلد على نوائب الزمان. يقول الشاعر الشجاع عمرو بن معد يكرب:
كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ… بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا
ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْت… ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا
أَلْبَسْتُهُ أَثْوابَهُ… وخُلِقْتُ، يومَ خُلِقْتُ، جَلْدا
مجالدة أكثر، مع شيوع روح تتحدث عن خيبة الآمال، ولا أستطيع أن أخفي وقوعي في فترات تطول أو تقصر، في مرحلة السير في الضباب، وافتقادي دفء الأمل، وبحثي عن حلم جيلي بالتخلص من الطغاة، طمأنينة أكثر بأن بلادنا أحق بنا، بدلًا من أن يكون ما يشغلنا تأشيرة سفر وتذكرة لطائرة إلى أي منطقة في العالم، إلى بلاد تساند القضايا العادلة.