السبت، 3 يونيو 2017

شكيب أرسلان: الجنتلمان العثماني



بين يدي كتاب مميز صدر مؤخراً للمؤرخ الأمريكي وليام كليفلاند بعنوان الإسلام ضد الغرب: شكيب أرسلان والدعوة إلى القومية الإسلامية، ينظر فيه إلى الأمير شكيب أرسلان (1946 – 1869) باعتباره نموذجاً لشخص من الجيل الأخير للعرب العثمانيين الذين كبروا قبل العام 1914، والمولودين تقريباً بين عامي 1870 و 1890. تلقى أبناء هذا الجيل تعليمهم وأسسوا حياتهم المهنية وخططوا لمستقبلهم في عالم كانت الإمبراطورية العثمانية جزءاً منه، وأرغموا بعد عام 1919 على إعادة تأسيس حياتهم وتسوية أوضاعهم في عالم لم يكن من اختيارهم، وقد كانوا ميالين إلى رؤية النظام السياسي والهوية الثقافية بوصفهم عرباً عثمانيين، معتبرين تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى ظالمة وغير ملائمة، فقد فككت الدول العربية وغدت مقسمة بين القوى الاستعمارية.
كان أبناء أسرة أرسلان أمراء دروزاً بالوراثة. وتعود جذورهم إلى منطقة الشوف في لبنان. أما والده الأمير حمود فقد خرق أعراف الدروز بزواجه من امرأة شركسية (وكذا فعل شكيب فيما بعد)، ودرس في طفولته في المدرسة الأمريكية في منطقة الشوف. انتسب شكيب إلى مدرسة الحكمة، وهي المدرسة الرائدة في بيروت (أسس المدرسة يوسف الدبس مطران بيروت عام 1874م)، وتشكلت مراهقته في أجواء بيروت المتحررة، وظل رجلاً مدينياً طوال حياته، ليكتسب بذلك ذائقة الأجواء الأدبية التي يمكن أن تؤمنها المدينة دون سواها. وفي سن الـ17 نشر ديوانه الأول الباكورة وأهداه إلى الشيخ محمد عبده. التحق بعد ذلك بالمدرسة السلطانية، وهو معهد حكومي عثماني، درس فيه العلوم الإسلامية، وترسخت لغته التركية. وفي سن الـ18 اكتمل تعليم شكيب، بأفضل ما كان متاحاً في عصره، فقد منحته سنواته السبع التي قضاها في المدرسة المارونية مدخلاً إلى الأوساط الأدبية في كل من بيروت ودمشق، ومع تعلمه التركية تمكن من تولي مهام رسمية وغير رسمية في كنف الدولة العثمانية.
التقى في شبابه بمحمد عبده الذي كان منفياً عن مصر، مقيماً في بيروت من سنة 1886 إلى سنة 1888، وتنبأ له محمد عبده بأنه سيكون شاعراً مهماً. وقد رأى أرسلان في محمد عبده أنه ذلك الرجل الذي لم يكن عالماً فقط، بل عالماً لم نعهد رؤية مثله من قبل على حد وصفه. زار مصر بعد ذلك، ثم أقام سنتين في استانبول تعرف فيها إلى العديد من شخصيات الدولة، والتقى بالسلطان عبد الحميد وتعرف إلى جمال الدين الأفغاني وأعجب به جمال الدين الأفغاني، ثم انطلق من تركيا لزيارة أوربا وبالتحديد لندن وباريس، وهناك بدأت صداقته مع الشاعر أحمد شوقي، والتي ستمتد بعد ذلك أربعين سنة ويكتب عنها كتابه شوقي أو صداقة أربعين سنة.
احترف أرسلان حرفة الصحافة ونشر مقالاته في أكبر الصحف اليومية التي كانت تصدر في القاهرة، ومنها صحيفتا الأهرام والمؤيد، هذا بجانب عمله كمتصرف أو حاكم منطقة الشوف في لبنان وعضو في البرلمان العثماني، شأنه في ذلك شأن اثنين من أشقائه. لم يكتف بذلك في شبابه، فقد حقق مخطوطتين اثنتين ونشرهما وهو في العشرين من عمره وهما: الدرة اليتيمة لابن المقفع، والمختار من رسائل الصابي. وكذا أولى اهتماماً للأدب الفرنسي وترجم لشاتوبريان روايته مغامرات آخر أبناء بني سراج، وسبب اختياره لهذه الرواية هو تصويرها الحضور الإسلامي في الأندلس.
وأثناء الغزو الإيطالي لطرابلس، تحرك من جبل لبنان، كجندي وعامل إغاثة وناشط، بعد أن أقنع أرسلان القائد العثماني في دمشق بإرسال عدد من الضباط والجنود للخدمة العسكرية لطرابلس، ورافق أرسلان الجنود في رحلتهم، ومروا بمصر والتي كانت تحكم من قبل بريطانيا فتنكروا في أزياء البدو، ولم يتمكن أرسلان من أن يمضي أبعد من منطقة العريش، حيث اعتقل وأرسل في نهاية المطاف على متن قارب إلى يافا. لكن ذلك لم يوقفه فقد امتطى متن سفينة أخرى من يافا إلى الإسكندرية، ثم وصل القاهرة كمتطوع في خدمة جمعية الهلال الأحمر المصرية، بعد ذلك أيد جمعية الاتحاد والترقي وصاحب عبد العزيز جاويش في رحلات لبيروت ودمشق والقدس والمدينة المنورة مروجاً للسلطة العثمانية الجديدة، ومحذراً من خطورة الاستعمار.
  تربى أرسلان وترعرع في ظروف بدت له فيها الهيمنة والقوة للعسكرية الأوربية الغربية، فقد كانت سنوات أفول للإمبراطورية العثمانية، وعلى مدى السنوات الأربعين الأولى من عمره، كان التوسع الأوربي في البلاد الإسلامية متواصلاً، فلبنان تم تنظيمه من قبل الدبلوماسية الأوربية في عام 1861، وبريطانيا احتلت مصر عام 1882، فيما كانت فرنسا ما تزال تحتل الجزائر وتحكمها منذ عام 1830، وجعلت من تونس سنة 1881 والمغرب عام 1912 محميتين خاضعتين لها، بينما شنت إيطاليا هجوماً على طرابلس الغرب في عام 1911. وشكلت روسيا تهديداً مستمراً في المضائق وعلى طول الحدود العثمانية الشرقية. وبالإضافة إلى ذلك، تشكلت دول جديدة في منطقة البلقان انفصلت عن أراضي الدولة العثمانية وتحالفت مع القوى الأوربية، وعمدت أوربا إلى تقسيم تركة الرجل المريض والمناطق الخاضعة لسلطان العثمانيين.
دافع أرسلان عن الدولة العثمانية حتى آخر نفس لها، مخالفاً قطاعاً كبيراً من العرب كان يشعر برغبة في التخلص من نير الحكم العثماني، خصوصاً مع استبداد الكثير من قادة الدولة مثل جمال باشا في الشام، فضلاً عن وعود القوى الاستعمارية بحكومات عربية مثل الوعد الذي حصل عليه الشريف حسين. ومع سقوط الدولة العثمانية تتغير حياة الشاب المؤمن بها إلى شخص يعيش في منفاه في جنيف وحيداً، بعيداً عن البلاد العربية جغرافياً، لكننا نجده حاضراً في  حقبة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية بقوة.
وفي سيرته الذاتية يصف لحظة أفول الدولة العثمانية ومغادرة قادتها إلى برلين مثل أنور باشا وطلعت باشا. والذي لفت نظري هو تقديره الشديد لأنور باشا، حتى إنه قص تحركاته بعد وصوله برلين وعدم رغبة أنور في توقف القتال ضد بريطانيا، وعودة أنور إلى فتح جبهة مع بريطانيا مستعيناً بالروس، ثم خذله الروس وقاموا بقتله في بخارى خلال الحروب ضد الحكومة الروسية 1922. وعاش طلعت باشا في برلين لكنه اغتيل على يد أحد الأرمن، وكذلك جمال باشا اغتيل في تيبليسي عاصمة جورجيا على يد أحد الأرمن، وهكذا انتهت حياة الطورانيين الثلاثة بالقتل بعد أن قوضوا الإمبراطورية العثمانية في انقلابهم عام 1908.
أما أرسلان في حياته الشخصية فقد كان كثيراً ما يجعل القضية والاهتمامات العامة قبل أي اهتمامات شخصية، فقد تزوج من زوجته سليمى عام 1916 عندما أصبح في سن الـ47، واتسم زواجهما بفترات طويلة من الابتعاد، فقد غاب عن أسرته ست سنوات متصلة والتم شمل الأسرة في ربيع العام (1924م)، بعد رؤيته أمه وزوجته وابنه غالب، مع مكابدته صعوبات مالية، لكن هذه الشخصية لم تكن لتستقر وتهدأ في مارسين، تلك القرية التي تقع في جنوب تركيا، فقد كتب شكيب رسالة إلى صديقه رشيد رضا يشتكي من عزلته، وأنه تمضي الجمعتان والثلاث ولا يأتيني زائر... وبمدة خمسة أشهر ما أقام إلا مأدبة واحدة.
كان شكيب يرتدي ملابس أوربية فاخرة لا تشوبها شائبة، وينشر مقالاته في مجلات علمية جديدة، وبهذه وتلك كان يبدو مثقفاً غربي السمة والثقافة. لكنه لم يكن علمانياً ولا متغرباً (لم يتفرنج)، فقد كان عدوه الأول مصطفى كمال أتاتورك الذي عصف بعالمه القديم بإلغائه الخلافة، وبمساعدة رشيد رضا، تَأَتَّى بلباقة ودهاء لشغل منصب رئيس الوفد السوري الفلسطيني المفوض في عصبة الأمم في عام 1925م. واتخذ لنفسه مساراً عملياً جديداً بوصفه داعية سياسياً عالمياً، وولج عمق القضايا السياسية والتيارات الفكرية الرئيسة في حقبة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين.
وعلى الرغم من أنه لم يعش قط بصورة دائمة في أي بلد عربي بعد عام 1917 م، فإن شخصه – إلى جانب آرائه – استأثر بمثل هذا الاهتمام إلى الحد الذي جعله جزءاً لا يتجزأ من الصراع السوري اللبناني مع فرنسا، ولاعباً فاعلاً على صعيد المأساة الفلسطينية، ومعلقاً على التيار الإصلاحي الإسلامي المنبثق من مصر. وإلى جانب كل ذلك، لعب أرسلان – كما تؤكد دراسة كليفلاند– دوراً رئيساً في إرساء قواعد أرضية مشتركة بين نضالات العرب المشارقة وعرب شمال أفريقيا في سعيهم إلى تحقيق الاستقلال. وأصبح المعلم المرشد لمجموعة من القوميين المغاربة الشباب، وأظهره تنسيقه للاعتراضات الإسلامية الدولية على مرسوم الظهير البربري عام 1930م، بوصفه شريكاً مرغوباً فيه للمسلمين العرب في كل المناطق، وانخرط ضمن مجموعة من الشخصيات الجزائرية والتونسية الريادية وتبنى قضاياهم، وأتى بها إلى معترك النضال العربي الإسلامي الشامل المناهض لقوى الإمبريالية الأوربية. وأضحت إقامته في جنيف أرضية اختبار لاستراتيجيات المقاومة. وسواء أكان يستضيف الملك فيصل ملك العراق أم يسدي المشورة لمصالي الحاج من الجزائر، أم يتنازع مع ديفيد بن غوريون، أم يستقبل وفوداً سورية متنوعة، فقد حول في كل ذلك مقر إقامته في جنيف إلى مركز للحركة الإسلامية العالمية.
هذا الرجل يمكن النظر إليه باعتباره ناشطاً سياسياً مهماً في فترة ما بين الحربين، إلا أن هذا النشاط السياسي لم يجعل نشاطه يتوقف عن الحضور ككاتب لهذه الفترة، فقد  كتب سيرة صديقيه رشيد رضا وأحمد شوقي، وبوصفه مؤرخاً للفتوحات العربية في أوربا أعاد إلى الذاكرة صوراً عظمى للماضي بكتابة تاريخ للأندلس، وبوصفه معلقاً إصلاحياً شارك بكتابه الذي تضمن نقداً قاسياً وعنوانه: لماذا تأخر المسلمون؟ طبع ثلاث مرات في حياته وأعيد طبعه بعد ذلك. وشرحه الذي ورد في أربعة مجلدات لكتاب حاضر العالم الإسلامي للكاتب لوثروب ستودارد، وأرسلان باشتغاله على هذه الكتب إلى جانب مجلته التي كانت تصدر باللغة الفرنسية باسم: الأمة العربية، مع مقالاته التي نشرها في الصحافة العربية وكان يبلغ عديدها مئة مقال سنوياً أو نحو ذلك؛ يمكننا القول إنه كان الكاتب العربي الذي تعد كتاباته الأكثر قراءة وعلى أوسع نطاق في حقبة ما بين الحربين.
قدر شكيب أرسلان هو الشهرة وذيوع الصيت، أتته الشهرة منذ شبابه إلى قرب نهاية حياته، أصدر ديوانه الأول متزامنا مع قيامه بعمل إداري لأول مرة في لبنان عام 1888، واختير رئيساً للأكاديمية العربية في دمشق عام 1938. واعترف به بوصفه المسؤول التنظيمي لحركة الاستقلال المغربية في ثلاثينيات القرن العشرين. وكان الضيف الشخصي للخديوي عباس حلمي الثاني في القاهرة عام 1912.
أما نشاطه فلم يتوقف، وسفره الذي يبدو لنا من سيرته أنه متصل لا يبالي بالتعب ولا يكل ولا يمل. وعززت في أحيان كثيرة الرحلات الشاقة التي قام بها إلى أنحاء متفرقة من العالم صورته بوصفه مجاهداً لا يقهر. فعلى سبيل المثال، أمضى في العام (1927م)، أربعة أشهر في الولايات المتحدة الأمريكية، وحضر مؤتمراً في موسكو. وخلال ستة أشهر من العام (1934م)، جال في دول البلقان وصولاً إلى بودابست، وتوسط لفض نزاع في اليمن، والتقى مرتين بموسوليني في روما، وتناول طعام الغداء مع المندوب السامي البريطاني في القدس. وكان مثل الأفغاني، في آخر أيامه، يجوب العالم الإسلامي وأوربا فيستقطب مريدين مستجدين، ويحذر وينبه بعض الحكام العرب إلى الخطر، وينتزع تعابير القلق من المسؤولين البريطانيين والفرنسيين الذين يقتفون أثر تجواله.
والذي يقرأ هذه السيرة المترجمة عن شكيب أرسلان يرى تحليل الكاتب للقيمة الفكرية لشكيب أرسلان، فعلى الرغم من كونه كاتباً متميزاً ومؤثراً بصورة واضحة، فقد كان في رأي المؤلف أقل أهمية بوصفه مفكراً أصيلاً، وحاله حال أقرانه، كان فكره مزيجاً من فكر مرشديه الأفغاني ومحمد عبده، فيما كانت قدرته على توجيه الأحداث أكثر محدودية مما كان يخشى خصومه الأوربيون. ومع ذلك فقد كان صاحب شخصية بارزة ذا تأثير دولي كبير، وأكثر نزاهة واستقامة مما عزا إليه منتقدوه، وأشد دهاء مما يعتقد مؤيدوه، تميزت سيرة كليفلاند باطلاع على الأرشيفات الأمنية التي أعدتها كثير من الحكومات وهي تتبع نشاط أرسلان، مثل بريطانيا وسويسرا، فهاتف شقته ظل مراقباً إلى وفاته، رغم مغادرته هذه الشقة قبلها بسنتين، وبذلك أضاف معلومات وتحليلات تظهر لأول مرة، أضف إلى ذلك تحليله لمواد شكيب أرسلان المالية وكيف كان  يمول الكثير من نشاطاته، سيرة شكيب أرسلان هي وجه من وجوه تاريخ المنطقة متمثلاً في أحد المفكرين الجوابين المحذرين من الخطر.

الأربعاء، 10 مايو 2017

طلعت الشايب: المترجم طليقا! (عن التجربة وصاحبها)



محمد عبد العزيز الهجين
في شهر إبريل من هذا العام غادر عالمنا المترجم طلعت الشايب، والأستاذ الطاهر أحمد مكي، وقبلهما بأشهر الأستاذ عبد القادر عبد اللي، قابلت الأستاذ طلعت الشايب في الدوحة عدة مرات في زياراته المتكررة لمؤتمرات الترجمة، كانت روحه جميلة، ودائما ما يقابلك بابتسامة صافية، ويجيب على من يسأله ويتناقش معه بدماثة، وتجمعه مع المترجمين الآخرين جلسات نقاش ومزاح. قدم مداخلة أمينة عن تجربة المركز القومي للترجمة وذكر الإيجابيات والسلبيات لأنه كان قريباً من إدارة المركز.
كان يزور الدوحة وهو يحمل آخر إصدراته من الكتب المترجمة يهديها للأصدقاء وللمؤسسات الثقافية، ولم تنقطع صلته بالدوحة منذ أن غادرها في التسعينيات، فلديه معارف وأصدقاء من المثقفين تعرف إليهم خلال إقامته أكثر من 12 عاماً في الدوحة.  رأيته يحتفي بمقابلته الدكتور ماهر شفيق فريد في أحد مؤتمرات الترجمة ممازحاً له، فهما لم يلتقيا بسبب إقامة الدكتور ماهر شفيق فريد في لندن وتقابلوا أخيراً في الدوحة. توفي طلعت الشايب وهو في صالون أدبي يتحدث عن تجربته في الترجمة: أصابته أزمة قلبية نقل على إثرها للمستشفى، وهكذا مات على ما عاش يدندن حوله ويثري الثقافة العربية بترجماته.
ولد طلعت الشايب عام 1942 بقرية البتانون بمحافظة المنوفية، تفتحت عينه على مكتبة والده أحمد أفندي التي كانت تضم العديد من الكتب والمجلات الثقافية، درس والده في الأزهر ومدرسة المعلمين واشتغل بالتدريس في عشرينيات القرن الماضي، مما قرأه باكراً العقد الفريد وديوان المتنبي والإمتاع والمؤانسة ومروج الذهب، وكانت حوله المجلات الأدبية مثل المقتطف والهلال والكاتب المصري والرسالة، كانت أسماء مثل طه حسين والرافعي ومحمد حسين هيكل تتردد عليه كأنهم أقارب أو أصدقاء قدامى لوالده[1].
التحق بعد ذلك بكلية المعلمين بالقاهرة بقسم اللغة الإنجليزية عام 1958، وتعرف على أعمال مترجمة لأعلام مثل محمد مندور وحسن عثمان وإبراهيم زكى خورشيد ومحمد غنيمى هلال وعبد العزيز توفيق جاويد ومحمد بدران وسامى الدروبي، وكان من بين من أخذوا بيده إلى هذا المجال أساتذة مثل عبد الله عبد الحافظ ونظمي لوقا ومحمد علي العريان وسعد الجبلاوي.
تخرج من كلية المعلمين عام 1962، وعمل مدرساً للغة الإنجليزية بالمدارس الثانوية في الإسكندرية وشبين الكوم والقاهرة خمس سنوات، مارس خلالها العمل السياسي في إطار منظمة الشباب الاشتراكي آنذاك، وقرأ في هذه الفترة في السياسة والاقتصاد والإنسانيات، وكان الزخم الثقافي مازال مستمراً في مصر في الستينات. دخل الجيش في عام 1967 وفي نفس العام حدثت النكسة، ومع جهود إعادة بناء القوات المسلحة ورفع كفاءتها القتالية، تم استدعاء الملازم أول طلعت الشايب في مطلع 1969 إلى القاهرة من جبهة القنال ضمن مجموعة من ضباط الاحتياط والجنود من خريجي أقسام اللغات لدراسة اللغة الروسية دراسة مكثفة في كلية القادة والأركان، للتعامل مع الخبراء والمستشارين السوفيت الذين تدفقوا على مصر، هنا سوف تتيح له الظروف العمل في ترجمة الكتابات العسكرية والترجمة لكبار قادة الأركان مثل محمد عبد الغني الجمسي (وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة)، وكمال حسن علي (قائد القوات المدرعة في حرب أكتوبر وأصبح وزير دفاع بعد ذلك)، وغيرهم من كبار القادة، وترجم في هذه الفترة ثلاثة كتب عسكرية، وتعرف إلى أحد الجنرالات السوفيت الذي كان ينادية بالنقيب تلاتوف بدل طلعت، وعلى هامش النقاشات العسكرية جمعهم نقاشات عن الأدب الروسي من خلال نقاشات عن دستويفسكي وجوركي وتولستوي وشولوخوف، وأشعار بوشكين وباسترناك وأخماتوفا وغيرهم، والتي استفادها وتعرف عليها من ترجمات سامي الدروبي.
ترك القوات المسلحة عام 1974 ليعود للعمل المدني مدرساً للغة الإنجليزية في مصر، ثم في الكويت معاراً من وزارة التربية والتعليم، قبل أن يشد الرحال إلى الدوحة عام 1980. وبرغم أن عمله في الدوحة في مجال الإدارة (شركة قطر للبتروكيماويات)، إلا أنه اتصل بالوسط الثقافي وشارك في بعض البرامج الإذاعية، وشارك بدعوة من الناقد رجاء النقاش في الكتابة والترجمة في مجلة الدوحة التي كان يرأس تحريرها  النقاش آنذاك، ثم أشرف على باب ثقافي بعنوان "نافذة على الثقافة العالمية" خلفاً لمحرره الأستاذ محمد العزب موسى، وبعد توقف مجلة الدوحة عام 1986، شارك في مجلة أخبار الأسبوع، وفى مرحل مختلفة كانت جريدة الراية تنشر  عموداً أسبوعياً له بعنوان "كَتب يَكْتب"، وجريدة الشرق عمودا آخر بعنوان "بث مباشر"، وفي جريدة الوطن كان يكتب مقالاً أسبوعياً بعنوان "جسور ثقافية".
 أتاح له العمل في الدوحة السفر فى أحد الرحلات قام بزيارة الهند لأعمال خاصة بشركة قطر للبتروكيماويات وأجرى على هامش الزيارة حواراً طويلا مع  الصحفى الهندي الشهير "كارنجيا"، محاور نهرو وعبد الناصر، ونشر الحوار على صفحة كاملة بجريدة الراية بتاريخ (27 يناير 1985)، أتاحت له الأقامة والعمل في الخليج أن يشعر أن الخليج ليس نفطاً فحسب، بل بشر يصعنون الحياة على حد وصفه.
غادر الدوحة عام 1992، وانتقل إلى المرحلة الثالثة في تجربته كمترجم: من الترجمة العسكرية، إلى الترجمة الصحافية في الدوحة، ثم إلى مرحلة الكتابة والترجمة فى الصحافة المصرية في مجلات مثل الهلال وأدب ونقد و إبداع والثقافة الجديدة والشعر وأخبار الأدب والأهالى. كما تولى رئاسة تحرير سلسلة "آفاق الترجمة"، التي قدمت الكثير من العناوين المهمة المترجمة إلى العربية.
ككاتب ومترجم حر غير مرتبط بعمل حكومي، سيكون لدى مترجمنا الوقت الكافي للسفر والمشاركة في الملتقيات الثقافية، وزيارة معارض الكتب، وتحكيم بعض جوائز الترجمة، إلى جانب القراءة والكتابة وترجمة كتب كاملة، وفي عام 1995 ستصدر دار شرقيات بالقاهرة أول كتاب مترجم له وهو حدود حرية التعبير: تجربة كتاب الرواية في مصر في عهدي عبد الناصر والسادات، وهو دراسة للكاتبة السويدية مارينا ستاج، كما ستصدر له دار شرقيات كتاب المثقفون لـ"بول جونسون"، وهو الكتاب الذي يستعرض العديد من فضائح وتناقضات مشاهير المثقفين بداية من جان جاك روسو إلى نعوم تشومسكي، ثم ترجمة رواية فتاة عادية لـ"آرثر ميللر"، ورواية عاريا أمام الآلهة للكاتب الهندي لـ"شيف كومار" ورواية اتبعي قلبك للإيطالية "سوزانا تامارو" ورواية البطء لـ"ميلان كونديرا" والحمامة للألماني "پاتريك زوسكند". ثم يترجم مع الهيئة العامة لقصور الثقافة ترجمة رواية الملاك الصامت لـ"هينريش پول"، والرواية الإيطالية الحرير لـ"أليساندرو باريكو" التي ترجمها عام 1998 بعد صدور ترجمتها الإنجليزية في وقت قصير، تلك الرواية الصغيرة التي تقرأ في جلسة واحدة، قرأتها قديما ومازلت أتذكر فرحتي بها وحزني على أنها قصيرة، وفيها من الرقة وعذوبة السرد.
وترجم بعد ذلك كتاب مختارات من الخرافة الصينية بعنوان أنا القمر. وفى 1998 ستصدر دار سطور ترجمتة لكتاب "صمويل هنتنجتون" العمدة صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي، ويصدر كتاب مختارات من مكتوب لـ"پاولو كويلهو" وهوس العمق وقصص أخرى لـ"پاتريك زوسكند"، ومختارات من الشعر العالمى بعنوان أصوات الضمير، كما ينشر  المجلس الأعلى للثقافة ترجمة رواية الخوف من المرايا لـ"طارق علي"، وكتاب فكرة الاضمحلال فى التاريخ الغربي لـ"آرثر هيرمان"، وترجمة رواية بقايا اليوم لـ"كازو ايشيجورو" وهي الرواية التي حصلت على جائزة البوكر وتحولت إلى فيلم عام 1993 بطولة أنطوني هوبكنز وإيما تومسون.
 في الفترة ما بين 2003 و 2006 عمل الأستاذ طلعت مستشارا ومنسقا عاما للمشروع القومى للترجمة (المجلس الأعلى للثقافة)، مع مواصلة نشاطه فى الترجمة ليصدر له فى تلك الفترة ترجمة كتاب الحرب الباردة الثقافية: دور المخابرات المركزية الأمريكية فى الآداب والفنون لفرانسيس ستونر سوندرز، وترجمة كتاب "تيتز روكى" بعنوان في طفولتي: الطفولة في السيرة الذاتية العربية، ومحنة الكاتب الأفريقي للأمريكى "تشارلز لارسون"، والفنون والآداب تحت ضغط العولمة للهولندي "چووست سمايرز" أحد أبرز رموز الحركة العالمية لمناهضة العولمة، كما قام بتحرير موسوعة الأعمال الكاملة لرئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد، وترجمة ثلاثة كتب منها هي: الإسلام والأمة الإسلامية وخطة جديدة لآسيا والتحدى.
في 2007 أنشئ المركز القومى للترجمة، عمل به الأستاذ طلعت الشايب مساعداً لمديره ومشرفاً على المكتب الفني به حتى أبريل 2010، بعدها قدم استقالته للتفرغ للقراءة والكتابة والترجمة والمشاركة في المؤتمرات الثقافية وورش الترجمة، وفي الفترة من 2010 أصدر له المركز القومى للترجمة ترجمة لكتاب الاستشراق الأمريكي لـ "دوجلاس ليتل"، وهو عمل موسوعي يتناول دور الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ 1945، وترجمة كتاب نحو فهم للعولمة الثقافية لـ"پول هوپر"، وترجمة كتاب غياب السلام لـ"نيكولاس جويات"، كما قام بمراجعة عدد من الكتب، من بينها موسوعة كمبردچ للفكر السياسي في القرن العشرين، وجدل الإسلام والمعرفة في عالم متغير، وهو رسالة دكتوراه للباحثة منى أباظة، وقد انتهى في العامين الأخيرين من ترجمة ثلاثة كتب للمركز القومي للترجمة هي الأبيض المتوسط: بحر ليس كمثله بحر من تأليف چون نورويش، وأدب الحرب الباردة وهو مجموعة دراسات حررها "أندرو هاموند"، والعقيدة العسكرية من تحرير "بيرت تشاپمان"، ورواية كتاب صلاح الدين لـ"طارق على".
يشرح الأستاذ طلعت الشايب سر صنعته فبعد أن يفرغ من قراءة الكتاب ويعجب به، يحتشد بعد ذلك في تحضير ما يسميه (مكتبة المترجم)، وهي الكتب والدراسات حول الموضوع، لتعينه تلك الكتب على كتابة مقدمة الكتاب والهوامش، وهو ينقل النص باللغة العربية دون أن يدهس القارئ العربي بمصطلحات وكلمات غامضة، لا يستنكف مترجمنا من سؤال المتخصصين، فعندما ترجم كتاب الباحث الأمريكى "آرثر هيرمان": فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي، استعان بخبرة ومعرفة الدكتور عبد الغفار مكاوي – عليه رحمة الله – بالفلسفة الألمانية وكذلك باللغة الألمانية.
من المهم وجود تكوين ثقافي للمترجم يتيح له إتقان الترجمة، وفهم سياق الحديث ومعنى النص، والأستاذ طلعت يذكر في هذا الصدد قصتين عن الترجمة الشفوية لهما علاقة بمفهوم السياق: حينما ترجم لقاء بين رئيس هيئة العمليات آنذاك سعد الشاذلي وكبير مستشاري إدارة المدرعات الروسي، ففي حديث الچنرال الروسي وردت عبارة نقلها إلى الشاذلي على هذا النحو "...وكأنه يبيع الماء فى حارة السقايين". لم يقاطعه الشاذلي الترجمة ولم يقاطعه، ولكنه بعد انتهاء اللقاء سأله "... ايه يا حضرة الضابط؟ هما الروس عندهم حارة سقايين برضه؟" شرحت له أن الچنرال الروسي قال عبارة بالروسية ترجمتها الحرفية "لماذا تذهب إلى تولا ومعك ساموڤارك؟" (وهو وعاء معدني يستخدم لتحضير الشاي) وأوضح أن تولا مدينة مشهورة بصناعة الساموڤار، ولذا لا مبرر لأن يحمل المسافر إليها ساموڤارا معه، وأضاف له مستعرضا ثقافته ما يقوله الإنجليز "لماذا تحمل الفحم إلى نيوكاسل؟".
أما الموقف الثاني أثناء ترجمته لخطاب الرئيس السادات الشهير فى يوليو 1972، الذى أعلن فيه الاستغناء عن خدمات عدد من الخبراء والمستشارين السوڤيت فيما كان يسميه "وقفة موضوعية مع الصديق". فى محاولة لذكر السوڤيت ببعض الخير قال الرئيس السادات إن الاتحاد السوڤيتى قام بالواجب عندما توفي الرئيس عبد الناصر عندما أرسل وفدا رفيع المستوى للعزاء برئاسة "كوسيجين" الذى جاء "ومعاه الصينية". فترجم الأستاذ طلعت الشايب "ومعاه الصينية" بأنهم وقفوا معنا فى تلك الظروف الصعبة، ولكن الحيرة ظلت مرتسمة على وجوه المستمعين إلى الترجمة من الروس، وبخاصة بعض المترجمين الذين التقطت أسماعهم كلمة "الصينية"... ومما عقد الأمر أن العلاقات السوڤيتية الصينية كانت متوترة فى تلك الأيام! وبعد الاجتماع سأل المترجم الروسي ماذا كان يقصد الرئيس بالصينية، فذكر لهم عادات القرى المصرية في إرسال الصواني أو الطعام إلى أسرة المتوفي كنوع من المشاركة الوجدانية، وقد توقع المترجم الروسي قبلها أن الأستاذ طلعت يخفي عنهم شيئاً!
لا أعرف للأستاذ طلعت نصوصاً ذاتية أو أدبية خاصة به، وفي كثير من ترجماته لا يكتب مقدمات لها بنفسه، لذا فقد جعل قوله هي ترجمته، والترجمة جاءت من اختياره الذي ينم عن عقله وذوقه، وذوقه تولد من حرفة القراءة، فكل نصوصه اختارها بعد القراءة وبميل شخصي، فلقد كان يختار أن يترجم الكتاب بعد أن يقرأه ويجده يستحق أن يترجم إلى العربية عدا كتبه العسكرية وترجمته لكتاب صدام الحضارات لصموئيل هنتجنتون الذي ترجمه بطلب أحد الناشرين، خلاصة حياة طلعت الشايب هي الاجتهاد دون نخبوية المثقفين، وكذلك التمكن من اللغة العربية يقول العقاد: "ولا يخفى أن التمكن من اللغة عمل  لا يدل على شيء كما تدل عليه الترجمة، لأن المنشئ مطلق في تفكيره وتعبيره، أما المترجم فله قيود من كلام المنشئ الأصيل. ولولا قدرة عنده على التصرف بالمعاني والكلمات، لما استطاع التوفيق بين كلامه وفكر غيره في هذه القيود"، والدرس الآخر مساعدة الآخرين  من المترجمين الشباب أن ينضموا للحلقة ولتجربة الترجمة، فلقد ساعد المترجمين الشباب بود وبفرح وبشعور بمسؤولية المعلم الذي يأخذ بيد التلاميذ، رحمه الله.


[1] توثيق التواريخ والأحداث من ورقة بحثية للأستاذ طلعت الشايب، تم نشرها في أعمال مؤتمر الترجمة وإشكالات المثاقفة (1).

الأحد، 26 مارس 2017

عرض لكتاب: (نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟)

عنوان الكتاب: نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟
تأليف: مايكل روس
ترجمة: محمد هيثم نشواتي
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية
سنة النشر: 2014
سعر الكتاب: 12 دولار
عدد الصفحات: 432 صفحة
“أتمنى لو أنكم عثرتم على مياه”,
الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا عند إخباره بأن اتحاد الشركات الأميركية اكتشف النفط في بلاده.
قضية الكتاب تركز حول أثر اكتشاف الموارد الطبيعية الثمينة، ومن أهمها النفط، على كثير من البلدان النامية، وما قد يكون لهذه الاكتشافات من عواقب غريبة ومؤذية على الصعيد السياسي.
هذا الكتاب يوضح أصول هذا الابتلاء وطبيعته، والسبل الممكنة لعلاجه.
المفارقة في ثروة الأمم
يرى المؤلف أنه منذ عام 1980، أضحت بلدان العالم النامي أكثر ثراء وأكثر ديمقراطية وأكثر سلاماً، لكن ذلك لا ينطبق إلا على البلدان التي لا نفط لديها. أما دول النفط فأصبحت في الواقع أسوأ حالاً مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود خلت. مثال ذلك تراجع دخل الفرد في فنزويلا والغابون والعراق، مع معاناة كثير منها من حروب أهلية مثل الجزائر وأنغولا وكولومبيا ونيجيريا والسودان والعراق. لعنة المعادن، وبالأخص النفط، زادت من احتمالات خضوع تلك البلاد إلى الاستبداد ومعاناة الحروب الأهلية، فهي مجتمعات أكثر تكتماً وسرية وأكثر تقلباً من الناحية المادية، وأقل عدالة في الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء.
لم تعان كل الدول التي لديها نفط من هذه الظواهر، فبلدان مثل النرويج وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تملك دخولاً مرتفعة ومؤسسات ديمقراطية راسخة، وتستخرج الكثير من النفط ولا تعاني إلا القليل من التأثيرات السلبية، فالمشكلة تكمن في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. إذن المفارقة تكمن في كون البلدان ذات الاحتياجات الأكثر إلحاحاً هي ذاتها الأقل احتمالاً في الاستفادة من هبتها الجيولوجية.
يجادل المؤلف في الفكرة القائلة إن سبب هذه المشاكل لا يعود إلى التدخلات الأجنبية في البلدان المنتجة للنفط، ويعطي مثالاً بأن الولايات المتحدة كان احتمال غزوها بلاداً لا نفط فيها قائماً على قدم المساواة مع بلاد ينتج فيها النفطـ. وكذلك يضعف من الحجة القائلة بدور شركات النفط الكبرى في البلدان المنتجة للنفط، بل يبين كيف فاقم تأميم الشركات المشكلات بدلاً من حلها. ويضع مايكل روس تفسيراً للعلاقة بين المواطنين والحكومة في الدول المنتجة للنفط، بأنه عندما تُمول الحكومات عبر فرضها ضرائب تصبح أكثر تقيداً من قبل مواطنيها؛ لكن عندما تُمول من عائدات النفط، تصبح أقل عرضة للضغوطات العامة.
في الفصل الثاني حديث عن السمات الاقتصادية لصناعة النفط وتحولها إلى ملكية الحكومات لاحتياطيات النفط والغاز، بسبب طبيعة صناعة النفط التي تحتاج إلى أموال ضخمة يتعين دفعها للاستثمار على التنقيب، والأرباح الضخمة التي يمكن أن يجود بها النفط، والتأثير الضار الذي يمكن أن يلحقه استخراج النفط بأنواع أخرى من التجارة والأعمال. في الستينيات والسبعينيات زادت هذه الخصائص عن طريق ضعف قوة الشركات العالمية، والاتجاه إلى التأميم وظهور منظمة الأوبك، وزيادة قبضة الدول المصدرة للنفط على مصادر النفط، لذلك زادت نقمة الموارد في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين دون غيرها.
ويبين الفصل الثالث كيف أعان حجم عائدات النفط ومصادرها وسريتها الحكومات على الاحتفاظ بالسلطة، وكيف فشلت عائدات النفط في إحداث ضغوط تدفع باتجاه الديمقراطية، مع ملاحظة مفارقة حرص الحكومات غير الديمقراطية على إبقاء أسعار الوقود المحلية منخفضة. تآكلت الديمقراطية واستخدمت الأموال في اللعبة السياسية في بلاد تنتج النفط مثل أذربيجان ونيجيريا وإيران وفنزويلا. في هذا الفصل حديث عن تجربة روسيا بعد الاتحاد السوفيتي، وكيف أطالت عائدات النفط أمد الحكم في الاتحاد السوفيتي عبر زيادة الإنتاج، ويوضح الكاتب أنه بمجرد عودة صناعة النفط الروسية، استعادت عافيتها في عام 2000، وبدأت الديمقراطية في التدهور. وتجربة بوتين مع الشركات الخاصة وإعادة الكثير من العائدات النفطية لخزانة الدولة جعل بوتين يحظى بشعبية، مع فرض قيود على حرية الصحافة.
في الفصل الرابع شرح لكيفية تخفيض الثروة النفطية من الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء. ولتوضيح ذلك يجري مقارنة بين ثلاثة بلدان متشابهة في أمور كثيرة (الجزائر والمغرب وتونس)، واحدة منها فقط (الجزائر) تنتج النفط، وكيف أبطأ النفط عجلة التقدم الاقتصادية والاجتماعية للنساء في الجزائر.
في الفصل الخامس حديث عن زيادة احتمالية الحروب الأهلية في الدول المنتجة للنفط مثل أنغولا وكولومبيا والسودان؛ بسبب رغبة الأقليات المحرومة من حقوقها في مزيد من العائدات النفطية. وفي هذا الفصل حديث عن كولومبيا والكونغو وغينيا الاستوائية، وسرقة النفط في نيجيريا وإندونيسيا (استقلال إقليم آتشية) وجنوب السودان، مؤيداً بإحصائيات تربط بين النفط والصراعات العنيفة.
ينتقل الكاتب في الفصل السادس من الكتاب إلى العناية بالتأثيرات الاقتصادية لعائدات النفط وطريقة إدارة الحكومات لها، مثل الإضرار بالفاعلية الإدارية، وزيادة الفساد، وتقويض سيادة القانون. أما في الفصل السابع والأخير فيعيد المؤلف طرح الرؤية الخاصة بعلاقة الاقتصاد السياسي للأمم مع بيئاتها الطبيعية.
على مدى قرون، أشار فلاسفة غربيون- منهم نيكولو مكيافيللي، والبارون مونتسكيو، وآدم سميث، وجون ستيوارت ميل- إلى أن الأمم تُشكّل بقوة وفق جغرافيتها. وكثيراً ما حاججوا في أن الظروف الجغرافية المؤاتية لها عواقب غير مرغوب فيها. وهذا الكتاب يبين كيف يمكن لسمة جغرافية أخرى- نعمة النفط- أن تؤطر بقوة تقدمه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
يحاجج علماء الاجتماع في أن البلدان تتأثر بشدة بمواقعها في القارات، وبالأمراض البيئية، وبإمكانية الوصول إلى البحر، ويبين الكتاب كيف يمكن أن يتشكل مسار التنمية ضمن ظروف محددة بالثروات الجيولوجية التي تتمتع بها دولة من الدول. ويضم هذا الفصل اقتراحات لكيف يمكن أن تخفف الدول من حدة لعنة النفط عبر تغيير الخصائص المزعجة لعائداتها النفطية.
يمكن ملاحظة أنه أثناء حدوث الطفرات النفطية، يميل قطاع الخدمات في بلد بعينه إلى الازدهار، ويتحول معظم القطاع الخاص إلى قطاع الخدمات، ويمد الاقتصاد بأشياء لا يمكن استيرادها بسهولة مثل خدمات البناء والتشييد، والرعاية الصحية، ومحلات بيع التجزئة، مع الاعتماد على عقود مع الحكومة لبناء مشاريع تُموّلها الدولة، مثل الطرق والجسور والمشافي، وتوفير الخدمات لصناعة النفط، وهكذا تتحول بعض الصناعات (الزراعة والتصنيع) إلى أن تكون أصغر حجماً وأكثر اعتماداً على مساعدات الحكومة
الكتاب مليء بالبيانات والإحصاءات والتحليلات التي تعتمد على الأرقام. هناك محاولة في كل فصل لاعتماد مؤشرات تجمع الكثير من النماذج بناء على مخططات رياضية وجداول.
هكذا يبين مايكل روس في الكتاب كيف يؤثر النفط على الحياة السياسية والاجتماعية، ابتداء من مواطنين يريدون مزيداً من الدخل، وحاكم يريد أن يبقى في السلطة، عبر الطرق التي تؤثر من خلالها إيرادات النفط في الحكومات، ويجعلها أكبر حجماً، وأقل عرضة للمساءلة، ويغلب على المجتمع سيطرة الرجال، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الحرب الأهلية عبر تأثير النفط في المواطنين لا في الدولة.
ثمة علاج واحد يقترحه الكاتب قد ينفع في كل مكان: مزيد من الشفافية في أسلوب جمع العائدات النفطية وإدارتها وإنفاقها.

المشهد التاريخي: كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟

عنوان الكتاب: المشهد التاريخي: كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟
تأليف: جون لويس غاديس.
ترجمة: شكري مجاهد.
سنة النشر: 2016.
عدد الصفحات: 200 صفحة.
سعر الكتاب: 5.5 دولار.
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية.

“بما أن جل الناس يمشون في دروب طرقها غيرهم… فعلى العاقل دائمًا أن يحاكي أكثرهم تفوقًا، فإن لم تمكنه قدراته من بلوغ ما بلغوه، فإنه على الأقل قد اقتفى أثرهم”.
مكيافيللي، الأمير

يقدم جون لويس غاديس رحلة حول عمل المؤرخ، والمنظور التاريخي وكيف يكون مفيدًا. يتحدث عن المشاكل التي قد يعانيها المؤرخ لكي يصل إلى الحقيقة التاريخية، محاولاً تقريب الإجابة على سؤال كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي؟ وكذلك الجدل القديم حول ما إذا كان التاريخ علمًا، وما أوجه الشبه بين التاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى والعلوم الطبيعية؟
ينقسم الكتاب إلى تصدير وثمانية فصول، والمميز في الكتاب هو طرحه الجذاب وجمعه بين أمثلة مختلفة متنوعة تاريخيًّا. يختار المؤلف لوحة كاسبر ديفيد فريدريش “طواف فوق بحر من الضباب” لكي يعبر بها عن جوهر فهمه للوعي التاريخي، فاللوحة في رأي غاديس استعارة لوقفة المؤرخين، مولين شطر قبلتهم للماضي لا المستقبل، كما يفعل علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة، لكن اللوحة تحدث انطباعات متناقضة، إذ توحي بسيادة الفرد على المشهد في قمة الحافة الصخرية العالية، لكنها توحي أيضًا بضآلة الفرد في آن واحد.
أضف إلى ذلك محاولة الرجل في اللوحة تبين أحداث التاريخ بين الضباب والسديم، لكن دارس الحاضر لا يملك ادعاء امتلاكه فهم الأحداث الجارية مقارنة بالمؤرخ الذي يدرس الماضي، وهذا عائد إلى أن مجال الرؤية اليومية لن يتجاوز نطاق حواسك، أما مؤرخ الماضي فيملك مساحة من الأفق الأوسع، هذا المنظور الأوسع الذي يقدمه التاريخ  يزيد من إدراك الهوية للمؤرخ وللقارئ العادي.
 غاديس يريد أن يجعل المؤرخ في صراع بين صورتين: الشعور بالضآلة، والشعور بالسيادة، فسواء كنت من حاشية أمير  تدرك تفاهة قدرتك على إحداث أثر حاسم في مسار التاريخ، وكذلك لو كنت مؤرخًا قد يصعب عليك الإمساك بكل ما حدث في الماضي. الحل هنا هو تمثل الواقع، أن تتجاوز التفاصيل وتبحث عن الأنساق الكبرى، هذا التمثيل هو الذي يعيد للمؤرخ ثقته أمام الأحداث التاريخية، هذا ما فعله مكيافيللي في كتابه الأمير، تجرأ رجل من الحاشية أن يضع قواعد يحكم بها الأمراء.
كتب مكيافيللي الأمير وقال بلا تواضع مخاطبًا لورينزو دي ميديتشي: “تذكر أنه ليس هناك من هبة أقدمها لك أعظم من أن أمنحك القدرة على أن تفهم، في مدة فترة قصيرة جدًا، كل ما تعلمته وفهمته في سنوات طويلة بعد مشاق كثيرة خضتها ومخاطر”. هذا التكثيف الذي عبر عنه صاحب الأمير هو أحد هدايا الوعي التاريخي.
وبرغم أثر الرؤى ما بعد الحداثية في مجال التاريخ، والتي أسهمت في زيادة الشعور بنسبية كل الأحكام التاريخية، وأشعرت المؤرخ أن الأرض التي يقف عليها لينة القوام، وهو يشرح هذا المعنى بطريقة مميزة فيقول: لن يفيد أميرًا أن نقول له إن الماضي يقدم دروسًا أو إنه في بعض الأحيان لا يقدم دروسًا على الإطلاق، عبر عنها مكيافيللي بقوله: “يستطيع الأمير أن يكسب الناس بطرق عدة، لا يمكن أن نرسي لها قواعد لأن الطرق تختلف باختلاف الظروف”. لكن الطرح العام مازال صالحًا، وهو أن الأمير يجب أن يحرص على ود الناس لأنه لا خير في عداوتهم. هنا لا يعيد التاريخ نفسه، ولا يصبح التاريخ دليلاً إرشاديًّا للمستقبل، بل يكون مجالاً لتكثيف الخبرة بالحاضر، وهذه المعالجة تعيد الثقة لعمل المؤرخ من حالة التفكيك أو التقويض في ما بعد الحداثة.
يستعير أيضًا تشبيه التاريخ بخريطة، ويرد على فكرة ما بعد الحداثة بقوله ليس من الحكمة أن ينكر البحارة وجود الخط الساحلي البريطاني لكوننا لا نستطيع أن نحدد طوله بدقة، ولا من الحكمة أن يقرر المؤرخون أنهم لا يستطيعون أن يعرفوا أي شيء عما حدث في الزمان والمكان؛ لأننا لا نملك أسسًا مطلقة لقياسهما.
هناك الصراع الذي ينشأ لدى المؤرخ في تصوير الأحداث بدقة صارمة وبكتابة تشبه السيناريو والتي تظهر فيها انفعالات الأفراد وأصوات الجنود مع الرغبة في التجريد لاستخلاص ما يمكن أن يكون منطقًا للحدث التاريخي، الأول يشبه الاقتراب بالكاميرا من بطل في فيلم تاريخي، والتجريد يشبه صوت المعلق في نهاية الفيلم مستخلصًا خلاصة القرن.
لذلك يستخدم غاديس بعض الاستعارات الأدبية الجميلة في تشبيه عمل المؤرخ، ففي مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير تسبح فيولا بعد تحطم سفينتها إلى الشاطئ. تحاول أن تصل إلى جزيرة مجهولة تملؤها المخاطر، لكن شكسبير يضع على لسانها عبارة يعتبرها الكاتب صالحة لأن تكون منطلق أي مؤرخ يتأمل المشهد التاريخي، تقول: “أي البلد هذه، يا أصحاب؟”.
في الكتاب تأكيد على الروايات التاريخية التي تكون في الهامش وتساعد على فهم الحدث التاريخي، مثل النصوص التي لم تكتب للتأريخ لحقبة بعينها ثم كانت وثيقة على العصر، وكذلك توضيح لأدوات جديدة لقراءة الحدث التاريخي مثل تاريخ الأمراض، وكيف يمكن التركيز على حدث صغير لفهم الانتقال الكبير الذي حدث في تاريخ بعض الفترات، وكذلك إشارة لمدرسة الحوليات الفرنسية لفرناند برودل، وكيف اهتم في كتابه البحر المتوسط وعالم البحر المتوسط في عصر فيليب الثاني بأن لا يظهر  الملك على مسرح الأحداث قبل تسع مئة صفحة خصصها لمناقشة الجغرافيا والطقس والمحاصيل والحيوانات والاقتصاد والمؤسسات -أي كل شيء عدا الرجل العظيم نفسه-، الذي كان في زمنه مركز الأشياء، لكنه بالتأكيد ليس كذلك في العرض التاريخي.
طريقة العرض لافتة وجذابة، فالمؤلف استعان بالعديد من النصوص خارج مجال التاريخ، سواء من الأدب أو من علوم أخرى كالرياضة والفيزياء، ليقرب بعض المفاهيم في حقل الدراسات التاريخية. كذلك جعل من الكتاب رحلة مشوقة بطرحه أسئلة من قبيل الفرق بين امتلاك آلات الزمن وزيارة الماضي وبين دراسة المؤرخ لحدث ما بأدوات الكتابة التاريخية.
هناك نقاش حول المؤرخ والأحكام الأخلاقية على عصر بعينه أو شخصية تاريخية، ومناقشة لطريقة كتابة السير التاريخية ودعوة المؤلف إلى ما يسميه التقمص، لكنه يعالج قضية تكاد تكون كابوسًا لدى المؤرخين، وهي إدلاء المعاصرين برأيهم ومشاركتهم في الحدث التاريخي، فهم يشعرون بأنهم على علم ببواطن الأمور والأحداث، وكيف لمؤرخ كان طفلاً أثناء تلك الأحداث أن يكتب عنها؟
ركزت فصول الكتاب على كيفية بلوغ المؤرخ حالة الوعي التاريخي، وذلك عن طريق التحكم في الزمان والمكان وأدوات القياس، واستنباط العمليات الماضية من الآثار الباقية أو الرواسب التاريخية، وكذلك ضرورة دخول المؤرخ عقل الشخص الآخر، وعلاقة التاريخ بالعلوم الصلبة.
المؤرخون يتصورون حياة المجتمعات من بقايا العظام، ويحاولون أن يكسوا تلك الأحداث لحمًا لتقرب لنا حياة من سبق، في تأريخهم يحاولون أن يحرروا المجتمعات التي تدعي العظمة، وأن يظهروا صورتهم الفعلية على حقيقتها، مع القيام بواجب كتابة تاريخ المنسيين، من لم يخلفوا كثيرًا من الآثار، ففي الحالتين بث للحياة في جسد الماضي، هذا يتطلب من المؤرخ والقارئ تحررًا من طاغوت الأحكام الواردة من أزمان ماضية، فلا نستطيع أن نعظ من موقعنا الحالي من مضوا. كتب كولينغوود ذات مرة: “إذا شُق على إنسان عبور جبل لأنه يخشى وجود شياطين متخفية، فمن الحماقة أن يحاول المؤرخ وعظه من وراء حاجز من قرون يفصلهما فيقول له: هذا محض خرافة، لا يوجد شياطين على الإطلاق، واجه الحقائق”. ينبغي أن يحذَر المؤرخون الخلط بين مرور الزمن وتراكم المعرفة بأن يفترضوا أننا الآن أذكى عقلًا مما كانوا عليه. ربما نملك معلومات أكثر أو تكنولوجيا أرقى أو وسائل اتصال أسهل. لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا أمهر منهم في استخدام أوراق اللعب التي وقعت في أيدينا. فالمؤرخون الحاذقون يتعاملون مع الماضي بمنطق الماضي، بعدها يفرضون منطقهم. وهم يحذرون ما سماه ستيفن جاي غولد بأفدح الأخطاء التاريخية. وهو “الغطرسة بإصدار أحكام على أسلافنا على ضوء معرفة حديثة لم تكن قطعًا متوفرة لديهم”.
الكتاب في جوهره تقديم عرفان لمن رحل من الباحثين والمؤرخين مثل مارك بلوخ وإ.ه كار، مع محاولة إجراء بعض التحديث حول منهجية المؤرخ مع محاولته تشجيع المؤرخين على جعل مناهجهم أكثر وضوحًا للناس، ورحلة حول عمل المؤرخ من مؤرخ له كتابات حول الحرب الباردة، مثل السلام الطويل وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.