الأحد، 12 يوليو 2015

اقتباسات كتبي (1)



وليم شكسبير في قصة الحضارة:
توافة شكسبير
"وإن عدة من رواياته الأولى لوليم شكسبير لهي توافه هزلية مليئة بالمزاح المرهق لنا الآن. وإنه لمن الدروس المفيدة أن نعلم أن شكسبير صعد سلم المجد بالعمل الشاق والجهد المضني."
هل كتب شكسبير بعض الهراء؟
"وجهد النقاد الذين يجلون شكسبير ليحملوا المشتركين في التأليف جزءاً من مسئولية هذه المذبحة، طبقاً للنظرية الخاطئة القاتلة بأن شكسبير لا يكتب هراء، ولكنه كتب بالفعل قدراً كبيراً منه.".
جزالة شكسبير
"فمن غير شكسبير (وبترارك) كان يمكنه أن يجعل روميو، وقد نفي من فيرونا، يتميز غيظاً وحقداً، لأن قططها وكلابها قد تحدق النظر إلى جولييت، على حين لا يباح له هذا؟ ومن غير شكسبير (اللهم ألا بليك) كان يستطيع أن يجعل الدوق المطرود في رواية "على هواك"، يأسف لأنه لا بد أن يعيش على صيد حيوانات هي في الغالب أجمل من الإنسان؟ لا عجب أن روحاً قوية بكل معاني الكلمة، لا بد أن تكون قد انفعلت انفعالاً شديداً بالقبح والكآبة والجشع والقسوة والشهوة والألم والحزن، مما بدا في بعض الأحيان أنه يشيع في النظرة الشاملة إلى العالم."
الملهاة
"وانصرف شكسبير طيلة أعوام خمسة إلى الملهاة بصفة أساسية. وربما أدرك أن الجنس البشري المنهوك يختص بأسخى جوائزه أولئك الذين يستطيعون إلهاءه بالضحك والخيال. إن رواية "حلم منتصف ليلة صيف" هراء قوي عوض عنه مندلسون. ولم نقذ هيلينا رواية "Allls Well That Ends Well". أما رواية "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً" فهي تتفق مع اسمها. ورواية "الليلة الثانية عشرة" محتملة فقط لأن فيولا تمثل فتى وسيم جداً. ورواية "ترويض النمرة" زاخرة بمرح صاخب بشكل لا يصدق، ومن المستحيل ترويض النساء ذوات الألسنة السليطة، هذه الروايات كلها كانت إنتاجاً لمجرد كسب المال، وإرضاء جمهور الدرجة الثالثة، ووسائل لإبقاء القطيع داخل الحظيرة، وإبقاء الذئب بعيداً عن الباب.."

قيمة روميو وجولييت؟
"أخرج شكسبير للمسرح روايته "روميو وجوليت" حوالي 1595. وأسلوبها محشو بأخيلة وأوهام ربما علقت بقلمه من نظم قصائد السونيت، فجاءت المجازات جافة شاذة، ورسمت شخصية روميو بشكل ضعيف إلى جانب مركوشيو المنفعل المهتاج. العقدة عبارة عن سلسلة متصلة من السخافات. ولكن من ذا الذي يذكر الشباب، أو يرسب في أعماقه حلم، يستطيع أن يستمع إلى هذه الموسيقى العاطفية الرومانسية الحلوة، دون أن ينبذ كل معايير الثقة والتصديق، وينهض لاهثاً أو حابساً أنفاسه نحو الشاعر وهو يشق طريقه إلى هذا العالم بما فيه من غيرة جامحة وقلق مرتجف، وفناء حزين؟"
تنوع أدب شكسبير
"وأنه لشيء مروع أن نجد كاتباً مسرحياً ينتج في موسم واحد (1599-1600) مثل هذا الهراء التافه، ثم ينتج بعده هذه المقطوعة القصصية الرومانتيكية البالغة الرقة "على هواك"، وموسيقى الرواية صافية نقية-لا تزال معوقة بالمزاح والهزل الجاف غير الممتع، ولكنها ناعمة رقيقة من حيث الإحساس، مرحة رشيقة من حيث الكلام."
البدايات والنهايات أو وزير الداخلية في المعتقل
يحكي صلاح عيسى في كتابه "شخصيات لها العجب" قصة فؤاد سراج الدين، فعندما كان صلاح تلميذاً بالمدرسة الخديوية الثانوية، وكان الزمن خريف عام 1950، وجرت مظاهرات تهتف بسقوط "فؤاد سراج الدين" وزير الداخلية ولم تتوقف هذه المظاهرات عام 1950 و1951، إذ كان ذلك من تقاليد مظاهرات طلاب المدارس في عامي 1950 و1951، فقد كان سكرتيراً للحزب الحاكم، والرجل الثاني فيه، وصاحب المكانة الأولى لدى زعيم الوفد ورئيس الوزارء "مصطفى النحاس"، كانت صفحات الكاريكاتير تتندر على فؤاد سراج الدين، بسمنته المفرطة، وسيجاره الضخمه، وسياحته السنوية إلى "أكس ليبان" لكي يستشفى بالمياه المعدنية، ولم تكن الشرطة تتصدى للمظاهرات أو تصادر الصحف، قامت حركة يوليو 1952، فأرتفعت بحار الزمن ليعتليها قوم وزمان وتطوي في باطنها أقواماً وأزمنة كما يصف صلاح عيسى هذا التحول، أحالت حركة يوليو فؤاد سراج الدين وزمانه إلى المعاش، وأصبح الرجل باشا سابقاً، وسكرتيراً عاماً سابقاً لحزب الوفد، اما وظيفته الحالية فهو خبير مثمن للتحف ومقاول ديكور، ومعتقل سياسي يتكرر اعتقاله بمناسبة وبدون مناسبة باعتباره من أعداء الشعب، وهو متهم أمام محكمة الثورة والتي حكمت عليه بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً، أمضى منها ثلاثة، ومواطن محروم من حقوقه السياسية، وصدرت الأوامر بشطب اسمه من الأخبار والمقالات، وحتى من صفحة الوفيات عند نشر نعي أحد أفراد أسرته.
قابل صلاح عيسى فؤاد سراج الدين عام 1972 اثناء كتابته كتاب عن مصطفى النحاس، ولم تتح له الظروف أن يلتقى به إلا بعد حوالي عشر سنوات من لقائه الأول، حدث ذلك في آخر مكان كان يمكن أن يتوقعه أي منهم، في سبتمبر 1981 اثناء حملة اعتقالات سبتمبر الشهيرة التى قام بها السادات، وجد صلاح عيسى نفسه في زنزانة واحدة  في سجن ملحق مزرعة طرة، وكان ثالثهم في الزنزانة محمد عبد السلام الزيات، الذي كان نائباً لرئيس الوزراء، وأحد أركان حكم السادات في بديته.
وزير داخلية أصدر أول قانون للشرطة، تحقق لأفرادها نتيجة لهذا القانون مكاسب لا يزالون يتمتعون بها يجلس في السجن، بعد أن عاش حياته السياسية وزيراً.

عارف حجاوي وكتاب الأغاني
"الآن أكتب لك كلماتي هذه، صفحتين وثلاث صفحات، ثم أخلد إلى الجزء الثامن من كتاب الأغاني، وهذه ثالثة مرة أقرأ فيها هذا الكتاب الضخم الذي يقع في أربعة وعشرين جزءاً. فهل تراني سأنفق جهداً كبيراً كي أكتب حلقة إذاعية عن جرير أو الفرزدق؟ وقل الشيء نفسه عن بيتهوفن وموتسارت."


امنح التقدير المخلص
"ومن الأساطير التى تجري مجرى الأمثال، أن امرأة قروية أتت يوماً بكومة من علف الماشية، ووضعتها أمام رجال العشيرة بدلاً من الطعام، فصرخ الرجال في وجهها وقد حسبوا أن مساً من الجنون أصابها، فما كان منها إلا أن قالت لهم "وما أدراني أنك ستلاحظون الفرق، لقد ظللت أطهو لكم طعامكم عشرين سنة، فلم أسمع منكم، طوال هذه المدة، ما يطمئنني إلى أنكم تفرقون بين الطعام الجيد وعلف الماشية"
ديل كارنيجي، كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس؟

فن القراءة على الآخرين
يحكي آلبرتو مانغويل في كتابه الجميل "تاريخ القراءة" عن فن القراءة على الآخرين ويحكي عن تجربته وهو طفل صغير فيقول
"كنت أستلقي على الوسائد المتراكمة على الأغلب في المساء، لأن الربو كان يلزمني الفراش، وأستمع إلى ممرضتي تتلو علي الحكايات الخرافية المرعبة للأخوين غريم. كان صوتها يخدرني أحياناً ويجعلني أحياناً أخرى شديد الانفعال. كنت أحثها على الاستعجال في القراءة، على عكس ما كان المؤلف ينويه، من أجل الاطلاع على نهاية القصة. لكن على الأغلب كنت أتلذذ بسحر الكلمات التي كانت تأخذني إلى عالم بعيد، روحاً وجسداً تقريباً، إلى درجة أنني كنت أشعر فعلاً وكأنني أحلق باتجاه ذلك المكان القصي الذي كان ينتظرني في نهاية الحكاية. بعد ذلك بفترة طويلة جداً قررت مع صديقة لي أن نقرأ خلال فترة العطلة الصيفية الواحد على الآخر كتاب أسطورة الذهب مما أعاد إلى قلبي من جديد سرور الاستماع، لم أكن أعرف أن فن تلاوة النصوص يعود إلى تاريخ مليء بالتقلبات مثل تاريخ القراءة على الآخرين في المستعمرات الأسبانية في كوبا"
ثم يحكي مانغويل أحد مظاهر فن القراءة على الآخرين في مصانع السيجار في المستعمرات الأسبانية في كوبا، وكيف منعت أسبانيا بالقوة هذا الأمر، في أحد الشهادات يجلس شخص ليقرأ على العمال الأخبار التي كانت تصل يومياً بالقوارب من هافانا، ومن الظهيرة حتى الثالثة بعد الظهر كان يقرأ في أحد الروايات. علماً بأن المستمعين كانوا ينتظرون منه تقليد أصوات أبطال الرواية كما يفعل الممثلون، كان بعض العمال الذين أمضوا سنوات عديدة في العمل يحفظون عن ظهر قلب مقاطع طويلة من الشعر والنثر. وكان أحد العمال يستطيع تلاوة تأملات ماركوس أوريليوس كاملة عن ظهر قلب.
اكتشف العمال أن الاستماع إلى القراءة كان يعينهم على تحمل العمل الروتيني البغيض البليد المتمثل في لف أوراق التبغ الداكنة اللون الطيبة الرائحة، متيحاً لهم المجال للاشتراك في مغامرات أبطال الروايات ويمنحهم أفكاراً يتداولونها في رؤوسهم ويحولونها إلى أفكار خاصة بهم، كان العمال يفضلون بعض الكتب على غيرها، مثل كتاب الدوق مونت كريستو لألكسندر دوما، حصل الكتاب على شعبية كبيرة لدرجة أن مجموعة من العمال بعثت برسالة إلى المؤلف قبل وفاته بفترة قصيرة عام 1870 يرجونه السماح لهم بإطلاق اسم بطل الرواية على أحد أصناف السجائر، ووافق دوما على الطلب"
آلبرتو مانغويل، تاريخ القراءة ص 131

ساعة صفاء عبد الوهاب المسيري
يقول المسيري: "ومن أهم الطقوس في حياتي طقس "ساعة الصفاء" (الذي طورته مع صديقي الفنان رحمي)، وهو المقدرة على الانسحاب من الزمان، بحيث يعيش الإنسان "لحظات ليست كاللحظات" خارج الزمان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد تكامله وإنسانيته (بعد أن يكون قد فقد بعضا منهما في معترك الحياة وتفاصيلها التي لا تنتهي)، على أن يظل الإنسان واعيا تماما بأن هذه لحظات مؤقتة وحسب، وأنها لابد أن تنتهي، ومن ثم فهي ليست نهاية التاريخ والتدافع والأحزان والأفراح (أو كما أقول في إحدى القصص التي كتبتها للأطفال: "كل الأشياء الجميلة تنتهي! كل الأشياء الحزينة تنتهي").
وقد حاولت تطبيق هذا المفهوم في حياتي حتى لا يتحول الاستمرار إلى تكرار وروتين، فلحظة الصفاء تجلب عنصرا من الإبداع إلى الحياة الاجتماعية اليومية، وقد تعلمت أنا وزوجتي أن نمارس لحظات الصفاء هذه، مهما كانت الحياة قاسية علينا، ساعتها نطلب من أولادنا أن يبتعدوا عنا بعض الوقت، ونجلس وحدنا نحتسي القهوة وأدخن سيجارا، فتتجدد العلاقة المباشرة بيننا ولا تضيع منا في الزحام والتفاصيل، كما تعلم كثير من أصدقائي طقس لحظة الصفاء، لكنني كنت أمارسها أيضا مع بعض الأصدقاء ممن لا يعرفونها، فنعيش معا "ساعة صفاء" دون إدراك من جانبهم."
عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية
روسو وتعلم القراءة
"لست أدري كيف تعلمت القراءة؛ كانت أمي قد خلفت بعض الروايات فأخذنا أنا وأبي، نقرأها بعد العشاء، ولم يكن القصد في أول الأمر، إلا التوسل بكتب مشوقة لأجل تدريبي علی القراءة، لكن اهتمامنا لم يلبث أن ازداد حتی تعودنا أن نتناوب القراءة بلا انقطاع، فسلخنا ليالينا علی هذا الشاغل، ولم يكن في وسعنا أن نضع الكتاب إلا قد وصلنا إلی نهايته. وكان أبي إذا سمع السنونو وقد طلع الصبح، ربما قال لي في خجل: "ألا تعال فننام؛ أنا صبي أكثر منك أنت."
الاعترافات، جان جاك روسو، ص37.

السبت، 11 يوليو 2015

عارف حجاوي وحياته في الإعلام

ولا أقول: إنني ضيعت عمري في حب اللغة العربية ومحاولة خدمتها؛ فأنا متيقن من أنها أداتنا الوحيدة للنهوض المعرفي، والعلمي خاصة. ولو قيض لي أن أعود شابًّا في العشرين لاستفرغت جهدي كله في خدمة اللغة العربية“.
عارف أحمد حجاوي
عارف حجاوي إعلامي مميز بصوته الشجي ذي التلوين الصوتي والأثر الدرامي والذي تعودنا عليه في خلفية الأفلام الوثائقية وفي برامج قناة الجزيرة، فمن هو هذا الشخص الذي يحكي كل هذه القصص وما هي قصة حياته؟
كتب عارف نصوص نحو 300 برنامج قصير، وراجع نصوص المئات من الوثائقيات، وبلسان هذه الخبرة المحصورة في هذا المجال يتكلم، صدرت هذه السيرة عن مركز الجزيرة للدراسات، واهتبلتها -أي: اغتنمتها- بلغتها الجميلة شديدة العذوبة وأسلوبها الطلي الشائق، فهو يجلس ليكتب سيرته بلا فيس بوك ولا تويتر ولا واتس آب، يقرع باب الستين وهو يلتفت وراءه فيرى ريحًا عاتية تسرع نحوه، يحمل معه ريح التغيير والتي تفرض على المرء اكتساب مهارات جديدة، يحكي عارف قصة أيامه بأسلوب أدبي بارع وبلغة شيقة، فهو يحيل المواقف إلى قصص قصيرة وحكايات؛ فلا يمل القارئ كأنه يشاهد فيلمًا وثائقيًّا ممتعًا.
يحكي عن جده حائك الملابس العربية وكيف تحول مع رياح التغيير إلى خياطة البدلة الإفرنجية، وكيف وجهه جده إلى الهواية الفلسطينية المفضلة: التعليم أو ما يسميها الكرتونة. ولعل طريقه المعرفي بدأ في طفولته بهوايته الأثيرة التفرج على الصور الكثيرة التي حفلت بها المجلات، مثل مجلة العربي، وكيف سأله جده عن الدراسة في الجامعة فأجاب بأنه لا يريد الذهاب إلى الجامعة، مجيبًا جده قائلاً: لأنني أريد أن أتعلم، علمته المدرسة أنها لا تعلمك شيئًا، إلا إذا أردت أنت أن تتعلمه، تعلم كثيرًا من الكتب وقليلاً من المعلمين.
تستمتع في سيرته بمحاورته الذاتية وتشكيكه في جدوى ما يقوم به، ولعل قلقه بأن يكون في الوسط، فلا هو جاهل أخرق يؤدي ما يطلب منه، ولا مبدع خلاق -بمقياس نفسه- يعيش حياته صاعدًا، يتهم نفسه بأنه يخادعها بالعمل منذ أربعين سنة في الإعلام والأخبار والصحف والإذاعات والتلفزات، ولعل ما أراد التأكيد عليه هو قيمة أن يعرف الناجح قدر نفسه، ويضع هدفًا نصب عينيه ويسير نحوه بخط مستقيم، فرغم إتقانه اللغة العربية والإنجليزية إلا إنه لم يكن حلس أخبار أو من المهووسين بها، فحتى يوم الناس هذا يفضل قراءة جريدة الأمس عن خبر اليوم، ويقرأ التاريخ بنهم ولا يتابع الأخبار، هذه المحاورة الجميلة عن معنى النجاح ومراجعة النفس بقسوة يشعر القارئ معها بقرب الكاتب منه وبالألفة معه، فهو لا يتفلسف على رأس قارئه بقدر ما يبين عن نفسه بصدق بسبب غرامه بالاعتراف بمواطن قصوره.
وهو بجانب ذلك ليس بالأكاديمي، لا يريد أن يعرف العوامل السبعة التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، ولا يريد أن يحلل التاريخ. التاريخ عنده قصة، والعلوم الاجتماعية كلها قصة، وأحد أسباب جمال سيرته أنها قصص وحكايات.
وهو يستطرد في سيرته ليحكي قصة إعلامي آخر هو “أندرو مار”، يحبه “عارف” ويحب ما يقوم به أندرو وعمله في الـ(BBC)، وكيف أنه في شهر أيار/مايو من عام 2014 كان أحد ضيوف برنامج أندروا رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، وفي ختام فقرته قال له أندرو مار: “رئيس الوزراء، رئيس الوزراء معذرة، اسكت، أدركنا الوقت”. وكلمة اسكت ترجمة غير دقيقة، فهي بالإنجليزية “شت أب”، التي تقع في مكان ما بين اسكت واخرس. وكان رد رئيس الوزراء المسكين: “المعذرة، فقد أطنبت”. وجاء للبي بي سي ست وعشرون شكوى على المذيع. وكان رد المحطة: “ليس في الأمر قضية”.
يمدح كتاب “تاريخ العالم” لأندرو مار، مقارنًا إياه بكتب أخرى تهتم بالتاريخ العالمي. عارف قارئ نهم، هذا واضح من الكتب التي يستشهد بها وعندما شرح إنتاجه الضخم في الإذاعة في فترة من حياته، علل ذلك بالقراءة المتوحشة التي لم يقطعها يومًا في حياته، وما زال يخلد إلى كتاب الأغاني، وهذه ثالث مرة يقرأ فيها هذا الكتاب الضخم الذي يقع في أربعة وعشرين جزءًا. فهل تراه ينفق جهدًا لكي يكتب حلقة إذاعية عن جرير أو الفرزدق؟ وقل الشيء نفسه عن بيتهوفن وموتسارت.
الرجل عاشق للموسيقى، ومن يعرفه يقول عنه إنه يعزف العود، قدم سلسلة من السلاسل القيمة عن الموسيقى الأوربية الكلاسيكية، إذا كنت لا تهوى بيتهوفن ولا تشايكوفسكي، ولا كارمن وكسارة البندق، فقد تقع في حب مقدمات هذه السلسلة بسبب تقديم عارف الجميل لها، إذ إنه يقدم فقرات نثرية مكتوبة بإتقان مبهر ينور الذهن ويمتع الروح باللغة قبل الموسيقى، إنه مفتون بجرس الكلمات يتذوقها بحلاوة قبل أن يقدمها لك.
في سيرة عارف حديث عن بريطانيا التي قضى فيها أحد عشر عامًا، حديثًا يفسره تفسيرًا طريفًا بأنه مثل أي هندي، أو جامايكي، فتح عينه على عالم يقوده البريطانيون، حتى لو انحسروا في بلدتهم وانسحبوا من الإمبراطورية، بقى “أن القط لا يحب إلا خناقه”، وعقدة المغلوب، ويصك مصطلحًا جديدًا ويسميه “الانضباع” من تبعية حيوان الضبع، يجده أقوى من كلمات مثل (الاستلاب- الاغتراب)، أن تركض خلف القوي المسيطر وأنت فاقد السيطرة على روحك.
عارف يصف نفسه دائمًا بالكسل ويستشهد في سيرته بمواقف طريفه، مثل حلاقة أهله لذقنه في الكرسي الخلفي في السيارة حينما توجه للزواج؛ لأنه كان يعمل في ثلاث جرائد، واعتاد وصف نفسه بالكسل رغم ما يقدمه، في سيرة عارف صدق، فهو لا يخجل فيما يكتب من إظهار نزعات النفس مثل حب الذات والثقة بعبقريته التي يصفها بالزائفة، وذلك الوصف القاسي والتلميح لكثير من معايب النفس مثل أن يفهم القارئ أن الكاتب يتعالم ويتفاصح عليه، فهو ينفي صناعة صورة للذات غير واقعية، في السيرة مسحة حزن يصل في بعض الأحيان إلى التشاؤم، وتواضع وتقليل من قيمة الكثير من الأمور، واعتراف بالهوى والكسل وخيبة الأمل في القارئ قبل الكاتب، وفي الإعلام وفي الناشرين، وفي الكثير من الأمور، وهذه النغمة في الرثاء على ضياع العمر وسرعة الزمن، فلقد كان به هوى للغناء وتعلم المقامات، وهوى لتعلم الخط، وهوى بصحبة الكتاب، ومع مقارعة الستين لم يعد لـ”لو” معنى، وقد يكون هذا هو طبع الدنيا النكد وعدم الكمال، وقد يكون أثرًا من مزاج الكاتب، وما أحب أن ألمح إليه إنني استمتعت بهذه السيرة في كل مزاجها حتى العابث منها، ولعل الغريب أنه برغم هذا الجهد الحياتي كيف يتسلى في حياته بالعبث، وينتقم من نفسه ومن قدره بأن يحمل الأشياء على محمل الهزل.
ولعله تزوج كي يقص على زوجته بطولاته فَتُرِيه أنها تصدقه. أما المرأة في رأيه فتتزوج لسبب لا يعلمه، ثم إنه بعد ثلاثين سنة خدمة في هذه المؤسسة ألين عريكة وأكثر خروفية (على حد وصفه) أن يقول كلمة في هذا الشأن، وغاية الأمر حسن الختام، ثم إنه نسويّ مدافع عن حقوق المرأة.
مشروع العمر
عندما نحب أن نصف أحدهم ونقول: إنه يحب اللغة العربية الفصحي، لن يصل المعنى للقارئ، سنحاول أن نعبر عن ذلك بوصفه بأنه صاحب ذائقة، الذائقة موهبة أكبر من حب الفصحى، إنها قدرة وحساسية تجاه اللفظ والبيان الجميل، عارف يمتلك ذائقة عالية، فما الدليل؟
الدليل هو: هذه الكتب من مشروع العمر، وتفصيل هذا المشروع هو أنه توجه لعرض الشعر العربي القديم للقارئ المعاصر في ثوب لائق. وقد أنجز خُمس المشروع، ذلك لأنه حدد ستين شاعرًا من الجاهلية إلى خمسينيات القرن العشرين رأى أنهم سادة الشعر وعبيده، امتلكوا ناصية القصيد امتلاكًا، أخذ يؤلف عن كل شاعر منهم كتابًا. ومن بين هؤلاء الستين أنجز كتبًا عن اثني عشر شاعرًا: كتابان نشرهما وحبسهما الناشر في مخازنه، وعشرة كتب حبسها  في حاسوبه إلى أن يتيسر له النشر.
سلسلته عن الشعراء من ضمنها “عصارة المتنبي” وكتابه “شاعر الألف عام مختارات مشروحة من شعر أحمد شوقي”. قرأ شعر شوقي وانتقى مختارات من المجلدات العشرة، وعدد صفحاتها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كتابه عن البحتري، صرف فيهم ماء العين وبذل فيهم من الوقت والجهد ونكد الناشرين، ليخرجهم على أفضل هيئة، ولعل علاقته بالمتنبي تبدأ منذ قرأ ديوانه وهو شاب يعمل في وزارة الدفاع الكويتية في أوقات الملل، نحن في جيل لا يتاح لذائقة ناشئ، الأدب أن تتعود على العبارة الفصيحة ولا اللفظ المعبر. في كتابه عن شوقي وعن المتنبي يشرح عارف مختارات جمعها من دواوين العرب وسهلها لأقوام لا تعلمهم المدارس اللغة العربية.
خذ هذا المثال في عمله في ديوان ابن الرومي: هذا الديوان يضم ثلاثين ألف بيت. وهو مطبوع في ستة مجلدات كبيرة. قرأ الديوان مرة ومرة، ثم سلل منه ألفًا وخمسمائة بيت هي نحو خمسة بالمئة من مجموع أبياته، وهي زبدة الزبدة، ثم شرح كل بيت بسطر تحته، ما أقيمَ هذا العمل!
قرأت مقدمته لكتاب عصارة المتنبي؛ فوجدت مكتبة المتنبي مهضومة في ثلاثين ورقة، فيها زبدة الدراسات عن المتنبي مع ملاحظات ذاتية ذكية، توقد الذهن وتشرك القارئ في عملية القراءة والتحليل، وطريقته في الكتابة وَدُودَة فيها تفاعل تخاطب القارئ. خذ عندك هذا المثال يقول: “لا تذهب إلى الصفحات الآن، فثمة أفكار في هذه المقدمة لم تأتني إلا بعد كد، وأريدك أن تسمعها”. ولعل ما يميز شرحه كما أوضح في مقدمته لمختارات شوقي الاجتهاد، والأمانة، والتفاعل.
عصارة عارف
تركة من العمل الإعلامي في الأفلام الوثائقية، وإدارة البرامج، ورئاسة التحرير في الصحف، وتأليف الكتب (والتي يعتبرها كلها شروحًا وتلخيصات)، وقد يقع المقال في يد عارف فهو ما زال حيًا يرزق (أدعو الله أن يمده في عمره ليتحفنا بمختارات وعصارات لتراث الشعر العربي)، وأعتذر عن ركاكة أسلوبي الذي أعالجه بالقراءة وبالمحاولة، ليعذرني إن كنت أغضبت صاحب اللغة العالية، مازلت تلميذًا أتعلم مفاتيح لغة الضاد، أرفع إصر جهلي وأتعرف على المتنبي وشوقي والبحتري وأبي تمام، وعزايي أن عارف وأمثاله يقصرون عليّ الطريق ويفتحون لي أبوابًا من جماليات التراث الأدبي العربي.
حصيلة عارف الثقافية هي علاقته الحية الرطبة مع التراث الأدبي العربي (البحتري- شوقي- المتنبي- حماسة أبي تمام). ولعل وجوه الرجل الأخرى مثل عمله في الأفلام الوثائقية وإبداعه تحتاج إلى إشارة من متخصص، لكن حسبي في علاقتي مع الرجل ساعات من مصاحبة المتنبي وأبي تمام بصوته في تسجيل مسموع، يصرف عنك إرهاق اليوم، الكلمة الطيبة صدقة على أرواح نست الأدب ففقدت بهاء روحها!
ننتظر من عارف البحتري وابن الرومي من القدماء، وحافظ إبراهيم وبشارة الخوري وإيليا أبو ماضي من أهل زماننا وسلسلة ذرعها ما قُدر له من العمر والصبر، يعيد لنا بها بهاء أشعارهم لكي نسمع مساجلات هؤلاء الشعراء ودبيب الحياة الخفي في كلامهم.

كيليطو ومتاهة القراءة

أحدهم.. إذا انفصم الحبل الذي يشده إلى التراث، اكتشف الماضي من جديد؛ فاستعاد الفكر حيويته، وتمكن من استنطاق الذحائر الثقافية للماضي، تلك الذخائر التي كنا نعتقد أنها ماتت، وها هي الآن تقدم لنا أشياء تخالف أشد المخالفة ما كنا نعتقده“، حنة أرندت تصف هايدغر.
لا يجادل أحد في كون شهرزاد ألف ليلة وليلة قد عالجت شهريار وخلصته من وساوسه بفضل الحكايات، وأنقذت نفسها بما روت له من قصص؛ “فالحكي سلاح المفتقر للسلطة”. أولع عبد الفتاح كيليطو بهذه الحكايات التي تشفي، وطفق يبحث عن غذاء يومي من السرد والقصص الشعبية، فهو يعتبر كل قصة جميلة حقيقية حتى لو كانت أسطورية.
هذه المقالة قريبة من استراتيجية كيليطو والتي تعلمها من الجاحظ بأن نجعل من الاستطراد فنًّا في التفكير، نحن أمام ناقد أدبي مختلف سجين دائرة ضيقة من المواضيع والقضايا، لا يبارحها ولا يمل من تخطيها، خصوصًا فعل القراءة/الكتابة، ويبدو هذان الموضوعان مركزيين في كل ما يكتب من تحليلات أدبية مميزة بلغة حية ذات روح بعيدة عن ركاكة وجفاف الأسلوب الأكاديمي الجاف، وهو يملك ضمن ما يملك تلك “الابتسامة المقلقة للمحلل” كما وصفه عبد الكبير الخطيبي، فهو سندباد بشكل من الأشكال، يبحر في عالم التراث  ليكتشف جزرًا مجهولة، يتبع المثل الهندي القديم: “إن إلهة المعرفة لا تبتسم لمن يهمل القدماء”.
وهو قلق على اختفاء المكتبات والقراءة حتى في يوم الدينونة، فلقد دوّن في قصته “صحيفة الغفران” قصة قراء يقفون يوم العرض المهيب بدون مكتبات ولا مرايا، لا يقرؤون سوى صحيفتهم، أولئك المتعصبون للقراءة، أولئك الذين في الدنيا ما كانوا يعيشون إلا للقراءة، يتحسرون بلهفة ضجرين من خلو الآخرة من المكتبات، ولعل هذه القصة تحيلنا إلى استعارة بورخيس بأنه لا يتخيل الفردوس إلا مكتبة!
لا يقلق كيليطو من تشذيب نصوصه، يتبع نصيحة الروائي وليام فوكنر “اقتل أحباءك”، فلا يتردد في التضحية بكتاباته وطرحها في سلة المهملات على الرغم من حبه إياها؛ لذلك تبدو كتبه مقالات صغيرة، بل حتى شذرات دون ثرثرة نقاد الأدب، فهو يمزق دون رأفة لكن بشيء من التحسر ما يكتب.
ولعل السبب هو أن كيليطو حريص على أن يكون هاويًا؛ فالهواية دور مريح، فيقوم بدور المتفرج مع ما يتمتع به من شدة التركيز والاقتصاد في الحركة والكلمة والاعتماد على طبقات معرفية نتيجة قراءة في كتب الأدب القديم، طورت في الرجل إمكانية الفضول وكسر رتابة القراءة التقليدية.
بدأ كليطيو عالم القراءة بالولع بالحكايات المصورة؛ ففي سن العاشرة قرأ ألف ليلة وليلة في الفراش في طبعة بيروتية بمجلداتها السبعة، وهي طبعة محتشمة. ورغم كونها طبعة كاثوليكية مهذبة إلا أنه كان يخجل من الكتاب فيخفيه عن أعين الرقباء. وكذلك اكتشف الأدب بواسطة مصطفى لطفي المنفلوطي الذي التهم كل ما كتبه وتبين له ساعتها أن لغة الأدب هي لغة خاصة تختلف عن الحياة اليومية-ذكرياته عن حياته تلك لا تهمه إلا ما هو قابل منها أن يصبح أدبًا.
رحلة قراءة كيليطو تبدأ مع القروسطيين، والسير الشعبية (حمزة البهلوان)، وتمتد بقائمة طويلة من القدماء: ابن رشد، عبد القاهر الجرجاني، أبو حيان التوحيدي، ابن طفيل، عنترة، المتنبي -ونفسه الشعري الذي لا مثيل له-، ابن سلام الجمحي، أبو نواس، ابن بطوطة، امرؤ القيس، ابن حزم، ابن المقفع (يتساءل في أحد كتبه كيف نقرأ كليلة ودمنة؟)، أما الجاحظ والمعري فهم ذو أهمية بالغة عنده، يمتعه الجاحظ ويحب قراءته؛ فالجاحظ يعلم القارئ لكنه يلعب، عرفه أحد معاصريه (ابن قتيبة) بأنه يعمل الشيء ونقيضه، هذا هو الجاحظ مع روح الدعابة والسخرية التي تميزه، أما الهمذاني فهو معجب به لشدة إتقانه، والحريري لشدة يقظته، ولسان العرب لابن المنظور يعتبره بمثابة الكنز الثقافي والأسطوري لجذور الكلمات، كل هؤلاء المؤلفين يسكنون نص كيليطو.
أما عن المحدثين، فيذكر بلزاك، مارسيل بروست، توفيق الحكيم (كان يحلم بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية بسببه)، سوفوكل في ترجمة طه حسين وجبران، المنفلوطي، معجبًا بالسياب وبقنديل أم هاشم ليحيى حقي، يقدر أسلوب كونديرا في رواية الخلود والتي تظهر بشكل أقرب إلى المقالة والتأملات، موسيقى وشاعرية فولبير، دانتي والكوميديا الألهية، آجاثا كريستي، لذة النص لرولان بارت، جنون نيتشه، ودون كيخوت حاضرة في وعيه دائمًا، تزيفيتان تودروف صاحب الأدب في خطر، مع وجود اللمسة الخاصة ببورخيس في استعارة المكتبة والقراءة في كل ما يكتب فضلًا عما بينهم من صلة تجمعهم بكتاب ألف ليلة وليلة، فهو كتاب يصفه كيليطو بالسحر والفتنة والامتلاء بالأسرار، وهو مهتم بإجراء حوار مع هذه النصوص الكلاسيكية يشبه التحقيق البوليسي، يتساءل مثلًا في أحد نصوصه السرديه كيف كان العرب قادرين أن يستغنوا عن الصورة؟
يقرأ كيليطو عشرين كتابًا، يقرؤها باستمرار ويكتب عنها من بينها أسرار البلاغة للجرجاني؛ لأنها لا تبوح له بكل أسرارها دفعة واحدة، فهي ضنينة بمعناها ولا تجود به إلا لمن يواظب على الإمعان فيها، يقرأ كثيرًا وبلا نظام ويخيل إليه أنه قرأ كل الكتب، وفي بعض الأحيان أنه لم يقرأ شيئًا، إعادة القراءة لديه بحث عن الكتاب المثالي الذي تعيد قراءته إلى ما لا نهاية ويصاحبك طيلة عمرك، هذه الكتب القيمة عكاز طريق في الحياة، يملك ضربين من القراءة نهارية وليلية، خلال النهار يقرأ بالعربية وفي الليل بالفرنسية.
لعل نموذج القراءة الناضجة التي يقدمها كيليطو هي القراءة المتواضعة والتي لا تقع في إغراء التفسير الوحيد للنص؛ بل يخاطب كيليطو القارئ العام لا المتخصص؛ لذلك يهتم بشرح كلمة في الهامش، ويشرك القارئ معه في عملية التحليل الذي يقوم به ويعقد معه حوارًا بين الفينة والأخرى، يريد أن يشركه في لذة قراءة تلك النصوص، وتملك تلك النصوص الكلاسيكية إزالة الوحشة بيننا وبينها وبناء حالة من الألفة.
كيليطو يميز بين صنفين من القراء؛ “قراء لا يرون في الكتاب إلا عرضًا موافقًا ومطابقًا للآراء الشائعة”، وقراء “يلمحون فيه شيئًا مختلفًا؛ لأن لهم طريقة في القراءة لا يمتلكها الآخرون، فهم مثلًا يتنبهون لتناقضات المؤلف ويتجنبون عزوها إلى نقص أو خلل في نمط استدلاله، خصوصًا عندما يشير المؤلف نفسه إلى احتمال وجودها، كما أنهم يبذلون جهدًا لفهم مقاطعه الغامضة وتعابيره الملتوية دون نسبتها إلى ضعف في أسلوبه أو فنه”.
يعتمد كيليطوعلى روح السخرية فيما يكتب، سخرية جعلت من ناقد فرنسي يسأله هل الجاحظ عاش فعلًا أم من نسج خيالك؟ وهل الأبيات التي ذكرت في ثنايا الكتاب من تأليف الشعراء الذين سميتهم أم من تأليفك؟ سؤال يبدو ساخرًا لكن طرحه يوضح لنا طريقة الرجل في اللعب بالنصوص والنبش فيها، أما مقياس العمل الأدبي عنده فهو “غرابته”، يرفع القارئ عينيه ويقول: عجيب، عجيب هذا الكتاب!
أما شكل مكتبته، فهي تتكون من عدة رفوف أعلاها نجد الكتب التي لا يستعملها إلا نادرًا، وفي الأسفل تلك الكتب التي يكرهها فلا يحب رؤيتها، أما في الوسط فتلك الكتب التي يحتاج إليها في كل وقت وحين.
كتب أطروحته عن الدكتوراه عن فن المقامات بجامعة باريس 1982 عن الهمذاني والحريري، وكتب كتاب “الكتابة والتناسخ” وهو مهتم فيه بوظيفة المؤلف في العصر الكلاسيكي، وبالجاحظ على وجه الخصوص، أما كتابه “العين والإبرة” فيقوم فيه بقراءة مرهفة لألف ليلة وليلة،  ويهتم بما يقال عن الكتاب والكتابة في الليالي، استعار عنوانه من قصة شخص يتلصص من ثقب مغلاق الباب بينما في الطرف الآخر شخص يفقأ له عينه بإبرة، أما مؤلفه “الأدب والغرابة” فيهتم فيه بأساليب الكتابة عند الجرجاني والحريري وغيرهما من أعلام النثر الأدبي الكلاسيكي.
وهو شديد التنبه لخطر الكتب الكلاسيكية العربية التى يهتم بها الغرب، فيقع الكاتب العربي في موضة مسايرة الاهتمام الغربي بها مثل الاهتمام بالمقدمة أو بألف ليلة وليلة، وكذلك الخصائص لابن جني ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وإذا كان كتاب البخلاء مثلًا قد مر في حين غفلة من القارئ الأوروبي فقط، يضيف كيليطو “لأنه لم يتمكن من ربطه بكتاب البخيل” لموليير.
وعلى الجانب الآخر، يقوم القارئ العربي بنفس الإشكالية؛ فسرعان ما يربط بصفة مباشرة، أو غير مباشرة النص العربي بالنص الأوروبي، إنه مقارن ضرورة، وهكذا حين يقرأ حي بن يقظان يشرد الذهن ناحية روبنسون كروزو والمتنبي فيشرد جهة نيتشه، ورسالة الغفران فيشرد جهة الكوميديا الإلهية، واللزوميات فيشرد جهة شوبنهاور، ودلائل الإعجاز فيشرد جهة سوسير، والمنقذ من الضلال فيشرد جهة ديكارت، ثم يعقب: “وويل للمؤلفين الذين لا نجد من يقابلهم عند الأوروبيين”.
ولعل دراسته للأدب الفرنسي والنقد الأدبي المعاصر جعله شديد الانتباه لمدى الاختلاف بين النظم المعرفية المختلفة، فتجعله لا يستخدم نظامًا معرفيًّا سابقًا وتقارنه بجزء من نظام معرفي حديث، وقد قام بتطبيق  هذه القراءة في كتابه عن الحريري والزمخشري والمعري؛ فقراءة هذا الأدب من داخله من شأنها أن تقوم بإثراء المفهوم الحالي للأدب ولإنتاجنا المعاصر، وهو ينفر من الكلمات التي تستخدم في النقد الأدبي بشكل متكرر دون دراسة، مثل مصطلح “التعبير”.. إلخ من مصطلحات النقد التي تلاك على الألسنة دون مراجعة لمعناها ومدى قربها من مفاهيم التراث العربي؛ فمصطلح الأدب القديم يختلف عن مفهومنا عن الأدب المعاصر، خصوصًا باختفاء قضية التربية التعليمية (التهذيب) في الأدب المعاصر عن الأدب القديم الذي يقدم نصوصًا بغاية التربية والتهذيب، فضلًا عن كون القدماء ناقلي معرفة وهو ما لم يعد يهتم به كاتب الأدب المعاصر.
ينصحنا كيليطو بأنه من أجل أن نكون قراء علينا أن نتخلص من الأساتذة وقبل الأساتذة المعلمين؛ فإنجاز قطيعة بين القراءة وسلطة المعلم يجعلك تتوجه نحو النص ومناقشته.
لو أردنا أن نتعرف على قارئ كيليطو كما تخيله، فهو قارئ يصفه بأنه “فضولي متطفل، يمقت المستنسخات ويرتعب من إعارة كتبه، قارئ متسكع على الضفتين، متنزه بمفرده، لا يحب العمل في المكتبات العامة، يذرع المدينة متوقفًا أمام ملصقات السينما، وأمام واجهات متاجر الكتب ومجلات المقتنيات القديمة، وحين يكون حاضرًا في مدينة أجنبية، فإنه يلج المكتبات في كل يوم، وهو قارئ يعتقد أن القدماء لم يقولوا كل شيء، لكنه ولكي يثبت ذلك، يعمد إلى دراستهم وبهذا وحده سيتجنب تكرارهم”.
في الختام، كتب فلوبير للآنسة شانتبي “أن تقرأ لتحيا” هذا هو جوهر قراءة كيليطو، ضخ الدم في الأجساد النائمة للمؤلفين، إعادتهم للحياة بكامل نضارتهم ومناقشتهم والحديث معهم، كانت الكتب حية وكلمتني هكذا يفعل كيليطو، لعل مغامرة تنتظر القارئ في متاهة كيليطو في الكتابة ولعلنا نزور تلك الغابة مرة أخرى.

ظل النديم (2)

ويومئذٍ طَوَيْتُ كلَّ نفسي على عزيمةٍ حذّاء ماضيةٍ: أن أبدأ، وحيدًا منفردًا، رحلةً طويلةً جدًّا، وبعيدةً جدًّا، وشاقّة جدًّا، ومثيرةً جدًّا. بدأتُ بإعادة قراءة الشعر العربي كلّه، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذٍ على الأصح، قراءةً متأنيةً طويلة الأناة عند كلّ لفظ ومعنى، كأنّي أقلِّبُهما بعقلي وأرُوزُهما (أي: أزنهما مختبرًا) بقلبي، وأجُسّهما جسًّا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسَهما بيدي، وأسْتَنْشِيَ (أي: أشُمّ) ما يفوح منهما بأنفي، وأسَّمّع دبيب الحياة الخفيَّ فيهما بأذنَيّ، ثم أتذوقهما تذوُّقًا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئًا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنّه وبراعته، وأتدسَّسُ إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوًا أو سهوًا تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمُّد أو إرادة” [محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا].
نتابع في هذا المقال الحديث عن شخصية الأستاذ “محمود محمد شاكر” كما تظهر في الأوراق والمسامرات التى نُشِرَت مؤخرًا تحت عنوان “ظل النديم”: (أوراق وأسمار شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر -رحمه الله-، التي لم تُنشر من قَبْل) بعناية الأستاذ “وِجدان العلي”.
لعل ما تميز به “محمود شاكر” هو القدرة على المتابعة الفكرية، مع بصر بالتاريخ لا يكاد يتيسر لأحد، ولاحظتُ في مقدمته لأحد كتبه وعيه بأبوة آدم، وبملحمة خط سير التاريخ الذي يبدأ بالأمانة التى عرضها الله على الملائكة فحملها الإنسان عن ظلم وجهل، مع تسخيره كل سليقة فطره الله عليها، وكل سجية لانت له بالإدراك، لكي ينفذ إلى حقيقة البيان الذي كرم الله به آدم -عليه السلام- وأبناءه من بعده، وهو أمر شاق؛ لكن المطلب البعيد هوّن عليه كل مشقة، وهكذا قرأ الشعر قراءة من يبحث عن الإبانة الصادرة عن قلب الشاعر.
مع ما تميز به من عمق الفهم وبذل الوُسع في جمع المعلومة والفكرة، كان لا يفارق مكتبته في عزلة ضربها على نفسه، بين رجال صُمُوت لا ينطقون ولا يتحركون إلا أن يأذن لهم، عبر عن نفسه في مجمع اللغة العربية حينما حكى قصة أيامه مع الكتب يمد يده إليها ضارعًا مستميحًا يسألها أن تتفضل عليه بشيء من معروف يزيل شكه، أو يرد حيرته، أو يحيي مواتًا في نفسه، أو يرفع غشاوة عن بصره، أو يجلو صدأً ران على بصيرته، هذا هو القلق الكامن تحت الاطمئنان، والحيرة المستخفية من وراء اليقين، وبعض الوحدة والوحشة التى عانى منها بين الكتب، مع التردد المستكن في ظل العزيمة والهيبة المفضية إلى التأخير والإرجاء والتي ساهمت في جعله لا يكمل كتابة بعض الكتب.
عبقرية المكان التى كانت لهذه الشقة، والتي لا يدخلها أي أديب، فبيته لا يدخله إلا نوع معين من الأدباء، اجتمع في هذه الشقة كل هؤلاء المثقفين، وساهمت في مداولة معرفية، وفتح آفاق جديدة في النقاش والقراءة، وكانت نصيحة “عباس محمود العقاد” لبعض جلوسه في صالونه بقوله: (إذا أردت أن تكون فيلسوفًا بحق، فطريقك إليه الشعر، وإذا أردت شعر العرب فطريقك إليه “محمود محمد شاكر”). وشهادة “العقاد” لكتاب “المتنبي” بأنه أحسن كتاب عن المتنبي، لأنه بقلم محمود شاكر، وهو أديب فنان شاعر، مع ما تمتع به محمود شاكر من القدرة على النظر للنصوص نظرة حية من عقل حي ونفس حية.
كان محمود شاكر نموذجًا للعالم المتجرد الذي يعيش في عالم انهارت فيه الأركان من أكثر من جانب، وأصبح أولو الفضل في أوطانهم هم البقية؛ ولعل المشهد الذي جعل الدكتور “محمود الربيعي” يتعلق بدوحة أبي فهر طواعية واختيارًا، هو تذكره أحد الأمسيات التى اجتمع فيها “مازن مبارك، راتب النفاخ” وقرأ لهما الأستاذ على مسمع منه مخطوطة لديوان “جرير” وكان مبهورًا إلى أقصى حد، مع سعيهم عندما صودرت إحدى كتبه إلى الحصول عليها في ملازم، وكانوا يشترون النسخة بضعف ثمنها، ويتم توزيعها على الزملاء للقراءة. ولعل في مشهد تداول الكِتاب الممنوع مادة لخيال مؤرخي القراءة والثقافة. “دوستويفسكي” يقول: (الكلمة عمل عظيم، وانتقال هذه الكلمات العظيمة قيمة ثقافية كبيرة.
وفي تشبيه “الطناحي” لمحمود محمد شاكر بالخليل بن أحمد صحةٌ كبيرة؛ ففي حياتهما مشابة كثيرة؛ يقول النضر بن شُميل: (لقد عاش الخليل بن أحمد في مربد من مرابد البصرة لا يجد قوت يومه، وأصحابه يأكلون بعلمه الأموال). وهكذا خرج من هذا البيت علم كثير، وشهادات جامعية كثيرة، وهو حديث موجع للقلب على أية حال.
أما عن دقته وحرصه؛ ففي قصة الدكتور “عبد الصبور شاهين” وترجمته لكتاب مالك بن نبي “الظاهرة القرآنية” خيرُ دليل؛ فلقد ذهب إليه وأعطاه نسخة من ترجمته للكتاب، فأَعْلَمَهُ “محمود شاكر” في لقاء دام ثماني ساعات أن عليه أن ينقل النص باللغة العربية التي تليق، وعاد “عبد الصبور” إلى بيته يحمل صحائفه تحت إبطه أو يحمل خيبته تحت ذراعه -كما وصفها-، يبكي في الطريق من مصر الجديدة إلى الإمام الشافعي، سائرًا وحيدًا لا يدري بالطريق من الدوامة التي لفّته طيلة الثماني ساعات من الظهر إلى بعد العشاء، ثم يقول: (شواني شيًّا على السُّفُّود) -وهو: عود من حديد يُنظَمُ فيه اللحمُ ليُشوَى-، شيًّا مازالت آثاره في جسدي حتى الآن، ثم عدت إليه بالكتاب بعد التعديل فأصبح كتابًا آخر طبقًا لمنهجه، فكتب له المقدمة، وأعجب به “العقاد” وبالمقدمة والترجمة.
لم يكن محمود شاكر يعتبر هؤلاء تلامذة له، فهو لم يكن له تلامذة على وجه التحقيق، لكنهم أصدقاء وإخوان له، فكان صغير الناس وكبيرهم عنده سواء، فقيرهم وغنيهم، يعطيهم من نفسه ما يريدون، وكل ما عنده فهو لإخوانه، ولا يعبر عن هذا المعنى تواضعًا، فلقد آنف استخدام هذه الكلمة في غير موضعها -أقصد التواضع-؛ بل كان يملك من الكبرياء الكثير، وبرغم المعركة الأدبية والشدة والعنف في التعبير عن قضيته في الشعر الجاهلي؛ فإنه إلى أن بلغ “الخمسين” لم يستطع أن يشرب سيجارة بين يدي “طه حسين” إلا إذا أعطاه رغمًا عنه ويقول له خذ؛ فبقي الأدب والود.
دخل بيته الكثير من الأصدقاء والرفاق؛ منهم: “ناصر الدين الأسد”، “محمد يوسف نجم”، “إحسان عباس”، أما رواية إحسان عباس عن صداقته لمحمود شاكر فيقول فيها: (تعرفت إلى رجلين من أفذاذ الناس، كان لهما أثر بعيد في حياتي وفكري، وهما يلتقيان في نفسي على رابطة التفرد فيما يحسنان، ويتقاربان كثيرًا في الحدة والذكاء وصفاء الجوهر وسعة المعرفة ووضوح الرؤية وعمق الفكر؛ أحدهما هو: “محمود محمد شاكر” الذي تعلمنا من مجالسه أكثر بكثير مما ثقفناه من الكتب، ونشأنا في ظل مكتبته العامرة، فقد كان يدهشنا بتنوع ثقافته وحضور جوابه، وقدرته الباهرة على أن يفك كل نص عسير، والثاني هو: “ابن حزم الأندلسي”). ثم يوضح بدايته في عالم التحقيق فيقول: (لا أذكر أن أخي “محمود محمد شاكر” الذي توثقت روابط الصداقة بيني وبينه على مر الزمن قد شجعني -صراحة- على ولوج دنيا التحقيق؛ ولكني حين تقدمتُ إليه أنا -وصديقي الدكتور ناصر الدين الأسد- نستشيره في تحقيق “جوامع السيرة” لابن حزم؛ سُرّ بالاقتراح، وأذن لنا أن نعيش في مكتبته، ونلجأ إلى رأيه وتوجيهاته حين لا تسعفنا المصادر. كان من أهم ما نحرص عليه أن نفوز بثقة أستاذ كبير، وأن نثبت لأنفسنا أن آلام المصاعب سرعان ما تنسى، إذا هي تُوِّجَت بتحقيق الغاية المبتغاة).
أحَبَّ شاكرٌ “يحيى حقي”، ودخل يحيى في إطار محمود شاكر، وكان متمتعًا بشدة الإحساس بجمال التركيب، واكتسب يحيى هذه القدرة على التعبير بطريقة عربية صحيحة، مع قدرته على تذوق النحو الصرف، وهو يفضله عن نجيب محفوظ، ورأى شاكر في نجيب محفوظ أنه رجل صنعة مثل أبي تمام، كانت لديه القدرة؛ لكن الصنعة شغلته عن اكتساب القوة والسليقة؛ لكن محفوظ يجيد الرواية -هكذا عبر شاكر-، أما عن صراحة شاكر في التعبير وقدرته على أن ينتهي من معاركه الشخصية بأقل الخسائر؛ فيدل عليها طريقته مع صديقه يحيى حقي عندما انقطع عن بيت الأستاذ شاكر أثناء اعتقاله خائفًا، فلما خرج شاكر قال له -شاكر-: (أنت جبان وخلاص) واعتذر حقي، واستمرت صداقتهما، فكان شاكر يعتبر يحيى حقي جزءًا منه.
شارك الأستاذ محمود شاكر في مجلة “الرسالة”؛ لكنه يلاحظ أمرًا عجيبًا يبدو في بلداننا فقط؛ وهو أنك لا تكاد ترى أحدًا مذكورًا من رواد مجلة الرسالة الأوائل مع أن لبعضهم بدءًا يعتبر من أجود البدء، فخُفِيَت أسماء ولم يبق ممن كان يكتب في الرسالة إلا عدد قليل محدود، وكان لصدق الكثير من هؤلاء أثر بالغ على كثير من رواد الأدب المُحْدَثين. لم ينفعل شاكر بدعوات المنهج الإسلامي في دراسة الأدب، فإذا كان ما في كتب المسلمين الأوائل ليس منهجًا إسلاميًّا لدراسة الأدب؛ فلا تطالبه الآن بوضع مثل هذا المنهج، واعتبر هذا الأمر رفضًا كاملاً لتاريخ وتراث المسلمين، وفيه من التسفيه للآباء والأجداد، فلا يوجد لديه شيء قائم بنفسه يسمى منهجًا إسلاميًّا في دراسة الأدب، فالذين قالوا الشعر وقالوا الخبائث مسلمون، ناس من العصاة نتلمس في داخل حديثهم قدرتهم على التعبير وسر هذه اللغة الذي معرفته توضح لنا أن القران كلام الله يختلف عن كلام البشر.
دَرْس الأستاذ شاكر متنوع وعريض بتنوع حياته، يبدأ بما علمه لرفاقه بالتأدب أمام المعرفة، وألا يتقدم إليها بالزيف أو القشور أو الادعاء، مع دَرْس النفَس الطويل في القراءة والانقطاع للعلم، مع احترام العقل البشري، فضلاً عن شعوره بعربيته وروح الانتماء لهذه اللغة، وما تمتع به من روح المغامرة في شبابه والسفر وراء حلم أشبه بالحلم الرومانسي في البحث عن صفاء العقيدة، والصبر على ضائقة الحياة في الحجاز؛ فلم يقبض مرتبًا لمدة تسعة أشهر، وهو رجل. كما حفظ فضل أصدقاء له في الكويت الذين كانوا معه في محنته أثناء سجنه واهتمامهم بأسرته. يحب الثناء إذا كان في موضعه فقط؛ أما المبالغة فلا تحرك شعوره، مع خصلة الأمانة فيما يعلم والخوف من الزلل، مع الحرص على طلب اليقين، وكان حريصًا على بناء أنفسنا بدقة التذوق النافذ، لا يستطيع أن يجيب عن شيء دون أن يفكر فيه، هكذا عبر عندما انهالت عليه بعض الأسئلة في الجامعة، لم يمنعه هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه، كان رجلاً جادًا لا يخاف شيئًا ولا يأخذ من أحد شيئًا، تَخَلَّق بقصيدة “علي بن عبد العزيز الجرجاني”:
يقولون  لي  فيك  انقباض  وإنما   …   رأوا رجلاً عن موقف الذل  أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم   …   ومن  أكرمته  عزة  النفس  أكرما
وفي النهاية؛ (الكتابة مسألة وقاحة) كما يقول “شكري عياد” وأنا تجرأت بالحديث عن شاكر وسيرته مع قلة بضاعتي؛ لكن العذر هو الحب لهذا الرجل، (وخير الحب ما اقترن بالدعاء) كما يقول الأستاذ “الطناحي”، فلْنَرْفع لله دعاءً خاشعًا للأستاذ “محمود شاكر”، ولْنتذكر قيمته في الثقافة العربية في القرن المنصرم، وينبغي أن ندعو لأنفسنا بأن يمنحنا الله الجد ومفاتيح الفهم لمراجعة تراث المسلمين ونصهم المعجز (القرآن).