الخميس، 27 يونيو 2013

فرح الكادحين



صباحا استيقظت وأخذت أتذكر ما هو اليوم، انتبهت لأهم أحداث الأسبوع واكتشفت أن اليوم هو يوم الخميس، أصابتني لحظة رضا أتت من أعماق حنين الطفولة ليوم الإجازة، كان يوم الخميس هو اليوم الوحيد المسموح في بيتنا بالسهر فيه لمتابعة فيلم السهرة أو المسرحيات الشهيرة، أما باقى الأيام فقد كانت العادة النوم مبكراً بعد مسلسل الساعة الثامنة ومشاهدة حديث الروح أو نشرة التاسعة على القناة الأولى، كان يوم الخميس يوماً مختلفاً تتقلص حصص المدرسة فيه من سبع حصص إلى ست حصص فقط، يتفق فيه الأولاد على الخروج، حدث هذا في سن المراهقة الذى لم أعرف فيه الطيش، وكان من حسن حظي تعرفي إلى شباب الإسلاميين في هذه الفترة، شباب الأخوان ومساجد السلفيين، يوم الخميس ارتبط أيضا بالبيات عند جدتي، بعيدا عن بيت أمى، أو أنتقل مع جدتى في زيارتها لأخواتها، كانت تصطحبني، لا يمكن أن أنسي ابتسامة الفخر، حينما ركبت معها الميكروباس فجلست في بداية السيارة حتى أتت امرأة حامل، فرفضت المرأة الركوب لأن الركوب في نهاية السيارة يعُدَّ أمراَ متعباً بالنسبة إليها، فبادرت بالجلوس في نهاية السيارة، ابتسمت جدتي ووصفت ذلك الفعل بالفعل الرجولي، مازلت أعود بالذاكرة لتمدني بحماسة الأفعال الأولى، بهجة السهر، وكسر الروتين، والتمرد، لم أعد أستطيع تحمل صخب الأعراس، لكن أمي تخبرني أننى لم أكن أفوّت عرساً واحداً حين كنت طفلاً حتى لو كان لأناس غرباء لا أعرفهم، أبكى أمام أبي فيأخذني إلى تلك الأفراح التى تقام أمام المنازل قبل ظهور عادة إقامة الأفراح في القاعات لأشاهد رقص الأحصنة على الأنغام، أين ذهبت تلك الأحصنة؟ هل طارت؟ أم لم نعد نحن نطير مع الأنغام كما كنا ونحن أطفال.

لست بحاجة إلى تكثيف الصور أو إيراد الشواهد والأدلة على فضل يوم الخميس، لكني بادرت صديقاً لي لماذا نحب يوم الخميس، صمت قليلاً ثم قال "بكرة اجازة"، نهاية القول أن الخميس بوابة للتصالح مع تعب الأسبوع، محاولة لكسر الروتين،  وعدم الشعور بالندم من التأخر خارج البيت، نوع من أنواع العطالة السعيدة، ارتبط عندي بسفريات القاهرة والإسكندرية والمنصورة، لكى يأخذني يوم ملون عن باقي الأيام التى تكتسي بالأبيض والأسود فيأتى الخميس بملابس زاهية لتتصالح حتى مع ازدحام الطرقات بعبارة" اه اليوم يوم خميس" حتى أم كلثوم عندما كانت تغنى اختارت يوم الخميس، هل ارتبط في الوعي الجمعي جمالية ما خاصة بذلك اليوم !


ليلة الشعب

في يوم الخميس تزدحم محلات الحلاقة، وتظهر تلميحات لحبوب زرقاء يتداولها الحلاق مع زبائنه، تلك التلميحات التى لم أكن أعى مغزاها إلا حديث موارب لا يتورط فيه إلا المتزوجون، يبدو أن الفاصل بين الطفولة والشباب هو معرفة ماهية تلك الحبوب، فضغوط الحياة أبقت تلك المساحة الحميمية بعيدة عن يد الفقر، فحافظت عليها دون ضريبة مادية إلا التأنق في محلات الحلاقة وثمن سيجارة الحشيش.
ما فائدة الذاكرة إذا لم تكن تمدنا بذلك الفيض من لحظات السرور المعششة في رفوف الدماغ؟ حتى لحظات الألم في الذاكرة نتصالح معها  بسببب  سرورنا بقدرتنا على تجاوزها .  



محمد الهجين
الدوحة 27/6/2013
 

الأربعاء، 19 يونيو 2013

العم نجيب (1)





* بداية:

بالأمس سهرت مع روايته "حضرة المحترم"، تصف الرواية حالة من التوحد بين الوظيفة العريقة، وبين حلم الإنسان الذي يضيع بين أروقة ممرات المؤسسات الحكومية، فكم تقتل تلك المؤسسات حياة الإنسان بما تكسبه من رتابة!
 لا أشعر بفوات الكثير مما فاتني من جلسات محفوظ في مقهى ريش. مؤخرا مررت على مقهى ريش، أصبح مكانًا لصناعة نماذج مكررة من المثقفين، ومن ثقافة معلبة تقوم على الكيتش الثقافي، بالاهتمام بالمظهر أكثر من الاهتمام بجوهر الثقافة ذاتها، تحول مقهى المثقفين إلى مكان سياحي أو مزار، صور لشعراء وكتب على الطاولة، وبعض زجاجات البيرة كنوع من الحرية داخل ذلك الحيز...
لم أشعر أن جلساته التي كان يجلس فيها مع الشباب وقرأت عنها كثيرًا ستفوت علي الكثير؛ فقد اشتهرت عنه هذه المجاملة في الثناء على بعض المواهب الضعيفة. لم أحب أن ألتقي بنجيب خارج روايته، ولم أكن لأتفاجأ وأنا أقرأ تعليقات المسيري وجلال أمين عن شخصية نجيب محفوظ.
كان حديث المسيري عن كون نجيب لا يتصور صورة للتقدم والخروج من الكبوة الحضارية إلا بالمنتجات المادية، دون حديث عن هوية المجتمع، حتى أطلق على هذا التقدم: تقدم الميه والنور.
لحظات التعرف على نجيب محفوظ تأخرت كثيرًا، كان الهم في البداية هو الحصول على رواياته في طبعات رديئة من باعة الكتب القديمة، لا أتذكر أول رواية قرأتها لمحفوظ، كانت رواية الطريق رواية أجد فيها سلوى؛ لكونها صغيرة وتخرجني من جو الامتحانات الممل، كنت أتعب فيها من الرمز وسؤال ماذا يقصد؟ لم أكن تعودت ساعتها الغرق في عالم الحكي الجميل، ثم كانت رواية الحرافيش، والتي كانت بوابة رائعة للانبهار بلغة الرجل، وقدرته على نسج القصص، حكي ممتاز يتقن حرفته.
الرائع في نجيب هو قدرته على حكي الأمور العادية بطريقة ساحرة، يحول من الحارة ملحمة، فيصبح العالم بمشاكله وقضاياه صورة مصغرة عن طريق حكايات حارتنا والفتوات، يصنع نجيب في روايته الحرافيش عددًا من الشخصيات ذات طابع مميز ولا يتكرر، كل شخصية قادرة على التميز والانفراد.

* الزمن:

"لقد اختفى عاشور الناجي، لكن الزمن لن يتوقف وما ينبغي له". (الحرافيش).
في حوار إذاعي تسأل المذيعة نجيب محفوظ عن روايته الجديدة، فيعتذر عن ذكر التفاصيل ويكتفى بالحديث أن محور الرواية هو "الزمن". كم أشعر أن هذه الكلمة هي المفتاح لروايات نجيب محفوظ!
إن محفوظ الذي يكتب الثلاثية والحرافيش والشحاذ يلاحق فصول الحكاية ويناقش الزمن، أشعر أن الزمن ذلك العامل الذي لا نراه ولا نتعرف عليه شيء غائب عنا لكنه يؤثر فينا، هو الثيمة الأساسية لكثير من روايات نجيب محفوظ، فالزمن يمثل صورة أصيلة تقوم بتوجيه العديد من رواياته.
في روايته حضرة المحترم يأخذ محفوظ في تتبع موظف حكومي قادم من تلك الطبقات الفقيرة الكادحة، والتي ترى في الوظيفة الحكومية بوابة لتغطية الأصول الفقيرة التي خرجت منها.
في تتابع الحكي، يلتقط محفوظ بذلك الخط الذي يصنعه الزمن في أبطاله، كيف يتخلى عن حبيبته من أجل ما أطلق عليه "اللحظات المقدسة للوصول إلى فردوسه الأرضي"، والذي ينحصر في مكتب مدير الإدارة، بداية ظهور الشيب في الشعر، اللحظة التي قابل فيها حبيبته الأولى ووجد جمالها قد طار عنها، وأخذ في التفكير في هذه المرأة البدينة التي أصبحت أمًّا.
في الحرافيش يتابع محفوظ فتوات الحارة، ثم يلتقط صورتهم وهم في أراذل العمر، مهزومين يحملون خيبة الضعف، أو يفكرون بالتوبة بعد هذه الحياة المديدة من الزيغ.
سؤال الزمن قد يكون مفتاحًا لبحث نجيب عن أرواح أبطاله الهائمة في بحر الحياة، وأظنه لم يعثر على إجابات، فهو -الدارس للفلسفة- لم يكن لينقل الحكايات إلا ليحولها إلى أسئلة، وبرغم القول بأن "الحكاية علامة شفاء الراوي"، إلا أنني أعتقد أن حكي محفوظ هو محاولة البحث عن هذا الشاطئ الذى يمكن للإنسان أن يرسو فيه، وهو ما عبر عنه في رواية الشحاذ من خلال تلك التجربة التي مر بها بطله في البحث عن معنى وغاية لحياته.
 يحكى محفوظ عند إحدى الأزمات التي عانى منها هو وعادل كامل وزكى مخلوف في مقابل السحار وباكثير، حيث وصفهما بأنهما كانا ممتلئين بالإيمان والتفاؤل.
أما هو وصديقاه فقد دخلوا في حالة تشاؤم، حتى وصف محفوظ هؤلاء الأصدقاء بأنهم كانوا كأبطال ألبير كامو قبل أن يكتبهم. يقول محفوظ: "كان السؤال الذي نسأله لأنفسنا دائمًا: لماذا نكتب؟ وكنا مجمعين -أي محفوظ وعادل كامل وزكى مخلوف- على أن الكتابة عبث، والنشر عبث، والرغبة في الكتابة يجب أن تعالج على أنها مرض. غاية ما في الأمر أن صديقيّ اعتبرا نفسيهما شفيا من هذا المرض، وما زالا يدعوان لي بالشفاء".

* الحلم والمستقبل:

يقتبس علاء خالد لقطة مميزة من رواية "بين القصرين" لنجيب محفوظ، يتلقى الأخوان نبأ وفاة سعد زغلول ليلاً عبر صوت بائع الجرائد، بينما هم يتحدثان على سطح البيت، عندها يطلب الأخ الأكبر -والذي قام بدوره في فيلم بين القصرين الممثل عبد المنعم إبراهيم- من أخيه الأصغر، والذي يقوم بدوره نور الشريف، المصدوم والذاهل من وقع الصدمة، يطلب منه بمواساة أن يذهب لينام؛ لأن أمامه في الغد يوم طويل.
 ما يفرق هذا اليوم عن باقي الأيام أن شبح الموت يحلق عليه، أشعر أننا مازلنا نعيش في نهار طويل كهذا حتى الآن، شبيه لذلك النهار، فهناك موت منتظر أو موت قد حدث بالفعل، أو هكذا نشعر في لحظة التحول الحادة.
تلتقي تلك اللقطة بفكرة تساورني دائمًا بشأن الحماس المفقود تجاه الأحلام المتجاوزة للأحلام الذاتية، في رواية نجيب لا يخجل "فهمي" من الحديث عن الإنجليز  وخروج المستعمر، لم يكن هناك خجل من ترديد عبارات من قبيل: "الاستقلال التام أو الموت الزآم"، تحلق الجميع حول سعد زغلول باعتباره منقذًا لهذا الهم الجاثم على قلوب العباد.
في هذه الأفلام المصرية القديمة كفيلم "في بيتنا رجل" المأخوذ عن رواية لإحسان عبد القدوس، يظهر عمر  الشريف كشخص يرهن حياته بأفكاره الثورية ضد المحتل وضد السلطة المتحالفة مع هذا الاحتلال، هذه اللحظة أشعر أنها أتيحت لها فرصة للظهور في أحداث ثورة 25 يناير، ثم كانت الأحداث السياسية المحبطة على مدى أكثر من عام، أسفرت هذه الأحداث عن خيبة أمل مريرة، لتتحول الأغاني الوطنية التي تتكلم عن الميدان إلى شيء يتسم بالسخرية القاسية.
عملية تجريف الأحلام، والتي تنتج بعد هذه الخيبات التاريخية، تعود بنا إلى النقطة الأولى من حالة الطموحات الفردية، المرتبطة بتأمين الدخل ومحاولة السفر للعمل أو المكوث في البلاد بمرتبات ضعيفة.
تحمي كثير من الحاضنات (الإسلامية كالإخوان وغيرها من الجماعات، أو حتى شلل اليسار) بعض هذه الحاجات النفسية، فجزء من آليات الانتماء لهذه التجمعات هو ما تحفظه للفرد من حالة من الانضواء تحت حلم جماعي قادر على التفكير والمشاركة فيه، وجزء من تجمعات القراء التي تجدها، وحرص المثقفين على التواصل، يقوم على محاولة الحفاظ على حيوية تلك الطموحات.
ففي مصر أشعر أنه بعد عقود من مسخ الهوية ومن الحط من قيمة الحلم، نتجت حالة من المنافسة المادية الشديدة، ليتحول أستاذ الجامعة إلى موظف يبحث عن زيادة الدخل في بيع الكتب، ويصبح طرح أي مساءلة رسالية مرتبطة بنشر العلم مساءلة لا معنى لها في ظل توحش الواقع وصعوبته.
يستغل العديد من الروائيين هذا التناقض الذي يظهر في المجتمع ليمارس عملية شديدة التضليل للقارئ، ويمكن تسمية هذه العملية: "نزع القداسة عن العالم".
 تتحول روايات الأسواني إلى روايات بشرية كما عبرت عنها إحدى القارئات، تحمل روايات كونديرا والتي تحتوي على نفس عدمي لا يمكن تجاهله، استخدام القسوة في التعبير حينما يقول: "إن حب الإنسان لكلب أفضل من حبه لإنسان آخر". هذا التغول في العالم المادي والذي ينتج عنه سخرية قاسية بأي شيء متجاوز حدود إدراكه في الواقع.
 بالنسبة لي كقارئ أدفع غائلة هذه الأفكار، وأقاومها بإعادة الاعتبار لمفهوم الحياة بما يتجاوز الحياة ذاتها، وما يتجاوز الحياة ذاتها ينبع ابتداء من الإيمان. لدينا إمكانية عظمى بوجود القرآن كنص مطلق بين أيدينا يفتح مغاليق النفس البشرية، هذا النص يمكن أن يشكل في بداية الدرب مفتاحًا للتصالح مع تلك الغمامة التي تتيه بالإنسان في حبال السرد، دون رده إلى أصل مانع، يفسر له ويعطيه ولو قدرة بسيطة على الحكم على جوهر الأشياء.
وبجانب ظاهرة انتشار الروايات أناقش صديقي، فيطرح لي استشهادًا من تهذيب مداج السالكين ويذكرني بمنزلة "اليقظة"، لعل اليقظة التي تحدث عنها ابن القيم تقاوم بها ما عبر عنه نجيب في قوله: "إن آفة حارتنا النسيان".
في النهاية -كما بدأنا- ينتهي بنا الحديث مع عم نجيب إلى قوله في أصداء سيرته الذاتية: "الحياة فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان، أما الموت فهو الحقيقة الراسخة".


2013-6-19 الدوحة

الخميس، 6 يونيو 2013

الكتب والتجربة

        
"كان تحمسي مفرطًا إلى درجة أني كنتُ أظن أنني سأصبح إنسانة غير سعيدة،
إن لم أعثر دومًا على كتاب جديد أقرأه".
تاريخ القراءة، ألبرتو مانغويل

منذ أيام سألنى صديقي سؤالاً غير متوقع، قال لي: "لماذا تقرأ؟". كان هذا السؤال الفأس مفأجاة لي غير متوقعة من صديق عزيز لا يحب القراءة، أخذت أنظر إليه وأنا أفكر في دافعه ليسأل هذا السؤال، وتوقعت أن يكون الشغف الذى أبديه ناحية المعرفة والكتب هو ما لفت نظره لمعرفة هذا العالم. ما دار  في عقلي ساعتها أنني شعرت بصعوبة السؤال وصعوبة الإجابة، وتذكرت حوارًا إذاعيًّا لبرنامج "في مكتبة فلان" مع صلاح جاهين، إذ سألت المذيعة جاهين: ما هي أسباب حبك للكتب؟ لم يجد إجابة، وأخذ يسخر بطريقته المعهودة، واستشهد ساعتها أن الشخص لا يستطيع أن يقول: أحب هذه الفتاة لهذه الخصائص كذا وكذا!
تشغل الكتب رصيدًا ثريًّا في الحياة الشخصية، أنت قبل دخولك عالم الكتب مختلف عنك بعد خروجك منه، هذه الأنا تضاف لها تجارب وحيوات من خلال هذا الحبل الذى تبنيه القراءة. لعبد الفتاح كيليطو قصة بعنوان: "صحيفة الغفران"، يحكى فيها عن سؤال عجائبي: هل في الآخرة مكتبات؟ تستمر القصة بتلك العجائبية لتنتهي بحكمة جميلة: أن البشر الذين لم يجدوا كتبًا تبادلوا صحائفهم للقراءة، ثم في النهاية يشعرون بخيبة أمل من أن يجدوا صحائفهم مرة ثانية؛ لأنهم سيكونون عاجزين عن التعرف على صحيفتهم، والتعرف على أنفسهم.
سأحاول وأنا أجيب على صديقى أن أشرح له في عبارات يسيرة سبب حبي للقراءة والكتب، سأقول له إنها تمدني بشريان تجديد يدفعني بعيدًا عن رتابة الحياة وتكرارها؛ فالكتب لا تنتهي، ولقاء كل كتاب جديد فرصة للتجديد الروحي والنفسي، سواء كان سياحة في بلد من خلال أدب الرحلات، أو سياحة في عقل أحدهم من خلال سيرة أو ترجمة، أو رواية يضع فيها الكاتب بعضًا من خلاصات التجربة وتأملاته. السبب المميز بالنسبة لي هو دهشتى المتكررة بمدى مشابهة الإنسان للإنسان، هذا ما تثبته الكتب والسينما، ثم تنفيه في الوقت ذاته؛ فهى تعطينا اتساع أفق في التجربة الإنسانية وتنوعها واختلافها، ودرجات اللون النفسي لهذا الإنسان العجيب، ثم نجد كم يشبهنا هذ البطل، أو كم كنا نود أن نكون في شجاعة فلان بطل الرواية أو من نقرأ سيرته! الكتب قوة دفع لفهم هذه النفس الإنسانية، والتسامح مع تنوعها العجيب، أو على الأقل المعايشة بالخيال.
أحد الأسباب المهمة بالنسبة لي هو الثراء وزيادة الوعي بالأنا وبالحياة، هذه النقطة خصوصًا تشكل خلافًا بين محبي القراءة وبين من لا يحبونها، الكثير يعتبر أن القراءة تسحب من تجربة الحياة العملية. بالنسبة لي أجد أن القراءة هي تجربة تضاف إلى الشخص من خلال الروافد المعرفية التى تمد الواحد به، وتشكل التجربة والخبرة الحياتية تجربة لا تقل أهمية؛ فالقراءة هي نشاط صغير يندرج تحت النشاط الكبير، وهو فعل الحياة نفسه، فلا يمكن مقايضة الحياة بالقراءة؛ لأنها مقايضة من غير ذات النوع. القراءة تعطي التجويد، أو تبحث حتى عن أسباب الحياة، لكن لا يمكن أن تكون بديلاً عن مادة الحياة أو عن البشر. نحن نقرأ لنستطيع أن نتواصل بشكل أفضل مع الآخرين، لا أن نتدرب على العزلة عنهم، يمكن التدرب على الوحدة في القراءة، لكن نعود للاندماج مع دوائرنا الصغيرة والمجتمع بحيوية أكثر، وبحالة نفسية أرقى، ودرجة عمق وتجويد لتجربتنا الخاصة.
تشكل التجربة محكًّا أساسيًّا للفهم، وللزعم بعد ذلك بوجود تجربة ذاتية فريدة لك تختلف عن الشائع بين الناس. أنت تقرأ عن الحزن في الروايات، لكنك تستطيع تحمله؛ لأنه حزن غير مؤذي، يشبه حزن أفلام الدراما، يمكن تجاوزه بعد مشاهدة الفيلم والخروج للأنوار في الشارع، أما تجربة حمل الهموم أو الحزن الشخصي فهي تجربة فردية، تسحب من الألم والتعب ومجابهة القلق ما لا يمكن فهمه إلا بعيشه، ومحاولة تجاوزه باعتباره عرضًا في الحياة يجب تجاوزه. الفارق هنا كبير بين ما نحصله بالقراءة وما نحصله بالحياة، لدينا مثلاً كتب عديدة عن تجربة الاغتراب، مؤخرًا طالعت كتاب الشمال المفقود لنانسي هيوستن، بثت فيه مقالات عن تجربتها في الاغتراب في فرنسا، كان شعوري وأنا أقرأ هو الفهم العميق لما تحكيه من تجربة لمروري بما يشبه هذه التجربة، كانت معايشة الظروف الحياتية وسيلة للشعور بعمق الكتب وليس العكس.
اللافت في الموضوع اعتراف سارتر  في مذكراته إلى حد بعيد بنفس التجارب والخبرات، فعندما قارن صور النباتات والحيوانات الموجودة في معجم لاروس الكبير، مع نسخها الأصلية الموجودة في حديقة لكسمبورج "جاردن دي لكسمبورج" في باريس، تأكد مما يلى: "القرود الموجودة في حديقة الحيوان كانت أقل قردة، والناس في حديقة لكسمبورج كانت أقل أنسنة، على غرار أفلاطون انتقلت من المعرفة إلى الموضوع، حيث وجدت في الفكرة واقعًا أكثر من الشيء نفسه. وفي الكتب تعرفت على العالم: مهضومًا، ومصنفًا، ومزودًا ببطاقة تعريف، متأملاً فيه وجبارًا".
أعتقد أن هذه المفارقة بين ما نعرفه بالقراءة وبين ما نعيشه بالتجربة هي الهاجس الأهم لكزانتزاكي في روايته زوربا، الصور المتقابلة بين الرئيس القارئ وبين زوربا الذى يرى الأشياء كما لو كان طفلاً يراها بدهشة المرة الأولى؛ فهو يجعل من الرقص رمزًا على فعل الحياة، يقول: "إن جمجمتي سميكة يا معلم، لذلك فإني لا أفهم الأشياء بسهولة، كنت أتمنى أن تعبر عن كل ذلك بالرقص، إذ لو فعلتَ لفهمتُ ما تقوله بسهولة"، ويتحسر ساعتها المعلم أو الرئيس القارئ وهو يقول: لقد ذهبت حياتي هدرًا...
لدينا جميعًا الفرصة لتجربة حياة أكثر فرادة بما تضيفه القراءة، يحكي محمد عفيفى مطر في مذكراته الممتعة التى أسماها: أوائل زيارات الدهشة: هوامش التكوين عندما بدأ تعرفه على عالم الشعر البالغ الرقة، فيقول إنه كان كان يقطع عدة كيلومترات بدراجته؛ لكى يزور صديقًا له يشترى والده الجريدة أو المجلة التى تنشر قصيدة محمود حسن إسماعيل، فيذهب إلى تلك القرية لينسخ القصيدة، وينعم بوجبة دسمة في بيت هذا الصديق. أتخيل هذا الباب الذى تفتحه القصيدة في عالم الطفل/القارىء من معارف وتشبيهات، وقدرة على معايشة الحال والحياة بأطوار مختلفة عن الشائع، تصبح القراءة بوابة لتميز الأنا، لزيادة لمعان العين تجاه أصول الأشياء؛ فلا يعود العامل الذى تراه عاملاً، ولا الفتاة التى تقدم الطعام في المطعم نادلة، بل هي حكاية وحكاية كبيرة غير مكررة، يليق بروائى أن يتتبع حياتها ويفهم تجربتها، فتصيبك شعور بإنسانية من تراهم يتحولون أمامك إلى أبطال مجهولين، تجعلك القراءة تستحضر مشاعرهم وأحزانهم، من أين يمكن المراهنة على أن القراءة تعطي رقة وأنسنة للحياة؟ لا أستطيع تقديم ما يثبت ذلك، وبداخلى خوف من التعميم؛ لمعرفتي بوجود طغاة قراء (تناقض مازالت أبحث عن حل له)! تكاد تكون قصة مطر مشابهة لقصص العديد ممن أصبحوا مؤلفين وأدركتهم حرفة الأدب بعد ذلك، لحظة تعرفهم على عالم الكتب العجيب، الكتب التى تشبه سلسلة ما إن تبدأ بواحد حتى لا تستطيع أن تنتهي من هذا العالم.

الحديث عن القراءة والمعرفة حديث يطول، يحتاج من القارئ مساءلة دائمة عما يكسبه وما يخسره من تلك التجربة، وما يدفعه من ضريبة. ما لدي اليوم هو شعور بالسعادة، السعادة التى تشبه الرضا، ليست تلك السعادة الخاصة بالمفاجآت، وإنما رضا بوصول الكتب لدينا، بوجود تجارب أعمق مازلنا لم نعرفها، بوجود تجربة جوانية وبرانية مازلنا نقف على الشاطىء فيها. لدينا فرصة لأن نصنع شيئًا في حياتنا، ثم ننقل تلك التجارب بما تحتوي عليه من أفراح وأتراح لمن بعدنا؛ فالكتب تعلم الإنسان التخلص من الأنانية ناحية المشاركة في تلك الحياة. ذلك الجمال الذى نكتشفه في الحياة لا يجب أن يتوقف عند بابنا، والكتابة - ابنة القراءة أو أمها - هي البوابة الأولى لمشاركة نصيبك من الجمال.