الاثنين، 27 أبريل 2015

ظل النديم (1)

"أنا أطلب حقائق في هذه الدنيا لا أستطيع أن أتخلى عنها أبدًا، وعلى رأسها حقيقة نفسي، أنا قضيت حياتي أعالج نفسي، أعالج أثر (دنلوب) في، أعالج أثر الاستعمار في قلبي، في ضميري، في عقلي، في نفسي، في نظري، في رؤيتي، أعالج أكبر المسائل في داخلي“. لقاء الأستاذ محمود محمد شاكر بإذاعة الكويت.
في جلسة واحدة تمتعت بمحاورة كتاب “ظل النديم أوراق وأسمار شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر رحمه الله التي لم تنشر من قبل”، للأستاذ وجدان العلي، فلقد اجتهد المؤلف في جمع هذه الأوراق والمسامرات قيامًا بحق الأستاذ محمود شاكر من جيل الشباب، ولم تقطع هذه القراءة إلا كؤوس الشاي.
ولعلي في هذا المقال أختار بعض هذه الملامح التي تعرض لشخصية الأستاذ محمود شاكر، مستعينًا بهذه الأوراق والمسامرات التي سعدت بجمعها في مكان واحد، وكثير منها ينشر لأول مرة ويخرج للناس، في لغة جميلة قدم بها الأستاذ وجدان، فالكتاب يجلو بعض الزاويا المغيبة ولا يستكثر من المعروف المعاد المكرر الذي يعرفه الناس، فالكتاب كما أراد مؤلفه ووضح ذلك “تأريخ مختصر لبعض الجوانب في شخصية شيخ العربية، سقاها المؤلف عبر الأخبار بعيدًا عن الاستقراء والاستقصاء”.
توفرت للأستاذ محمود شاكر المكتبة الوافرة، هيأها له والده محمد شاكر رحمه الله، وأخوه أحمد محمد شاكر، مع ما تمتع به من الذاكرة العجيبة التي تلقف كل ما يقرأ، وتواصله مع الأساتذة الكبار مثل الشيخ السيد بن علي المرصفي، وقد كان الشيخ المرصفي علامة ذواقة، وكذلك أثر مصطفى صادق الرافعي عليه، خصوصًا في نظرته للعربية وانتمائه للأمة، مع ما اهتم به من العناية بقضية الشعر الجاهلي وصحته.
امتلك محمود شاكر موقفًا حاسمًا في كل ما يخص العلاقة بالغرب، بدأ ذلك من تغيير اسمه (الأصلي) محمود سعد الدين إلى محمود محمد شاكر، لما كان يحمل من معارضة لمواقف سعد زغلول السياسية والذي أضر بالحركة الوطنية.
مع شدته في مناقشة المستشرقين كما يظهر ذلك في “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”، أو ما نقله الأستاذ وجدان عند حديث المستشرق الإيطالي نللينو ودعوته ليكون أستاذ كرسي الأدب في جامعاتها، فنظر إليه محمود شاكر قائلًا: “أنا لا أدخل بلادكم إلا غازيًا!”.
مع رفضه الحديث بالإنجليزية حتى مع الطبيب المعالج في لندن، رغم إتقانه لهذه اللغة في شبابه، فقد ترجم بعض القصائد من الإنجليزية وهو ما يزال شابًّا، قبل أن يتجه إلى تراث العرب.
ولو أردت أن تتضح لك أحد ملامح شخصية الأستاذ محمود شاكر، فهي عزة النفس والأنفة والكبرياء، دون استطالة على خلق الله، فلقد أنف من انتظار سوزان مبارك في أحد الاحتفالات بسبب تأخرها عن الموعد، وانصرف وهو يصيح: هؤلاء الناس لا يحترمون وقت أهل العلم!
ووقف ينهر المثقفين قائلًا: “لو كنتم تحترمون أنفسكم لقمتم! هؤلاء لا يحترمونكم!”. رحمه الله، فلقد كان من أحرار العرب.
الملمح الثاني، هو حبه للعلم وتبتله في محرابه، خرج من مصر في ريعان شبابه عازمًا ألا يعود إليها بعد خلافه مع طه حسين، ورفضه أن يدخل مكانًا يسمع فيه الكذب، يقصد الجامعة، فارًّا من الثرثرة في مجتمعنا وفساد الحياة الأدبية، أمثال هذه الثرثرة ثرثرة التعليم في مدارسنا ثم ثرثرة رجال السياسة وثرثرة أقلام الصحافة، وثرثرة أهل الأدب والفكر وثرثرة الطوائف من أصحاب الديانة، وما لا يحصيه عدًّا من أنواع الثرثرات.
ولم تكن جزيرة العرب مغرية لا بالمال ولا بشيء، وإنما كانت هجرة من القلب، باحثًا عن صفاء العقيدة وفرارًا من أثر حضور المحتل في بلاد المسلمين.
ولقد فرغ من شأن الدنيا في قلبه، يأنس برفاقه الذي يقول عنهم باكيًا تتهادى عبراته أثناء كلامه: “إنهم الذين آنسوا غربتي، ونفوا عن نفسي القلق، وأرضوني بهذه الحياة التي نحياها، وبثوا في قلبي الأمل، وهم على قلتهم كانوا يعطونني من مودتهم ومن إخائهم ومن رعايتهم -ولا أقول هم فقط، بل حتى الذين غيرتهم الأيام علي بعد سنين طويلة- قد كان لهم فضل كبير في أن أبقى ملازمًا لطريقي الذي اختطته منذ كنت طالبًا”. إلى آخر حديثه الممتع والذي نقله الأستاذ وجدان صفحة 38.
وهؤلاء الأصدقاء هم الذين صبروا عليه وعلى حدته، فها هو يحيى حقي يحكي أنه بعد صداقته مع محمود شاكر قال له أبو فهر: “اذهب فقد أجزتك”.
ويستأنف يحيى حقي: “ولا تظنوا أني لم أدفع ثمن هذا من كلمات التوبيخ والشتم والإهانة وتسليط أفظع الألقاب علي”. فيضحك أبو فهر ويضحك يحيى حقي.
وهو يهتم بأمور تلاميذه ويشجع الطناحي على إكمال رسالة الدكتوراه، ويوصي أحد أصدقائه القدامى بزوجة الطناحي الأستاذة عنايات، ويصفها بابنته أثناء سفرها وزوجها إلى المملكة العربية السعودية، ويسهل لتلميذ آخر السفر للعمل في الكويت، ولقد تذكرت عندما قرأت هذه الشواهد ما حكاه نجيب محفوظ في أحد الحوارات معه، عن شيء أعجبه في طه حسين، فقال إن طه حسين كان يذهب بتلاميذه إلى الدواوين الحكومية يبحث لهم عن عمل ويساعدهم في ذلك.
مع ما طبع عليه من الوفاء لأساتذته، ومثال ذلك: رثاؤه للرافعي ولأخيه أحمد شاكر، وبكاؤه على محمود حسن إسماعيل وتذكره يحيى حقي في حواراته، ومما التقطه الأستاذ وجدان ببراعة، ما نقله من نعي الأستاذ محمود شاكر للأستاذ رجب إبراهيم الشحات المعيد بجامعة الأزهر، ولن أفسد وصف الأستاذ شاكر بتجزئته فليرجع له في موضعه صفحة 61 من الكتاب، فلقد كان الأستاذ وفيًّا يذكر ويثني على كل من عاونه ويعترف بالجميل.
كان يخرج من بيته لا يعرف أجر سائق التاكسي، وكل ما يصحبه مصحف في جيبه هذا، والحماسة في جيبه الآخر!
ويوم أخذ مال جائزة الملك فيصل دفعه إلى الحاج محمود المدني، ليطبع كتبه على الوجه الذي يطمع فيه الأستاذ جودة وإتقانًا، وما كان يحفل بما عليه الناس من الطبقية المقيتة، فمائدة طعامه يجلس عليها الوزير بجانب عم أنور الحلاق.
ولقد تنبه الأستاذ وجدان في عرضه لملمح من شخصية أبي فهر، وهو “الخوف من رب العالمين”، وساق شواهد ذلك من مواقف الأستاذ في حياته، والتي تدل على تعظيمه الله عز وجل.
ثم ما في شخصيته من الرقة وسرعة البكاء ومشاعر الأبوة والحنان، فكان ينام على الأرض حتى لا يزعج القط الذي نام على سريره، وينام على الأرض في جوار الحرم بمنزل تلميذه محمود محمد الطناحي، رهبة من جوار الحرم، وخوفًا من مضاعفة الآثام، ويردد قوله تعالى: “ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم”.
ومثال أبوته الحانية عندما زاره صديقه الشاعر محمود حسن إسماعيل فيجد محمود شاكر صديقَه مريضًا جدًّا، فيمنعه من النزول، وكان لدى محمود حسن إسماعيل موعد في الإذاعة واتصلت الإذاعة به، فأنقذ الموقف بأن ذهب هو يلقي قصائد صديقه حتى لا تتدهور حالته الصحية.
وهو شديد الحياء من أعين الناس إذا صمتوا وتوجهوا بأبصارهم إليه، عبر عن ذلك في مجلسه في بيته وفي لقائه مع طلبة الجامعة، وفي مقدمته لأحد كتبه عن عجزه عن إلقاء الحديث في أعين الناس، فهو رجل صنعته القلم والكتابة.
كان يعتري شخصيته الحدة والثورة وضيق الصدر وسرعة الغضب والشدة في الرد، كما فعل مع لويس عوض في كتابه أباطيل وأسمار، لكنّ أبا همام د.عبد اللطيف عبد الحليم يشبه أبا فهر بثمرة جوز الهند، وهو تشبيه جميل؛ فهي ثمرة قاسية صلبة في خارجها، بينما طيبة عامرة في أعماقها.
مع تنوع مجلسه من حضور الشخصيات من كافة المذاهب والتيارات مثل مجدي وهبة المسيحي، ومحمد جلال كشك الشيوعي قبل أن يتحول للتوجه الإسلامي؛ إلا أن سب الصحابة أو الحديث عنهم بسوء كان بمثابة الخط الأحمر في مجلسه، وعبر عن ذلك في رده على مقالات لسيد قطب حملت عنوان “لا تسبوا أصحابي”.
كانت القراءة لذة محمود محمد شاكر الوحيدة في الحياة، فكان لا يترك الكتاب إلا قليلاً للصلاة أو طعام وما يكون من شأن الإنسان في يومه ومع أسرته.
والأستاذ محمود شاكر كان منتبهًا لتفشي عدوى الزهد في العلم والقراءة، ولكنه لا يقع في وهم الحنين إلى الماضي في بدايات هذا القرن؛ بل يوضح في مجلسه ما احتواه هذا القرن من عيوب كبيرة جدًّا.
وهو يعلق في أحد أسماره عن قضية الفارق بين نسب القراءة في العالم العربي وبين الغرب بأنه لا يوهم نفسه بما يجري في العالم الآخر، فالذي يجرى عنده هو المهم، أما ما يجري في العالم الآخر فنستقبله عبر الكلمات، وليس عن طريق الخبرة، لا أنت تعرفينه (يقصد السائلة)، ولا أحد يسافر، فهم يتحدثون عن شؤون أنفسهم، ثم يوضح الخلط بين عالمين، أحدهما يقصد الغرب قذر وشرس ومتوحش، ويريد أن يقضي على العالم كله ويسلبه كل قواه، والآخر يجلس “غلبان” ليس معه شيء، ويقول: العالم الآخر بيعمل كذا!
وفكرته عن مسألة التخصص في العالم العربي جديرة بالتأمل، فيقول: “ليس عندنا متخصص بالمعنى الذي يفهم عند الغرب؛ لأن المتخصص هنا مثلًا في الهندسة عبارة عن مهندس يعرف بعض المعارف في الهندسة، ومنعزل عن العالم تمامًا، حتى نفسيته ماتت من الداخل، ليس بإنسان ولا قارئ، ولا ينظر في الأدب، ليست له علاقة بشيء، بل هو رجل يعمل على قدر ما لديه، التخصص شيء آخر عندهم، لكنه عندنا هو الانحصار في دائرة العبودية الصغيرة التي تعمل فيها جزءًا من آلة!”.
ثم يفصل في معنى الحضارة والثقافة والانتماء، ويصف الداء بكون هذه الأمة بلا لغة تجمع اهتمامات كل البشر الذين يعيشون على أرضها، بآدابها وفنونها وتاريخها وماضيها، ليس لها شيء تنتمي إليه.
وفرت له زوجته أم فهر جوًّا أسريًّا سمح له بالتفرغ للعلم والمعرفة، وكان يستوحش إذا سافرت أم فهر إلى بلدتها، ويرسل في طلب تلميذه عبد الحميد البسيوني ليبيت عنده، ولقد كتبت عنها الأستاذة عايدة الشريف في كتابها الجميل “قصة قلم”، وقدم لنا الأستاذ وجدان في هذا الكتاب رواية الأستاذ محمود شاكر لقصة زواجه رواها وهو يغالب دمعته، ختمها بأنه: “منذ عام 1943 إلى يومنا هذا (كان هذا الحديث عام 1983)، في رعايتها لكنها لم تأخذني من معدتي كما قال محمود الطناحي، ولكنها جمعت حولي الأمعاء كلها (يقول هذا ضاحكًا لما اشتهر عنها من الطعام اللذيذ)، فهي صاحبة البركة في هذا البيت”.
وهي التي رفضت بيع مكتبته وفاء له، فذهاب المكتبة عندها أعظم على قلبها من ذهاب صاحبها، وقطعت على نفسها عهدًا بالحفاظ على مكتبة الأستاذ محمود شاكر ما دامت حية، مع ما عرض عليها من إغراء بتحديد أي مبلغ لبيعها.
كان محمود شاكر معلمًا للأمل، فرغم حديثه المتكرر عن الظلام والتيه الذي حدث للأمة، لكنه ما فتئ يكرر الحديث عن الضوء الذي سيأتى يومًا ما، ولكنه يوضح بأن الأمل لا ينقطع؛ لأن تدبير الله تعالى لملكه لا نعرفه نحن، ولا يخدعكم الأوربيون.. فقد كانوا حتى القرن السادس عشر والسابع عشر في أحط أنواع الحياة البشرية.
وكانت رفقته تبث الأمل في قلبه بأن يكون لهذه الأمة في يوم من الأيام خطر كالذي كان لها فيما مضى، وحكى الأستاذ حمدي إمام وهو من تلامذة العقاد، بأن الأستاذ محمود شاكر أعطى له ولشوقي هيكل ولعايدة الشريف هذا الأمل، فقد عرفه كثير من الأصدقاء والناس في فترة خيم فيها اليأس على كل شيء، بعد أن فقدنا كل شيء وجئنا إلى محمود شاكر ووجدنا منه الجد والاهتمام، ووجدنا منه إعطاء الأمل وعدم اليأس فأعدنا ثقتنا بالحياة مرة أخرى.
كانت هذه الحلقة الأولى من بعض القطوف في حياة شيخ العربية والتي أسدى لنا الأستاذ وجدان العلي خدمة بجمعها والعناية بها، ولقد شعرت بالخجل والحياء أن أتعرض لسيرة شيخ العربية، لكن ما وهبني الجرأة هو حق جيلي بالتعرف على آثار الأستاذ وإعادة مدارسة تراثه، والتعرف من طريقه على تراث العرب وزيادة الثقة بما تركه لنا الأوائل والتخلص من عقدة النقص والشعور بالدونية.
يتبع..

الأربعاء، 22 أبريل 2015

كنوز الأجداد


“ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الأدب منها، وأكرر سؤالًا أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه الكتب؟ كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءًا بالمفضليات والأصمعيات، وانتهاءً بالكشكول والمخلاة للعاملي، وقرونًا بين ذلك كثيرة: دواوين الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأمالي والمجالس، وكتب المعاني، وكتب الأمثال: تجارب أمم، وعقول أقوام استودعوها بطون الكتب، وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين، حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء.
وقل مثل ذلك في سائر علومنا: تفسير القرآن وعلومه، ودواوين السنة، وكتب الفقه وأصوله، وعلم الكلام والتصوف، والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة واللغة والنحو والبلاغة، فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلًا عن اقتنائها؟”. مقالات الدكتور محمود محمد الطناحي/ ج1، ص 262.
كان من حظ جيلي، أو على الدقة من سوء حظه أن تنحدر مراحل التعليم ويتعلموا في مدارس لا تعلم عربية ولا إنجليزية، ليخرجوا وقد عانوا من عدم القدرة على كتابة فقرة طويلة صحيحة بدون أخطاء إملائية، أتذكر الأستاذ الذي لا يحسن الشرح أم المكتبة المدرسية التي لا نعرف الطريق إليها، تعليم مجاني لا يعلم شيئًا وجامعة يعاني أكثر أساتذتها من العامية وضعف الثقافة.
عندما يفيق الإنسان في مرحلة ما في حياته -دائمًا ما تكون متأخرة-، بسبب قصة أو موقف أو تجربة ذاتية أو كتاب فأس قرأه، فيكتشف أنه لم يتعلم شيئًا وأن عليه أن يبدأ بتحصيل معرفة صحيحة سليمة للغة الكتاب الذي يقرأه في صلاته، ولتراث الأمة التي ينتمي إليها، يشعر بجرح نرجسي أو تخنقه العبرة (كما يقول الأدباء)، ويتمنى أن يستقيم لسانه على قراءة القرآن قراءة صحيحة، وأن يفهم ديوان العرب وأيامهم، ويحاول أن يفك طلاسم الأبيات، وأن يعيش مع كتب كتبت من القرن الثاني الهجري ونقلها لنا رواة أوفياء بعلم الرجال وأسانيد متصلة تحفظ حتى الشعر من الانتحال!
يخاف أن يفقد ميزة هذه الذاكرة التاريخية لتراث العربي الذي قل أن يحدث مثله في تراث الأمم والحضارات، يقول عبد الفتاح كيليطو في كتابه لن تتكلم لغتي: “من البدهي أن الذاكرة الأدبية مختلفة عند العربي عنها عند الأوروبي، فإن ذاكرة العربي تبدو أطول من ذاكرة الأوروبي: إنها تخترق خمسة عشر قرنًا وتمتد إلى المعلقات، إلى الشنفرى ومهلهل بن ربيعة، بينما لا تتجاوز ذاكرة الأوروبي (اللغوية – الأدبية) خمسة قرون. فبالنسبة إلى الفرنسي مثلاً، يبدأ الأدب الفرنسي المقروء مباشرة مع فيييون، شاعر القرن الخامس عشر، ثم يتواصل مع رابلي ومونتيني، أما كتاب القرون الوسطى، فلن يستطيع الفرنسي قراءتهم إلا مترجمين إلى الفرنسية الحديثة، لكن العربي لن يجد صعوبة تذكر عند قراءة ابن المقفع أو التوحيدي. صحيح أن قراءة أبي تمام ليست هيّنة، بيد أنه عند التدقيق نلاحظ أن هذا الشاعر كان يبدو عسير الفهم حتى لدى معاصريه، ولهذا السبب قام المعري والتبريزي بشرحه فيما بعد. من يستطيع اليوم قراءة نزار قباني يستطيع قراءة العباس بن الأحنف، ومن يقدر على قراءة صلاح عبد الصبور يقدر على قراءة صالح بن عبد القدوس، ومن بوسعه قراءة زقاق المدق بوسعه قراءة كتاب البخلاء. وهذه ظاهرة غريبة عجيبة، قل أن نجد لها مثيلاً لدى شعوب أخرى”.
حتى فسدت الذائقة، وأصاب الثقافة العربية زلزال جعل ثقافتها تتصدع، حتى وصل الأمر إلى روح الفنان فبات ينبض قلبه بنبض أجنبي عن تراث فنه.
هذا الحجاب عن التراث والمخاصمة المعرفية لأدب العرب، منعتني ومنعت الكثير من أبناء جيلي من تذوق الشعر الجاهلي، هذا الشعر والبيان الذي بلغ ذروة ما يمكن أن يصل إليه البيان الإنساني، فشِعر هذا العصر الجاهلي هو أصل الشعر العربي في القرون التالية له، وجعلتني أعيد نداء الأستاذ محمود شاكر في توضيحه سبب كتابته لكتاب “نمط صعب ونمط مخيف”، في قوله: “ومآل هذا الأمر كله إلى ناشئة الشعراء المحدثين والنقاد، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها، وشرفها، وجمالها، وفنها، لا ينبغي أن يضللهم عنها، أو يبعثر إليها خطاهم، من عمد إلى إرث آبائهم من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى يوم الناس هذا، فسماه لهم (تراثًا قديمًا) ليجعله عندهم أثرًا من الآثار البالية، محفوظًا في متاحف القرون البائدة، ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء الزجاج ثم ينصرف”.
ثم يفصل فيمن يتاح له أن يطأ هذا الضلال بكبرياء الفن وعظمته، فيذلل لمن بعده وعورة الطريق ويزيح من مجرى النهر المتدفق من منابعه الخالدة كل ما يعترضه من صعاب، أشدها وأعتاها: التوهم والخوف، واستطالة الطريق، والعجلة إلى شيء، إن صبر على امتناعه اليوم، فهو بالغه غدًا وحائزه.
هكذا يدلنا خبير بالطريق وفنان بدروبه الوعرة إلى النبع الصافي، إلى تراث أمة متصلة بلغة عظيمة، شرفها الله بنزول كتابه بها،
أشعر بظمأ لتراث العرب، وللتتلمذ على تراث أعلام هذا التراث الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، أبي تمام، ابن تيمية، الشافعي، وأبي حنيفة، ابن حزم وأبي هلال العسكري، عبد القاهر الجرجاني وأبي علي القالي، المبرد، الأصفهاني، ابن قتيبة، ابن خلدون، الجويني… قائمة تطول بأسماء الأعلام والأدباء والفقهاء والفلاسفة والمتكلمين المساهمين في البناء العقلي لتراث هذه الأمة.
هذا التراث ليس للزينة، وهذه الكتب ليست لجدران المكتبات، وإنما هي قيم أمة نهضت وتفانت في المساهمة المعرفية، وحب الحكمة، وما الشأن في الوريث أن يمدح بما ورثه، إنما الشأن فيه أن يثمر ما ورثه، كما يقول محمد الشيخ في زيارته الجميلة للمدونة الصوفية في كتابه الحكمة العربية.

طنطا الدوحة بدون ترنزيت

لعل القراءة والسفر ساهموا في  تنمية حاسة الوعي الذاتي، أقصد بالوعي الذاتي سرعة إدراك الفروق في نمط الشخصية وتعديله إن لزم الأمر، ولعل سنتين أكملتهما منذ عدة شهور في غرفة في قلب عاصمة مثل الدوحة أتاحوا لي درجة من الوعي الذاتي وتجربة في مقتبل حياتي أحمد الله عليها.
ولعل القارئ يعذرني أن أقتحم عليه في هذا المقال بتجربة شخصية حجتي فيها أنها تعرض حياة جيلي في صورة أحد أفراده. تخرجت من كلية الآداب بتفوق وبلغتني الجامعة أنها لا تحتاج إلى متفوقين أو باحثين وأن مكاننا لو كنا محظوظين مكاتب شؤون الطلاب، ولعلك عزيزي القارئ ينقبض قلبك بأن تسمع كلمة شؤون الطلاب كما انقبض قلبي وأنا أرى صورتي كباحث أو أستاذ جامعي يطور أوراقه البحثية ويعلم الطلاب تتهاوى في ممر كلية الآداب التي لا أترحم على أيامها.
سقطت هذه الأحلام مرة واحدة ولعل من قال إن في الوقت الذي يُغلق فيه باب يفتح باب آخر لم يكن مخطئا؛ فتجربتي شاهد على هذا الأمر، أغلقت الكلية أبوابها فكانت الدوحة، وجهة عمل جديدة لشاب حديث التخرج بدون خبرة عملية وببعض عناوين الكتب ومحبة للمعرفة يتزلف بهذا الحب أن يكون في زمرة عمل بحثي أو ثقافي.
أفكر في سرعة مرور العامين وأقول كم من الخبرة الحياتية كانت هدية لمشقة الغربة، عوالم تفتحت، لعل تجربة العمل تفتح للإنسان احتراما للذات ولمن يتعامل معهم، وبما أن قيمة المرء ما يحسن، وهذه القيمة لا تأتي إلا بالعمل، فقد كان العمل إضافة في تجربتي على بساطتها.
ثم ما كان من تنوع الدوحة وما يمكن أن أسميه إمكانيات المدينة المعرفية، وصلت الدوحة في نهاية 2012، تقدم الدوحة كمية لا بأس بها من مؤاتمرات سنوية في كافة المجالات تقريبا، تفتح للمهتمين فرصة اللقاء المعرفي بأئمة التخصصات الإنسانية والطبيعية، كم كانت فرحتي بسهرة على جانب مؤتمر مع مترجم قدير قدم للقراء العرب كمية يحسد عليها من الأدب الأسباني، هذه اللقاءات المعرفية ووجود المراكز البحثية في المدينة الفتية ساعد على الثقة بالنفس والانفتاح على الاختلاف بكافة أنواعه.
تقدم المدينة نوعا من الهدنة من صراع المشكلات الداخلية، قدرا أكبر من لقاء النفس ومراجعتها لا يخلو من ملل وسأم في بعض الأحيان، لكن طبع المدينة (رايق)، هل يمكن أن يكون السبب هو شدة الحر، أم الراحة المادية لأهلها عدا العمال جعلتهم يعيشون حياة لا يسود فيها الضجيج ولا يقلق بعضهم من بعض بسبب لقمة العيش، ولا يمكن أن أغفل عامل الأمان الذي غلف حياة شخوص هذه المدينة، وجعلهم في راحة قد تؤهل بعضهم أن وعى بدوره وبحياته لتنمية مهاراته سواء كانت لغة جديدة يتعلمها أو رياضة يتقنها أو دراسة يكملها.
مع هذا اللقاء المعرفي للمتخصصين، كان هناك لقاء لمجموعة ثقافات مختلفة تعيش حياة متوازية في ذات المدينة، ففي الجلسات التي يغلب عليها الموريتانيون كان الأدب والشعر وحيل الفقهاء وألغاز الشعراء والأبيات وجماليات التعبير، ولا ننسى الشاي الموريتاني المسكر الذي غلف هذه الجلسات بهدوء البادية وراحة بال أهل الصحراء وتعاملهم السلس مع الوقت، وعادة الونس بالحديث والمشاركة التي يشتركون فيها مع أهلنا في السودان.
على هامش المدينة في مقهى صغير وعن طريق عدة أصدقاء مثقفين ترجع أصولهم من إريتريا، كان التعرف على مأساة هذا البلد الصغير، ولا أنسى حجي جابر وروايته سمراويت، وما فتحه بتجربته وحكيه المحبب من تنوع في التعرف على تجربة الإريتريين في السعودية.
ولا يمكن أن يغفل المغترب تنوع الطعام الذي فرضه تنوع الجنسيات، فكان التعرف على ثقافات العديد من الأقطار العربية عن طريق طعامها ومطبخها من المطبخ الخليجي إلى المطبخ اليمني، مرورا بعلاقات التأثير والتأثر بين المطبخ الخليجي والهندي، ولا ننسى الطعام الآسيوي الذي لم أستطع التصالح معه، كل هذه المطابخ وما تخللها من حكايات على الأطعمة، قد تتفتح لك شخصية الأردني على جلسة منسف أو المغربي على شوربة الحريرة والكسكسي، أو تجد السعودي في راحة بال وأنتم تتعرفون ثقافيا ومعرفيا وبينكم المندي، تجربة جديدة لا أمل من تكرارها سواء كان الزيت والزعتر إلى القهوة العربية المرة، والتى تحلو بتمرة تذوب في فمك كالفرج بعد الشدة، أو يتلون المذاق كتلون الحياة بالضبط.
في بلدة لا يوجد بها وسيلة مواصلات يزداد الاعتماد على السيارة الشخصية، ويزداد الوزن ويهتم الناس بالرياضة حفاظا على أجسامهم من الترهل، لم أستسغ أندية الرياضة (الجيم)، لكني أحببت السباحة وتعلمتها على هامش حياة هذه المدينة مثلي مثل كثيرين تعرفت عليهم تعلموا التنس أو الأسكواش أو غيرها من الرياضات على هامش نمط الحياة الهادئ والحاجة إلى رياضة وحركة للجسم من خمول السيارات وألم الظهر والرقبة بسبب العمل على المكاتب.
يصل الإنسان مدينة ما في الوقت المناسب لتوقيت نضجه الداخلي، يتزامن الوقت وتفتح له المدينة فرصة ما يكون لديه بعض الاستعداد الداخلي لتلقي إمكانيات هذه المدينة، كل هذا يجري وفق قدر الله وعنايته، فتنضج بعض ملامح الشخصية لشاب بين أروقة العمل والدراسة والاحتكاك والتنوع في الألوان والأذواق والأفهام.
ماذا يبقى في وجدان الفتى؟
يبقى في وجدانه خبرة وجدانية اكتسبها بحياة كانت مزيجا من المشاركة والتعارف بين الناس وبين التحفظ والوحدة، يبقى له شعوره بقدرة الإنسان على تغيير نمط حياته إلى الأفضل أو الأسوء حسب الإرادة، يبقى له أن اختيارتنا هي قدرنا يظلل ذلك إرادة الله وسعي الإنسان في تجارب جديدة، وأنماط عيش مختلفة، يبقى له تنمية حاسة السياحة في الأرض حتى إنه فهم كلمة برنارد شو: “دعه فإنه يحسب عادات قبيلته قوانين العالم”.
يبقى له تنوع في الألوان، تجعل ما بين الأبيض والأسود مساحة للتفاهم ومنطقة للطمأنينة، ليست حبا في الرمادي؛ بل تفهما لوجود ألوان أخرى في حياتنا وحيوات الآخرين.
عزيزي القارئ سافر لتكتشف عالما ما داخلك قبل أن يكون خارجك.

شاهدة ربع قرن

في صباح أحد الأيام، في فرع مكتبة الهلال بطنطا، وجدت كتابًا صغير الحجم، على غلافه صورة الأستاذ محمود محمد شاكر يتصفح كتابًا. كان الكتاب بعنوان “قصة قلم”، يحكي تجربة محمود محمد شاكر، من رائدة من رواد صالونه الأدبي الأستاذة عايدة الشريف. بعد هذا التعارف الأول الثري، وجدت في زاوية من زوايا دار المعارف بطنطا نسختين قديمتين من كتاب بعنوان “شاهدة ربع قرن” لعايدة الشريف؛ فاهتبلت الفرصة وخرجت مسرورًا بنسختي ونسخة لصديقي، وتم التعارف، ووجدت في شهادة الأستاذة عايدة الشريف تجربة جميلة في مصاحبة رجال الأدب والفن.
لم تكن عايدة لتعد الكتابة أحد أحلامها يومًا ما، فقد كان حلمها الأوحد في الحياة أن تكون رسامة، رغم أن ما رسمته من ملامح شخصية لكثير من رجال الأدب لم يبعدها عن الرسم ولا عن الفن، أو حلمها الثاني أن تكون قريبة من عالم الطيور؛ فقد كانت شديدة الشغف بكل ما يخص الطيور، ولعل هذا الشغف المبكر يفسر اسمًا لأحد كتبها بعنوان “الإنسان الطائر”، هل وجدت عايدة في عالم الفن والأدب تحليقًا من نوع مختلف؟!
سجلت عايدة الشريف ذكرياتها عن ربع قرن عاشته بين أجواء المثقفين والمبدعين، بدأت ملامح هذه الشهادة من عام 1957 إلى عام 1982، سجلت ملامحه في كتابها في فترة إقامتها في الكويت ونشرته لدى مجلة الدوحة، كانت عزلتها في الكويت وهدوء الذهن وصفاء البال مشجعًا لها على إتمام هذه الصور الشخصية المترقرقة في داخلها وإعادة شحن الذاكرة  بالمواقف.
لعل النبع الذي فتح لعايدة الشريف الكثير من آفاق الثقافة هو أخوها يوسف الشريف، الصحفي ومؤلف الكتاب الجميل “مما جرى في بر مصر”، والناقد الدكتور محمد مندور؛ حيث تتلمذت عليه في معهد الفنون المسرحية قسم النقد. كان مندور يطلق على عايدة “شيخة حارة الدنيا”؛ فقد كانت تساعده في التعرف على الناس وتكون معه في المؤتمرات والندوات، فضلًا عن القراءة له عندما ضعف نظره، فضلًا عن بيت والدها العالم الأزهري الذي دأبت على الدخول إلى صالونه طفلة تثير الضحكات وتشاغب المشايخ والمطربشين.
عثرت عايدة على رواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، بترشيح من أستاذ اللغة العربية في مدرستها، قبل أن يشتهر نجيب محفوظ ويملأ الدنيا ويشغل الناس؛ فأحبت روايات نجيب وبدأت تبحث عن أعماله الأخرى. هذه الإشراقة في حب الأدب ما كان لها أن تكتمل إلا بدور لمجلة الآداب البيروتية، والتي تعرفت عليها عن طريق بهاء الطاهر، يومها كان طالبًا بكلية الآداب، ومعه الناقد الشاب وحيد النقاش (أخو الناقد الشهير رجاء النقاش، كتب عنه ماهر شفيق فريد).
انقلبت عايدة من تحت ظلال الزيزفون إلى ظلام في الظهر، قطيعة مع عالم المنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبد الله وجيل الرومانسيين الحالمين إلى واقعية نجيب محفوظ ولقطات يحيى حقي، قطعت عايدة حديثها مع ماجدولين لتتحدث مع تشيكوف بكل قسوة التصوير ودقته، وهكذا توازى مع مرحلة بناء الذات المعرفية وجود مجلة ثقافية مهمة يكتب بها الكثير من المثقفين العرب. أضف إلى ذلك، الشلة الأدبية في بوفيه كلية الآداب؛ حيث يجتمع الثلاثاء من كل أسبوع صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وبهاء طاهر ورجاء ووحيد النقاش وسمير سرحان وسليمان فياض وغالب هلسا وسيزا قاسم، وفي بعض الأحيان شكري عياد بعد الفراغ من محاضراته، وغيرهم الكثير من المثقفين الشباب.
أفكار تشغل هذا الجيل تجد في يوم الثلاثاء وبوفيه كلية الآداب متسعًا لها.
تسجل عايدة في شهادتها فصلًا طريفًا عن ملف زيارة سارتر للقاهرة عام 1967، وتكشف عقد النقص في مجتمع المثقفين، وكيف تم استقبال سارتر بحفاوة منقطعة النظير كمدافع عن حقوق العرب، رغم أنه لم يعلن ذلك، وكشفت هذه الشهادة مدى عدم معرفة توفيق الحكيم بأفكار سارتر؛ فقد كان يرى في القول إن سيمون دي بوفوار خليلة لسارتر تشنيعًا على سارتر وعلى الثقافة الفرنسية!
جمعت عايدة بشهادة الروائي خيري شلبي بين الصلابة وقوة الشخصية، وبين بطانة فطرية من رقة أنثوية راقية ونفسية صافية، لذلك؛ كان لها حضور قوي في مجالس وصالونات الثقافة، كصالون محمود محمد شاكر، وعباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، وكامل الشناوي.
أتاحت لها صداقتها مع عالم المثقفين أن تقدم شهادات عن تطور الحياة الفكرية لكثير من المثقفين بعيدًا عن عالم النميمة، بل شهادات عن كواليس الكتابة والقراءة. دلفت إلى صالون الأستاذ محمود شاكر عام 1971 في لقاء الجمعة، وكانت تستثير دفين ذكريات الأدباء والفنانين، كالذي تستخرجه من صاحب القنديل يحيى حقي، عن تاريخ الأوبرا والرواية والقصة وعطر الأحياء الشعبية. ولعل في كتابة عايدة الشريف في كتابها “قصة قلم” ملمحًا من ملامح الوفاء في علاقتها مع شيخ العربية؛ فكم قصر تلاميذ الشيخ في ذكر حياته وأعماله، إلا ما كان من صاحبه يحيى حقي الذي ما فتئ يذكر فضل محمود شاكر عليه في إذاقته حلاوة العربية وإيقافه على أسرارها ودقائقها.
محمود شاكر من أنقى وأصدق ما في تاريخنا الثقافي هذا القرن، ولعل هذا النقاء والصدق والمعرفة الجادة في حياة الرجل، قد طبع على كل من كان قريبًا منه ملامح من هذا النقاء والثقافة؛ فلا هو مسؤول يطلب منه القرب أو عطية أو منصبًا، بل مثقف حقيقي وعالم مهموم بشؤون أمته. وأحق ما يقال عن محمود شاكر، ما ذكره الطناحي من مقدمة شاكر لحياة الرافعي: “لقد صار شاكر ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوي إليه”.
لعايدة نصيب من خصلة الوفاء، في تذكرها أستاذها ورجالات الثقافة في ربع قرن من تاريخنا الثقافي، وأي ثقافة في أي مجتمع تقوم على أعلام ورموز وظروف؛ فهم حياة أعلام الثقافة مقترنًا بالظرف التاريخي، يفتح لنا باب الوعي بالتاريخ الثقافي والمجتمع في شريحه من شرائحه ألا وهي شريحة المثقفين.

أحمد حسين: البدايات والنهايات

كتب أحمد حسين مذكراته كفرد عادي باحثًا عن سيرته بين هؤلاء الأفراد، وقد وجدهم اللبنة التي يقوم بها أي بناء، ووجد في تسجيل قصته صفحة أو وجهًا من وجوه الحياة الاجتماعية والتاريخية لمصر في فترة ما من تاريخها.
ولقد عاش أحمد حسين بروح الفنان المناضل، تورط في السياسة لكنها قوّت لديه حاسة الفضيلة الخلقية بأن يقاوم الفساد، وأن ينشد عالمًا أفضل من العالم الذي ولد فيه، فلقد ولد عام 1910، تحت قبضة الإنجليز وحكومات القصر، وتفتح إدراكه على ثورة 1919 ونتائجها في المجتمع مازالت حاضرة، وشارك مع رهط من الشباب المصريين في بداية الثلاثينيات العمل السياسي، بمشروع القرش مع فتحي رضوان صديقه المقرب، فقد بدأت صداقتهم القديمة منذ عهد المدرسة الثانوية ولم يكن أحمد حسين ليستطيع أن يبتعد عن فتحي رضوان حتى في الإجازات المدرسية، فيتواصلون بالرسائل ويتشاركون عناوين الكتب والروايات وأخبار السياسة والتمثيل، هذه الصداقة وصفها أحمد حسين بأنها محور حياته العاطفية كلها، وامتدت هذه الصداقة إلى المشاركة في العمل الحزبي عن طريق حزب مصر الفتاة، والجامع بين الرجلين حس النضال ودفاعهم عن المجتمع بكل ما أوتيا من قوة، خصوصًا مع حملهم تراث الحزب الوطني وموقف مصطفى كامل من الإنجليز دون ميوعة الوفد.
حاولت هذه المجموعة جمع التبرعات مع رفاقه لبناء أحد المصانع برأس مال وطني بعيد عن المحتل، وتشكل ما يعرف بحزب مصر الفتاة، وأصدر حسين جريدة “الصرخة” في الثلاثينيات.
كان الحزب راديكاليًّا في مطالبه، يقف على يسار حزب الوفد المصري، فطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة وتمصير الشركات الأجنبية وجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الحياة التجارية، مع القضاء على أمية الفلاح المصري وجهله وكفالة الرخاء له، هذه بعض سمات المرحلة الأولى للحزب. أما المرحلة الثانية فتبدأ مع عام 1936 وصعد فيها التوجه الإسلامي لدى الحزب إلى ما يعتبر قمة ما وصل إليه في الدعوة السياسية الدينية، والبعض يرى في هذا التوجه ردة فعل على النشاط التبشيري وأحداث فلسطين والسياسة الاستعمارية وتوطين اليهود. كانت تجربة الحزب قاصرة، وفيها ما فيها من القلق السياسي وعدم الثبات الفكري مع الاستناد إلى الزعامة الفردية لشخص أحمد حسين.
صدرت الأحكام العرفية ووجدت السلطات في المؤتمرات الصاخبة والخطب النارية صداعًا يجب حله، فصار مُطارَدًا من الشرطة في جميع الأوقات، وسافر إلى بريطانيا بعد اغتيال حسن البنا ومقتل النقراشي، هربًا من بطش حكومة الملك.
كان حسين ضيفًا دائمًا على المعتقلات والسجون، وصوتًا صارخًا في وجه السلطة الملكية والإنجليز، وعندما احترقت القاهرة في 26 يناير 1952، اتجهت جميع الأصابع إلى أحمد حسين، وأصبحت الفرصة مواتية للحكومة للتخلص منه على أعواد المشانق، واستمات المحامون والرأي العام ليفلتوا رقبة الرجل من حبل المشنقة. سلم نفسه ومنعوا عنه الكتب والقراءة فأضرب عن الطعام حتى عاد له حق المطالعة، وشعر بالخوف أن يقتل غدرًا أثناء سجنه، فكان يصلي جالسًا حتى لا تظهر رأسه من نافذة الزنزانة. تملكه الخوف بأن الحكومة تريد التخلص منه، وجمعوا عليه خمس قضايا قديمة بالإضافة إلى قضية حريق القاهرة، فسقطت هذه الأعباء النفسية عليه، وقد سجل معاناته في هذا السجن في مذكراته، وذكر كيف ساعدته الكتب فقال: “والله وحده يعلم كيف كان يمكن أن أقطع وقتًا لفراغ لو لم تكن رواية تولستوى عن (الحرب والسلام) هي التي أنكب على مطالعتها كلما خلوت إلى نفسي، فتشغلني عما يحيط بي من هموم. وكانت الصلاة كالعادة هي مفزعي وخاصة صلاة الفجر، حيث أصلي وأدعو في هدوء الليل ربي وخالقي أن يبدد من حولي الظلمات والغواشي، وأن ينجيني ويخلصني من الكيد الذي يكاد لي ولإخواني”.
ولم ينقذه من هذا المصير إلا قيام انقلاب يوليو 1952. توقف النشاط السياسي لأحمد حسين عام 1953 وكان سنه لا يتجاوز 42 عامًا، قضى أكثر من نصفها فاعلًا اجتماعيًّا بنشاط لا يكل، ومناضلًا ضد الإنجليز ومشاركًا في العمليات الفدائية وحرب عام 1948. أكمل حياته كاتبًا، واعتُقل أحمد حسين في عهد ثورة يوليو عدة مرات، واضطر إلى الهرب خارج مصر، ولما عاد كان قد تاب عن السياسة توبة نصوحًا، وانصرف بكليته إلى الاهتمامات الفكرية، ثم سجل سيرته في ثلاثية بعنوان (أزهار، والدكتور خالد، واحترقت القاهرة).
يبرز سؤال عن دور حركة يوليو في انكسار الرجل، هل كان هذا الأمر شأنًا خاصًّا بأحمد حسين، أم إن المناخ الذي ساد الوضع السياسي في مصر بعد انقلاب يوليو، لم يعد يقبل بالاختلاف، أو رواية أخرى مختلفة عن رواية الضباط؟ كيف أحالت هذه الحركة الرجل المناضل إلى المعاش المبكر عن طريق القمع وهو لا يزال في العقد الرابع من عمره؟ وكيف عطلت ثورة يوليو طاقات لسياسيين ومثقفين واعدين لو أتيحت لهم الفرصة دون آلة القمع لكان لحياة هذا المجتمع وحيويته شأن آخر.
مشهد من النهايات
من المشاهد التي تأسر الإنسان بداية ونهاية الرجل؛ ففي صورة ناصعة ظلت في ذاكرة الفتى أحمد حسين، يقف فوق الكرسي يلقي خطبة والناس من حولة مرددة معجبة، بتشجيع من أخيه لكي يخطب أمام الناس، ظل هذا الفتى الخطيب يتذكر هذه الصورة من طفولته لتستمر معه خطيبًا في المحافل المختلفة ضد الإنجليز والملك.
وفي زيارة لوديع فلسطين مع أنور الجندي لأحمد حسين بعد إصابته بالمرض في نهاية حياته في بيته بجزيرة الروضة، استقبلهم أحمد حسين وهو جالس على كرسيه المتحرك، وقد أطلق لحيته بغير تشذيب، وقامت ابنته بدور المترجم لما كان يصدر منه من همهمات لا تُبين، في حين اغرورقت عيناه بالدموع وهو يصافح صديقين قديمين. وهنا تذكر وديع مواقف أحمد حسين الخطابية التي كانت تهز المنابر هزًّا عندما كان حزبه يحتفل بالمناسبات المختلفة، ورثى له وديع وقد أصبح أحمد حسين عاجزًا عن الكلام، وإن كان ذهنه شديد اليقظة. خرج وديع وقد قرر ألا يزور أحمد حسين مرة أخرى؛ لأن زيارته في حالته المرضية أورثته ألمًا مُمِضًّا، فهو يألم له بأنه أصبح بلا حول ولا طول. لكن الأقدار أرخت له في العمر، فتوفي حسين في سبتمبر 1982، تلك الروح التي كان الجلادون يدبرون لاقتصالها على حبل المشنقة عام 1952 قبل ثلاثين عامًا من وفاته! فماتوا جميعًا، أما هو فطال عمره، وتوفي عن واحد وسبعين عامًا. تبدو قصة أحمد حسين مثالًا على البدايات والنهايات، وفي كتاب وديع فلسطين ذخيرة من التجارب والحكايات عن الأفول بعد المجد، وحكايات الشجن في مصائر الناس وتعاقب الزمن.
تعرض أحمد حسين لصنوف التضييق على صحيفته، وعرض عليه فؤاد سراج الدين وزير الداخلية رشوة/مبلغًا من المال ليكف حملته ضد الملك، فرفضها وكتب يشنع على حكم فؤاد سراج الدين، هل كان فؤاد يتخيل أن الحياة قد تمتد به من وزارة الداخلية إلى السجن في نهاية عهد أنور السادات مع اعتقالات سبتمبر 1981؟ (استطراد قد نحكي قصته في مقالة أخرى).
مشهد من ضمن مشاهد غرور الإنسان واطمئنانه على حركة التاريخ الخادعة، تبدو نهاية فؤاد غير متوقعة كما كانت نهاية حسين غير متوقعة، وتبدو ثقة الإنسان بإمكانياته مانعة له أن يفكر في تبدل الأحوال، في السياسة كما الأدب والفن، لا شيء ثابت على حاله، ومن الفطنة أن نتعلم من مشاهد كثيرة أن نتواضع بعض الشيء. عندما حكيت لصديقي عن فكرة البدايات والنهايات أمدني بمشهد آخر، عن لقطة في رواية “السكرية” لنجيب محفوظ، حينما تخرج أمينة دون أن تهتم كثيرًا بإذن السيد أحمد عبد الجواد لها، يجلس السيد أحمد عبد الجواد شاعرًا بالعجز، فبعد أن عاش الرجل مرهوب الجانب، ينتهي عمره مريضًا ترى أمينة عجزه ولا تأبه به، قال لي صديقي لقد أجهشت بالبكاء، لقد استطاع نجيب أن يمرر أمامي شريط الزمن ويذكرني بالدنيا أو المتاع الغرور.
لقد تمتع أحمد حسين بفضيلة النضال، فكانت حياته تجربة وقصة تستحق أن يتم روايتها والتذكير بها، ولعل درس النبيل للناس هو تنبيه مكامن الكرامة فيهم بأنهم قادرون على أن يساهموا في حركة التاريخ، حتى لو كانوا أفرادًا عاديين كما عد نفسه صاحبنا في مذكراته فردًا عاديًّا.