الخميس، 27 يونيو 2013

فرح الكادحين



صباحا استيقظت وأخذت أتذكر ما هو اليوم، انتبهت لأهم أحداث الأسبوع واكتشفت أن اليوم هو يوم الخميس، أصابتني لحظة رضا أتت من أعماق حنين الطفولة ليوم الإجازة، كان يوم الخميس هو اليوم الوحيد المسموح في بيتنا بالسهر فيه لمتابعة فيلم السهرة أو المسرحيات الشهيرة، أما باقى الأيام فقد كانت العادة النوم مبكراً بعد مسلسل الساعة الثامنة ومشاهدة حديث الروح أو نشرة التاسعة على القناة الأولى، كان يوم الخميس يوماً مختلفاً تتقلص حصص المدرسة فيه من سبع حصص إلى ست حصص فقط، يتفق فيه الأولاد على الخروج، حدث هذا في سن المراهقة الذى لم أعرف فيه الطيش، وكان من حسن حظي تعرفي إلى شباب الإسلاميين في هذه الفترة، شباب الأخوان ومساجد السلفيين، يوم الخميس ارتبط أيضا بالبيات عند جدتي، بعيدا عن بيت أمى، أو أنتقل مع جدتى في زيارتها لأخواتها، كانت تصطحبني، لا يمكن أن أنسي ابتسامة الفخر، حينما ركبت معها الميكروباس فجلست في بداية السيارة حتى أتت امرأة حامل، فرفضت المرأة الركوب لأن الركوب في نهاية السيارة يعُدَّ أمراَ متعباً بالنسبة إليها، فبادرت بالجلوس في نهاية السيارة، ابتسمت جدتي ووصفت ذلك الفعل بالفعل الرجولي، مازلت أعود بالذاكرة لتمدني بحماسة الأفعال الأولى، بهجة السهر، وكسر الروتين، والتمرد، لم أعد أستطيع تحمل صخب الأعراس، لكن أمي تخبرني أننى لم أكن أفوّت عرساً واحداً حين كنت طفلاً حتى لو كان لأناس غرباء لا أعرفهم، أبكى أمام أبي فيأخذني إلى تلك الأفراح التى تقام أمام المنازل قبل ظهور عادة إقامة الأفراح في القاعات لأشاهد رقص الأحصنة على الأنغام، أين ذهبت تلك الأحصنة؟ هل طارت؟ أم لم نعد نحن نطير مع الأنغام كما كنا ونحن أطفال.

لست بحاجة إلى تكثيف الصور أو إيراد الشواهد والأدلة على فضل يوم الخميس، لكني بادرت صديقاً لي لماذا نحب يوم الخميس، صمت قليلاً ثم قال "بكرة اجازة"، نهاية القول أن الخميس بوابة للتصالح مع تعب الأسبوع، محاولة لكسر الروتين،  وعدم الشعور بالندم من التأخر خارج البيت، نوع من أنواع العطالة السعيدة، ارتبط عندي بسفريات القاهرة والإسكندرية والمنصورة، لكى يأخذني يوم ملون عن باقي الأيام التى تكتسي بالأبيض والأسود فيأتى الخميس بملابس زاهية لتتصالح حتى مع ازدحام الطرقات بعبارة" اه اليوم يوم خميس" حتى أم كلثوم عندما كانت تغنى اختارت يوم الخميس، هل ارتبط في الوعي الجمعي جمالية ما خاصة بذلك اليوم !


ليلة الشعب

في يوم الخميس تزدحم محلات الحلاقة، وتظهر تلميحات لحبوب زرقاء يتداولها الحلاق مع زبائنه، تلك التلميحات التى لم أكن أعى مغزاها إلا حديث موارب لا يتورط فيه إلا المتزوجون، يبدو أن الفاصل بين الطفولة والشباب هو معرفة ماهية تلك الحبوب، فضغوط الحياة أبقت تلك المساحة الحميمية بعيدة عن يد الفقر، فحافظت عليها دون ضريبة مادية إلا التأنق في محلات الحلاقة وثمن سيجارة الحشيش.
ما فائدة الذاكرة إذا لم تكن تمدنا بذلك الفيض من لحظات السرور المعششة في رفوف الدماغ؟ حتى لحظات الألم في الذاكرة نتصالح معها  بسببب  سرورنا بقدرتنا على تجاوزها .  



محمد الهجين
الدوحة 27/6/2013
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق