أعجبني قول جلال أمين: "من أنواع
الكذب الذي ليس من السهل اكتشافه: هو أن يكتب أحدهم عما لا يهمّه حقيقة، ويتظاهر فقط
بأنه جدير بالكتابة" .
***
من الكلمات التي أحبّها لإدوارد سعيد: "لستُ معنيًّا بإيجاد
أتباع" .
***
"مفكر اللقطة: لست إلا هذا".
قول لبيتر هاندكة.
***
كان الطريق إلى المكتبة يبدأ مع لحظة الجلوس على دكة الاحتياطي في
لعب الكرة!
***
يتحدث كارياكين في كتابه دستويفسكي:
إعادة قراءة عن ما أسماه "الدوستويفسكية"، وكذلك كونديرا في فن
الرواية عن مصطلح "الكافكاوية" نسبة إلى كافكا، لدينا تعليق
كارياكين والذي يقول فيه: "لقد وجد في دستويفسكي دستويفسكية أقل كثيرًا مما
يحب أن يعتقد قراءه".
لدينا هنا تلك الصورة التي يرسمها
القراء عن إنتاج كاتب ما، محاولين سبر أغوار عمله؛ فلا يظفرون إلا بصورة نمطيّة
تقليديّة، تكاد تبهت من كثرة الترديد على الألسنة، وقد تكون غير واقعية !
تحرّروا من صورة الكاتب، ولا
تكونوا قتلة نصوص!
***
الطلب الذي طلبه كافكا من ماكس
بحرق جميع أعماله بعد وفاته، وجدته لدى رامبو، طلب من فارلين حرق أعماله.. ما سر
غواية المؤلفين بحرق مؤلفاتهم؟ !
***
كتب كونديرا فصلاً ممتعًا بعنوان "خصاء
القديس" أو عنوان شبيه بهذا، تحدث فيه عن حجب ماكس برود كاتب سيرته وناشر
أعماله بعد وفاته، تتبعه كونديرا ووجد ماكس قد حجب سيرة كافكا الجنسية. بعض القراء
يفعل ما فعله
ماكس؛ يرسم صورة الكاتب على مقاسه، حتى لو ألغى جزءًا من حياة الكاتب، ورسم صورة
مغايرة للواقع !
***
كان يتحدث مع صديقه عن البنيوية
وليفي شتراوس، مرّت أمامهم فتاة جميلة؛ تحول صديقه إلى تفكيكي، فككت صواميل قلبه !
***
لم أستطع إكمال سيرة جان جينيه مذكرات
لص، ليست كل الكتب جميلة كما يشاع، بعض الكتب مقرفة !
***
هنري ميللر لم يكسب من كتبه حتى بلغ سن الستين.. اكتب حتى سن
المعاش!
***
في الهاتف نتحدّث عن الرواية..
وصل بينا الحديث إلى فرج
رضوى عاشور، قلت له: تصنع رضوى شخوص الروايات بحبكة، أو على حد تعبير عبد القهار:
رواية مسبوكة، لكن الشاهد أنني لا أجد أثرًا لثلاثيّة غرناطة في عقلي، وأجد الطنطورية
وفرج أحبّ إليّ من الثلاثيّة، خصوصًا ندى عبد القادر في فرج، ومريم في
الطنطورية، بأصولها الفلسطينية ولهجتها المصرية التي تعلمتها في الإسكندريّة !
إنك لا تكاد تذكر أوصاف الأبطال
الجسدية؛ رضوى لا تصف أبطالها جسديًّا، لكن تصف أرواحهم وسيرة القلب والعقل، لذلك
يبقى الأثر !
***
في الصالة أردّد أبيات أمل :
"هل أنا كنت طفلاً، أم إن الذي كان طفلاً سواي؟"
أمي: أمال كبرت لقيت نفسك كده؟ !
***
أنهى عزت القمحاوي أحد فصول كتابه اللطيف كتاب الغواية
بعبارة :
بوسة منّك كانت قادرة على إكمال المقالة !
قلت: سقى الله تلك الأيام التي كنت أتحجج بالطفولة؛ فأطلب منها
قبلة فلا تخيبني لأنني طفلاً !
***
كنت أحتاج إلى المرض؛ حتى أعرف مذاق الشاي بعد منتصف الليل !
***
أين كان جدّي يثرثر عندما يصيبه الأرق ليلاً؟!
لم يكن هناك فيس بوك، ولا غابة يهيم بها !
***
لقطة..
أغلق باب الغرفة بطريقة لا تحدث صريرًا للباب، سار على أطراف
أصابعه ليتأكد من عدم وجود أحد بجانب الغرفة، بدت على وجهه علامة سرور طفولي. أعرف
وجهه وهو طفل؛ كنّا معًا في الصفّ الإعدادي، أخرج سيجارة وقال: سأشرب سيجارة!
انفجرت من الضحك؛ فتنة التجاوز أن تشرب سيجارتك في المنزل على بعد غرفة من الأهل.
كان لسروره وقع فاتن، حتى فكرت أن أطلب منه سيجارة لأشاركه.
***
في شارع مظلم ينتصب عمود نور كأنه مشنقة الوقت! كانت في الشرفة
مع أخيها الصغير، جنية صغيرة لم يتجاوز عمرها الرابعة، كانت تقفز بخفة وسرور رائع.
نظرت لها فأخرجت لي لسانها؛ فأخرجت لها لساني ووددت أن أقفز كالمهرج لتضحك في الشارع
وأضحك.
***
الشعر : كلام لا يُنسى .
التعريف للشاعر : و؛ه. أودن
-
شعر
بالجهد بعد الكتابة؛ فتذكر عبارة يوسا: "في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب
ليكتب؛ فإنه يقرر إن كان سيصبح كاتبًا جيدًا أم كاتبًا رديئًا". وطفت عبارة
مريل رانك في عقله وهو يطقطق أصابعه بعد الشعور بالألم من الكتابة على الكيبورد،
لقد كان يجيب عن ما هو الكاتب فيقول: هو شخص الكتابة عنده أصعب مما هي عند الآخرين.
***
"يتمنى الإنسان عالمًا يمكن فيه تمييز الخير والشر بوضوح
كامل؛ لأن في أعماقة رغبة عميقة في الحكم على الأمور قبل فهمها".
ميلان
كونديرا، فن الرواية .
***
كنا نجلس سويًّا في غرفتنا التي جمعت حكايات ومناقشات لا تنتهي إلا
بأذان الفجر. كان أحدنا يقرأ نصًّا طويلاً لوديع سعادة؛ علق يوسف وهو يقول: "هذا
الواقع الافتراضي يصيب الكاتب بالاستنزاف، من لديه الصبر على كتابة نصوص طويلة
بهذه الجودة؟ الواقع الافتراضي يجعل الكتابة مجرد حالة!". كان تعليق يوسف
مباشرًا وبه دقة في الملاحظة، وأنا أفكر في تلك الخربشات التي لا تبقى، تتحول إلى
حالة في التايم لاين.
***
مفارقات مضحكة :
ذهبت
إلى مقر الهيئة بالعجلة؛ دخلت وسألت على كتاب رامبو فوجدته، أخذته وقلت للموظف:
أمر عليك بثمنه يوم السبت، ردّ: تمام. خرجت سعيدًا بالنسخة، وعدت إلى البيت وأكلت
طعام الغداء، ونمت لمدة ساعة وتصفحت حسابي على الفيس، وبعدها تذكرت العجلة التي كانت
أمام الهيئة! نزلت من البيت بسرعة، وصلت إلى الهيئة وأنا أضحك من نفسي، وجدتها
مازالت كما هي، وهي موجودة تقريبًا في أكثر الأماكن ازدحامًا بطنطا !
***
في الفجر أرى وجه يوسف ونحن أمام البحر، يمسح العوينات ويرفع
يده ويقول: هذا الغبش الذي يكسو النظارة هو أعيننا التي لا ترى العالم على حقيقته .
***
الشدياق يقول: أخطر الأفكار ما كان في ثلاثة مواضع، منها: ما
كان قبل النوم!
***
الصف الثالث الابتدائى، غرفة ضيقة تحوي عددًا كبيرًا من
التلاميذ في ما يسمّونه "المجموعة"، بطلنا لا يمكن أن نطلق عليه اسمًا
بعينه؛ سيثير الاسم رابطًا ذهنيًّا قد لا يفيدنا في فهم الحكاية. لو قلت إن اسمه علي
سيرتبط بعلي ما ضمن من نعرفهم، لا يهم الاسم الآن !
هي.. أتذكر اسمها كما أتذكر اسمه، كانت من أجمل من مرّ بهذا
المكان وأخفهن روحًا، أكاد أتذكر ملامح وجهها رغم مرور عشرة أعوام أو يزيد، لنتكلم
عنا نحن رفاقه في هذه المجموعة، ممن كان يملؤهم الحقد الممزوج بالتعجب: لماذا هو؟
ولماذا ليس أي أحد فينا؟ كان أقلنا اجتهادًا، وكانت لديه نقطة تجعله خارج المنافسة
بالنسبة لنا على الأقل.. كان يتهتأ ويتلعثم عند الحديث !
كان ساذجًا لنوقعه في الحديث في طريق العودة من الدرس، ليقول لنا
إنها قد أنقذته من حادث مشئوم كاد يحدث له عندما جذبته بشدة، لتنجيه من دهسة بقرة
مارة في السوق !
برغم عدم شاعرية أن تموت مدهوسًا عن طريق بقرة وفي السوق، إلا
أنها أضفت على المشهد خيالاً رومانتيكيًّا عذبًا عندما قالت له: أحبك !
لا يوجد الآن إلا صورة علي وهو منتش بهذه المصارحة الجميلة، أثق
بعدها أنه توقف عن التلعثم في الحديث !
مررت بمنزلها القديم منذ شهر تقريبًا، لسذاجتي توقعت أن أقابلها
وأتعرف عليها، لتعيد لحظة من لحظات جمال المرات الأولى في الطفولة !
على الهامش: لم أنشغل ساعتها وإلى الآن بتفسير ما كانت تقصده
الفتاة بحبها لعلي، هل كانت تطبق ما شاهدته على التلفاز؟ أم تعيش حالة من التمرد
الطفولي بتقليد أفعال الكبار؟ أغلب ظني أنني لو كنت أحلل هذه التحليلات في الطفولة؛
لكنت معقدًا أستحق الرثاء، أو طفلاً حاقدًا على حب هذه الفتاة لرفيقي علي !
***
يحكي فلاديمير كورلنكو أنه قام بعرض انضمام تشيخوف إلى هيئة
تحرير إحدى المجلات الأدبية، ساعتها كانت في بداية شهرة تشيخوف؛ فأبدى بعض التردد
وقال: إننى بدأت عملى الأدبي مازحًا تقريبًا !
ثم
نظر إليه وأكمل:
-
أتدرى
كيف أكتب قصصي القصيرة؟ انظر!
تطلع إلى الطاولة، وتناول أول شيء وقعت عليه عيناه (وكانت منفضة
السجائر)، وضعها أمامي وقال :
-
إذا شئت
قدمت لك غدًا قصة قصيرة.. عنوانها: "المنفضة".
أشرقت عيناه بمرح، بدا وكأنما بدأت تحوم فوق المنفضة شخصيات ما
غير محدودة، ومواقف ومغامرات لم تتجسد بعد في أشكال واضحة، ولكن المزاج الفكاهي كان
حاضرًا .
***
"توقف أمام المراة؛ وجد نفسه جميلاً، وبقي مدة دقيقة ينظر إلى
نفسه".
رواية التربية العاطفية لفولبير.
***
يفتتح المذكرات بعبارة:
"تحت حميم البراكين، إزاء القمم الثلجية العاصفة، بين البحيرات
الكبيرة، الغابة التشيلية المتشابكة الساكنة الشذية، تغوص الأقدام في أوراق الشجر الميتة.
لقد خشخش غصن هش؛ ثمة عصفور يعبر من الدغل العابر، يرفرف، يتوقف بين غصون الشجر الظليلة،
ثم من مخبئة يصفر مثل مزمار صغير، ويسري عبر أنفي حتى مسارب روحي شذى الغار البري".
هكذا يبدأ بابلو نيرودا مذكراته التي حيرني عنوانها كثيرًا، والتي
عنونها بـ"أعترف بأنني قد عشت"، هذه المذكرات التي راودتني نفسي عن
تصليح أحد أخطاء مكتبة قسم التاريخ بحيازة نسخة من هذه المذكرات، وفكرت أن أصلح الخطأ
بوضعها في مكتبتي. الكتابة بحبور حضور روح تشعر بالفرح، نيرودا عندما اختار العنوان
أعطاها لفظ الاعتراف، كأنه قادم على الإدلاء بشيء سرّي مخجل غير متوقع، يثأر ضد الحزن
المترسب في قلوب الشعراء.
***
-صياحًا
أردد قول فيسوافا شيمبورسكا:
"هذا العالم المريع لا يخلو من مفاتن،
لا يخلو من صباحات، تستحق أن يُستَيقظ من أجلها".
***
قاموس للتعريفات
الكتابة: هي أن تنثر ذاتك على أوراق صفراء، يتفق معك الناشر على
طبعها كأنها بضاعة. القراءة هي الحل الأمثل للهروب من التواصل الاجتماعي والتلفاز،
فضلاً عن كونها طريقة لقضاء الوقت بمفردك دون أصدقاء .
السفر: هو متعة المفاجأة.
الحب: هو لهفة المحب للقاء.
الأم: هي حبها لك دون انتظار المقابل، نوع من أنواع الجمال أبقاه
الله في الارض لبث الطمأنينة في قلوب الخائفين. هي انتحار كتب الفلسفة أمام قبلتها
الصباحية، وهدوئها المتجاوز كل الأسئلة الوجودية والقلق الميتافيزيقي المزعج .
الصداقة: هي العري دون خجل التلصص. المرأة الحامل: هي اكتمال فعل
الأنوثة. العجوز: هو رمز الحكمة في شارع الجنون. والكتاب المهمل: هو انتظار توبة الفاجر
وعودة الغائب؛ لإزالة التراب ولفتح طاقة نور على الكون .
***
كتب
دستويفسكي: "إنني الآن في حالة حمّى، والسبب في كل ذلك روايتي. أود أن أكتبها
جيدًا، وأشعر أن فيها شعرًا، وأعرف أن مستقبلي الأدبي كله يتوقف على نجاحها.. سيكون
عليّ الآن أن أنكبّ عليها ليل نهار".
ربيع 1860 أثناء كتابة رواية مذلون مهانون.
كان دستويفسكي يعرف شرف الكتابة، وأنها قد تقتات على حياته إلى أن
تصيبه بالحمّى !
***
يا قارض الكتب،
في عيد ميلادك عليك أن تجمع كتبك كلها، ثم تضرم فيها النار؛ باحثًا
عما حرمتك منه !
تحرّر قليلاً، ولو بالقرب منها أكثر .
كل عام أنت بالحياة أفهم، وإلى الكتب
أقرب!
هذه تهنئة يوسف بعيد ميلادي، تستحق
معاودة النظر إليها، أو الفرح الساذج بقلب يوسف الناصع الذي لا يشغل الآخرين بحكايته،
رغم أنه يستمع لكل الحكايات .
يحيى
حقي
في ليالى الشتاء الباردة، كنت أخرج من المنزل بعد الساعة الواحدة،
معي كتاب ليحيى حقّي، المدينة نائمة لا يقابلك في الطريق إلا كلاب ضالة، وأشخاص يحرسون
المنازل. أتوجّه إلى قهوة بالقرب من المحطة، معي كتابه كناسة الدكان، أطلب نسكافيه
يأتي دافئًا في جو شديد البرد؛ يدفئني حكي يحيى حقّي وأسلوبه الرشيق، وأرتشف من النسكافيه!
***
كانت تمر في الشارع التجاري المزدحم، تحمل الطفل ذا الأربعة أعوام،
هدّه تعب اللعب فنام على كتفها، لا أعرف لماذا نظرت ساعتها لعينها، كانت تحتها علامة
إرهاق شديد. يبدو أنها لم تنم منذ مدة، لكن الملاحظ أنها كانت تحمله بحب شديد وبعطف
تضع اليد اليمنى على ظهره، ليس لحفظ الاتزان فقط، بل لبث الطمأنينة حينما يستيقظ فجأة
في الطريق !
الأمهات هنّ الجميلات!
أعودُ لقراءة نفس القطعة مرةً أخرى من بدايتها حين أصلُ لنصفها ، أشعرُ و كأن فاتني شيءٌ ما أو سقط مني ، فأعودُ لالتقاطه ! ... أنت رائع .
ردحذفمَسَّ عليٌّ وترًا من كثافةِ التراب عليه اهترأ U_U