شاهدت أجزاء من المسلسل المصري جراند أوتيل، المسلسل تجري أحداثه عام 1950 في مدينة أسوان، حيث يصور النخبة المصرية في المشتى على ضفاف النيل، تدور الأحداث داخل الفندق، وبرغم أن هذه الفكرة تم عرضها بلغات مختلفة وبنسخ مختلفة إلا أن السيناريست تامر حبيب قام بتمصير المسلسل، لكن هذا التمصير وقلم تامر حبيب لم يستطع أن يخلو من ثغرات، وبرغم أن المسلسل ينتمي للفئة الدرامية ولا يقدم تأريخا للمرحلة، إلا أنه يقدم صورة غير مباشرة لحياة المجتمع ولتاريخ الناس في فترة ما. وهي ما قبل ثورة يوليو.
التشتية خارج التاريخ
يقضي الاستغراق في دراسة جماعة أو حزب أو طائفة إلى خطر عزلها عن مجريات الأحداث حولها بأعتبارها جماعة متفردة وغير متفاعلة، هذا ما لاحظته وأنا أتابع صورة من صور النخبة المصرية ففي المسلسل نوع من العزل، بما يمكن أن نسميه التشتية خارج التاريخ، لا يوجد حضور للتاريخ في المسلسل، بحيث يغدو التاريخ ديكور جمالي يتم الاستعانة به لإكمال عملية الحنين، هنا حنين للأزياء والسيارات ونوع الملابس، وأناقة الأربعينات وأجواء من حفلات الارستقراطية، لكنها بلا لحم ودم والأهم من ذلك بلا تاريخ، وأقصد بذلك فصلها عن سياقها التاريخي من الملكية والقصر والديوان إلى صراع الأحزاب، أو حرب 1948، أو حتى المظلومية الاجتماعية التي كانت تغلي قبل انقلاب يوليو، فأسوان وحدها والتي تجري فيها الأحداث كانت مقسمة بين 13 شخص يمتلكون 51 % من الأراضي.
يستمر عملية فصل الأبطال والنخبة والباشوات عن عالم القاهرة الذي يموج بصراعات تنتهي بحريق القاهرة، ولا يوجد في النص أي إشارة تاريخية لحياة هذا البلد الذي لا ينشغل أبطاله إلا الفندق وما يجري فيه من مؤامرات وتحاك فيه من دسائس، إن إغفال اللحظة التاريخية لا يكمل الصورة، ويتجاهل المسلسل انحلال هذه النخبة واستشعار بعض الشخصيات موجة من التغيرات الاجتماعية قادمة ظهرت بوادرها في نهاية الأربعينات، ففي عام 1948 نقل عن الشمسي باشا قولة "إني أنظر إلى المستقبل في تشاؤم، فالبلاد تغلي بالسخط، والطبقة التي انتمى إليها تتدهور دون أن تدرك تدهورها، إنها طبقة مترهلة والملك مستهتر".وعبر عن ذات الفكرة عضور مجلس الشيوخ محمد خطاب بك.
حتى النزعات الفكرية التي تصارع في المجتمع يتم إخفائها، فلا يوجد مثال على شخص ذو منزع إسلامي لهذا التيار الذي بدأ هذه الفترة، ولا يظهر لنا أي أشخاص ممتعض من مظلومية اجتماعية أو سياسية أو حنق على تقسيم الأراضي والحياة السياسية المتعثرة، أن الأبطال يتصارعوا في حدود ضيقة عبر بوابات الفندق لكن البلد والخلفية غائمة بلا صورة حقيقة لها، وبرغم أن عام 1951 شهد دعوات إلى إلغاء معاهدة 1936 شارك في هذه الاجتماعات الجزب الوطني، وحزب الفلاح، وحركة أنصار السلام، وبعض المجموعات الشيوعية، وجماعة الأخوان المسلمين، ويتجاهل المسلسل أو لا يهتم بوضع الأحداث داخل جو تاريخي، ففي عام 1950 شهدت البلاد مجموعة من الاضرابات وصلت إلى 49 إضرابا، وفي عام 1950 أضرب حتى موظفو الحكومة وقد نظم الاضراب نقابات العاملين بالحكومة، وكونستبلات البوليس والأطباء في المستشفيات الحكومية.
الزمالك حي النخبة
تظهر في المسلسل شخصية فخر هانم والتي تعتز بانتمائها إلى حي الزمالك الراقي، وتتعجب من إدعاء أحد الشخصيات كونه من نفس الحي لاختلاف هيئته عن هيئة الباشاوات والهوانم، هذه النقطة حدثت مع انزياح النخبة العليا من الطبقة الحاكمة إلى هذا الحي، خصوصا مع بدء المباني الحضرية قريبا من قصر الجزيرة الذي بناه الخديوي إسماعيل لاستضافة الإمبراطورة أوجيني، ثم تم تقسيمه بعد ذلك، وامتلك جزءا منه آل لطف الله السوريين، وفي العقدين الأولين كان ساكنو الجزيرة في قلب الزمالك هم حصرا من كبار المديرين الأجانب والمسؤلين الاستعماريين مثل (المدير العام لحسابات الدولة، والمدير العام للضرائب، ومحافظ البنك الأهلي المصري، وقضاة المحاكم المختلطة، مفتشو المالية ومفتشو الري والمستشارون) وأعضاء من الأسرة المالكة مثل الأميرة فاطمة فاضل والأميرة نازلي حليم، وشخصيات مهمة من نخبة التجار مثل أصلان قطاوي وجوزيف شيكوريل، وكان الزمالك أيضا هو الحي الذي احتوى على أكبر عدد من النوادي: نادي الجزيرة الرياضي، والتيرف كلوب، والنادي الأهلي الرياضي، ونادي الضباط، والنادي المختلط، ونادي الاتحاد الإنجليزي المصري. واستمر الحي في فتح أبوابه لكبار الملاك ليصبح أحد أحياء الطبقة المترفة، وبرغم وجود المصريين إلا أن معظم المحلات والمخازن في هذه المنطقة يملكها أجانب، هناك تجاهل في المسلسل لحضور الأجانب سواء في أحياء القاهرة أو في الفندق والحياة في أسوان.
البلدي والأفرنجي
ظهر في هذه الفترة نوع من التراتيب التي تربط بين أسلوب الحياة المتدني بأعتباره بلدي، وأسلوب الحياة الارستقراطي بأنه أفرنجي، هذا التمايز وصلت حدته إلى وجود النجارون والكواءون الإفرنجي مقابل النجارين والكوائين العربي، بل هناك تمايز في المحامون الشرعيون مقابل المحامين المدنين أمام المحاكم المختلطة، بل إن وصف الرومي أي الأوربي أصبح يميز بعض أنواع القطط والكلاب الأليفة التي تستحق وضعها في البيت، اما الأنواع البلدي المختلفة لا تعد جديرة بهذه الصفة، وهكذا انقسمت المدينة بين بلدي بسيط ويرتبط بالخشونة والفقر وقلة الذوق، وافرنجي مولع بالأشياء الأجنبية ومترف ولديه ذوق راقي، لكن الطبقة الوسطى تحاول الركض لتقليد الطبقة المترفة والنخبة العليا فيظهر نموذج مشوه للنموذج الأصلي، وتظهر محلات تلبي رغبات الأفندية ك "أفيرينو وصيدناوي وأروزدي" وفي مقابل النوادي الأهلية للنخبة تظهر صالات أرخص في الجوار، أو دار من دور السينما التي ازدهرت في تلك الفترة.
إقليم أسوان برواية العقاد
ولد عباس محمود العقاد في أسوان، وعاش بها في طفولته وذكرها في سيرته الذاتية "أنا" ورغم أنه ولد عام 1889، إلا أنه يقدم صورة للمدينة تقربها لنا، فهي مدينة يلتقى فيها التجديد مع روح القديم، روح أسوان الحديثة التي نشأ بها العقاد والتي تعلم من عراقتها وقدمها مع حداثتها النسبية بسبب قدوم الأجانب إليها وتحولها لمدينة أوربية في الشتاء، يقول العقاد "أوربا كلها كانت تتراءى هناك كل شيء بملاهيها، وأزيائها، وعادتها، ومؤلفاتها، وفنونها، واختلاف أقوامها" حتى أن أحد السياح الأجانب أهداه ترجمة للقرآن الكريم وكتاب توماس كارلايل عن الثورة الفرنسية، وكان والده أمينا للمحفوظات بإقليم أسوان، وكانت أسوان خارجة من القلاقل الجسام «للمحفوظات» والتي نتجت بعد حرب الدراويش وصراع الإنجليز مع المهدية في السودان، ومعظم أبناء المدينة الأغنياء كانوا يتجرون هناك، فأنقطعوا هناك بعد قطع خطوط المواصلات، وذهبت الكثير من الوثائق بدار المحفوظات، وذكر العقاد أن والده لو شاء أن يشارك في عمليات التلاعب التي نتجت عن غياب حجج الملكية والوثائق لاستفاد من هذا الأمر لكن والده لم يفعل ذلك، والقصة التي يذكرها العقاد عن زجر والده لأخيه خوفا أن يبلغ عن أحد الأشخاص المتهمين في أحد القضايا لتدل على صورة هذه المدينة البسيطة الأوربية يقول
" زجر والدي أخي الكبير زجرًا شديدًا، حين علم أنه ينوي التبليغ عن بعض المتهمين في قضية جُعِلت المُبلِّغ فيها مكافأةٌ قدرها خمسون جنيهًا — أو مائة جنيه — لا أذكر الآن على التحقيق. وجلية القضية أن فتى من الشبان الوارثين بالقاهرة حضر إلى أسوان في الشتاء ومعه ألف جنيه، وكانت أسوان مرتاد السائحين والسائحات في موسم الشتاء، وفيها من أسباب الإنفاق والمتعة مطمع لأمثال ذلك الوارث، ومن يلوذون بالمبذرين والمسرفين، وسُرِق الوارث قبل أن يستنفد من الألف مائة أو مائتين، وانحصرت الشبهة في شاب موظف بالمحكمة، كان يسكن مع أمه وأبيه في بيت لنا مجاور للبيت الذي نقيم فيه، فراحت أمه إلى جارة لها تستجهلها، وتظن أنها لا تعرف ورق النقد الذي كان في الواقع، غير معروف بين أكثر الناس، فاستودعتها لفافة من الورق هي جملة المبلغ المسروق، ولكن المرأة أطلعت زوجها على الخبر، وهو من كُتَّاب العرائض المدربين؛ فعرف الورق وعرف سرَّ القضية، وأخفى كل ما وصل إليه." ومن الحوادث المهمة وصول الكوليرا إلى أسوان أو ما يطلق عليه العقاد وباء الهيضة، والتي وصلت وهو في سن السابعة.
ضمت المدينة ايضا الشيخ والقاضي أحمد الجداوي الذي أبعدته الحكومة من السودان إلى أسوان خوفا من قتل المهدي له، ويذكره العقاد في كتابه بتقدير واحترام، ووصفه بأنه نابغة وأوسع من قابلهم العقاد له إطلاع على الشعر والنثر، وكان زميلا للشيخ محمد عبده وتلميذا لجمال الدين الأفغاني، وكان صاحب مجلس في أسوان ويحضر له الأجانب مثل نعوم بك شقير والذي كان يومئذ مترجما بمعسكر أسوان، والشاهد أن هذه المدينة لم تكن متنزه فقط بل ممر مهم للسودان يزورها الخديوي في طريقه للسودان، وكذلك الشيخ محمد عبده، وتكون مستقر للجنود في حرب السودان، ولا يظهر من حيوية وثراء هذه المدينة إلا نزلاء مصريين في الفندق، دون خلفية من أصوات المدينة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق