الخميس، 5 أبريل 2018

هوانم وباشوات (1)"الطبقة العليا في مصر بين 1919- 1952"





عصر ما بين الثورتين  (1919-1952) ملهم لمن يبحث في تاريخ مصر الحديثة، يجد فيه العديد من المحطات التاريخية، فهو عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهو عصر يبدأ بثورة 1919، ضد الإنجليز في مصر، ويمتد إلى إعلان الدستور ثم وفاة زعيم مثل سعد زغلول، ثم معاهدة 1936 ثم تجري فيه حرب عالمية ثانية، يتخلل ذلك قيام إسرائيل وحرب 48، وينتهي بثورة أو انقلاب يوليو 1952.
وتشعر بالاستفزاز المعرفي عندما تطالع صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي، تنشر صور تعود لتلك الحقبة، لتحكي عن مصر الجميلة النظيفة الارستقراطية، وكانت من بداية شعوري بأن هذا كذب وغير حقيقي، صورة لمصنع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وكنت انتهيت لتوي من الكتاب المؤلم لفكري الخولي بعنوان "الرحلة"، ووجدت في الكتاب تفاصيل عن قسوة العمل في هذا المصنع وعن حالات القتل التي كانت تحدث من الماكينات فضلا عن عمالة الأطفال وضعف الأجور، وحالة التفسخ الاجتماعي التي حدثت في تلك المدينة مع توافد العمالة مع الريف، ونهاية صناعة النسيح المحلية.
ثم قرأت كتاب فتحي رضوان بعنوان "عصر ورجال" والذي قدم فيه تراجم لأهم المثقفين في تلك الحقبة، وكانت كل قراءة لأدباء تلك المرحلة، لا تزيدني إلا شعور برغبة في كشف تلك الفترة، التي أعرف أحداثها كأحداث فردية، سواء كانت ثورة 19، أو الحرب العالمية الثانية ومعاركها المشهورة، أو إتفاقية 36، فضلا عن الاسماء السياسية المهمة مثل سعد زغلول وعدلي يكن، ومصطفى النحاس، فبدأت أدون بعض الهوامش عن طبقات تلك الفترة لعلي أجد شيء ولو قليل من روح العصر على اختلاف طبقاته، ابتداء من الطبقة العليا والتي تضم الذوات والأعيان أي كبار ملاك الأراضي الزراعية، والفلاحون، والمثقفون، والحركة العمالية، وموظفو الحكومة.
الطبقة العليا والذوات
لنحاول أن نتخيل مواصفات لتلك الطبقة العليا المصرية، كان الباشوات ظاهرة قصيرة في تاريخ مصر، عمرها حوالي 150 عام، ففي  عام 1800، لم يكن في  مصر إلا باشا واحد وهو طاهر باشا، وتركيزنا على الطبقة العليا من المصريين، لا الأتراك  الشراكسة الذين تولوا الوزرات وحصلوا على اللقب من السلطان، فالارستقراطيةا لتركية كانت عثمانية الهوى والعادات مفصولة عن عموم المصريين، وهذا النوع وصفه كرومر بأن ملكاتهم لم تكن على مستوى مطامعهم.
وأصول تلك الطبقة تعود في الغالب إلى التزاوج بين الطبقات التركية والمصريين، أو العمد والمشايخ وكبار التجار ممن حصلوا على حصة من الأراضي لا تقل عن 200 فدان، وهو في الغالب مشترك في الجمعية الزراعية الخديوية تأسست عام (1898)، أو اتحاد الزراعيين تأسس عام (1911)، وحصل على الأراضي الخاصة به عن طريق الشراء من الدولة، خصوصا مع قانون المقابلة الذي قنن حقوق الملكية مقابل الدفع الفوري للضرائب، وقد قرر إعفاء الملاك من نصف الضريبة المستحقة في حال دفع ضرائب 6 سنوات مقدماً، وكان دافع الخديوي إسماعيل لهذا القانون هو رغبته في دفع الدين العام المستحق عليه.
وقد يكون مالك تلك الأراضي قد حصل عليها عن طريق شراء قطعة أرض جراء بيع "أراضي الدائرة السنية" وتلك الأراضي عرضت مرة أخرى لسداد الدين الخارجي، أو يحصل على هذه الحصص الزراعية من أجانب غادروا مصر في فترات الأزمات مثل 1917-1921، وهي فترة الهبات الوطنية، أو 1937- 1949 في فترة الحرب العالمية الثانية خصوصا رعايا دول المحور.
هؤلاء الأعيان كانوا الفئة الغالبة في مجلس الشيوخ، والذي يشترط تملك العضو 200 الف فدان، وكانوا هم غالبية أعضاء برلمانات مصر بين 1924- 1950.
وقد يكون الباشا من أحفاد أسرة بدأت الحصول على تلك الأراضي من بداية أسرة محمد علي، في القرن التاسع عشر، وازدادت مع الوقت مثل أسرة البداروي عاشور، أو أسرة شعراوي، أو أسرة أباظة التي كانت تمتلك بين 5000 فدان إلى 10000فدان.
ترافق ذلك مع نخبة من التجار بدأت مع إنشاء الغرفة التجارية، وبدأت في بناء مصرف وطني، والدخول في أعمال تقليدية مثل مصانع حلج القطن، أو مشاريع جديدة مثل مصر للطيران وصناعة السينما وإنشاء استوديو مصر،
باشاوات وسوبر باشاوات
كانت محصلة قراءة حسين مؤنس في عصر ما قبل ثورة 23 يوليو واطلاعه على وثائق هذا العصر خصوصاً الإنجليزية بعد الأفراج عنها، لونا من الكتابة الحزينة التي استخلص نتائجها في كتابه "باشاوات وسوبر باشاوات"، والصورة التي يقدمها مؤنس لهؤلاء الباشاوات "أنهم كانوا في عالم مرهوب وراء الأسوار، يتخيلهم المحرومون كأنهم ديكة أو طواويس:  في بذلات سوداء رسمية أنيقة طويلة الذيول، وطرابيش حمراء كأنها تيجان، ومشية أنيقة رشيقة وأبهة في موكب حافل من الخدم والعشم والسفرجية والأغوات...بعيداً عن عالم الرعاة.
وبرغم طرافة أسلوب حسين مؤنس فأنه يرسم بقلمه صورة قريبة من حياة الباشاوات فيقول أن الباشاوية تمتاز باللقب طبعاً، ثم مكان السكن الفخم في القصر أو السراي أو الفيلا، فلا يمكن أن تكون باشا وأنت تسكن في شقة متواضعة، وكذلك بالسيارة فضلا عن العزبة أو الأبعدية التي تكون فيها مساحة ضخمة من الأراضي.
ومؤنس يوضح أن اللقب كان يصدر من استانبول في البداية كما حصل مصطفى كامل على الباشوية من السلطان، لكن الخديوي إسماعيل فتح مصنع للباشوية وأتت له هذه الطريقة في منح الأعيان اللقب بالمال الوفير.
وبالطبع تشكل هذه الطبقة مادة الحكم فشخص مثل حسين سري باشا تولى الوزارة 25 مرة، ومحمود فهمي النقراشي 18 مرة، ومصطفى النحاس 17 مرة، والجو السياسي لمصر عام 1925 مثلاً، بعد قتل السير لي ستاك، وتعيين اللورد جورج لويد، يدل على الانحطاط السياسي، عن اللورد جورج لويد كتب محسن محمد كتاب بعنوان "الشيطان"
وعلى رأس الوزارة أحمد زيور باشا وهو رجل لا يستطيع بالكاد قراءة العربية، وقد وافق على كل ما طلبه منه الإنجليز مثل الانسحاب من السودان، وسلم واحة جعبوب للإيطاليين، وفي هذه الفترة سارع محمد محمود باشا بالارتماء في حضن الإنجليز لإسقاط حكومة الوفد بقيادة النحاس، عبر إثارة قضية وصاية النحاس على أملاك الأمير سيف الدين،فقط لكي يستلم كرسي الوزارة منه، وهكذا استمرت العديد من وزارات السراي التي تدار من قصر الدوبارة، وهو قصر المعتمد البريطاني، هكذا توالت حكومات مثل حكومة إسماعيل صدقي وتوفيق نسيم.
وخلاصة القول في أخلاق تلك الطبقة إنها لم تتجرد من الفضائل، بل كانت لبعضهم فضائل وملكات طيبة لكنهم وقفوا جهدهم لخدمة الملك والإنجليز، والذي يبحث في تطور المزاج السياسي لهذه الفترة بحسب مؤنس يلاحظ تغير مزاج حزب الوفد بتغير شخصية مصطفى النحاس فقد أرهقه الخلاف مع مكرم عبيد، وخرج من هذه المعارك متعباً قليل الثقة في الناس، وتغيرت قاعدة الوفد من عموم الشعب والأفندية إلى الباشوات.
الزمالك حي النخبة
هذه النقطة حدثت مع انزياح النخبة العليا من الطبقة الحاكمة إلى هذا الحي، خصوصا مع بدء المباني الحضرية قريباً من قصر الجزيرة الذي بناه الخديوي إسماعيل لاستضافة الإمبراطورة أوجيني، ثم تم تقسيمه بعد ذلك، وامتلك جزءا منه آل لطف الله السوريين، وفي العقدين الأولين كان ساكنو الجزيرة في قلب الزمالك هم حصرا من كبار المديرين الأجانب والمسؤلين الاستعماريين مثل (المدير العام لحسابات الدولة، والمدير العام للضرائب، ومحافظ البنك الأهلي المصري، وقضاة المحاكم المختلطة، مفتشو المالية ومفتشو الري والمستشارون) وأعضاء من الأسرة المالكة مثل الأميرة فاطمة فاضل والأميرة نازلي حليم، وشخصيات مهمة من نخبة التجار مثل أصلان قطاوي وجوزيف شيكوريل، وكان الزمالك أيضاً هو الحي الذي احتوى على أكبر عدد من النوادي: نادي الجزيرة الرياضي، والتيرف كلوب، والنادي الأهلي الرياضي، ونادي الضباط، والنادي المختلط، ونادي الاتحاد الإنجليزي المصري. واستمر الحي في فتح أبوابه لكبار الملاك ليصبح أحد أحياء الطبقة المترفة، وبرغم وجود المصريين إلا أن معظم المحلات والمخازن في هذه المنطقة يملكها أجانب.
البلدي والأفرنجي
ظهر في هذه الفترة نوع من التراتيب التي تربط بين أسلوب الحياة المتدني بأعتباره بلدي، وأسلوب الحياة الارستقراطي بأنه أفرنجي، هذا التمايز وصلت حدته إلى وجود النجارون والكواءون الإفرنجي مقابل النجارين والكوائين العربي، بل هناك تمايز في المحامون الشرعيون مقابل المحامين المدنين أمام المحاكم المختلطة، بل إن وصف الرومي أي الأوربي أصبح يميز بعض أنواع القطط والكلاب الأليفة التي تستحق وضعها في البيت، اما الأنواع البلدي المختلفة  لا تعد جديرة بهذه الصفة، وهكذا انقسمت المدينة بين بلدي بسيط ويرتبط بالخشونة والفقر وقلة الذوق، وأفرنجي مولع بالأشياء الأجنبية ومترف ولديه ذوق راقي، لكن الطبقة الوسطى تحاول الركض لتقليد الطبقة المترفة والنخبة العليا فيظهر نموذج مشوه للنموذج الأصلي، وتظهر محلات تلبي رغبات الأفندية ك "أفيرينو وصيدناوي وأروزدي" وفي مقابل النوادي الأهلية للنخبة تظهر صالات أرخص في الجوار، أو دار من دور السينما التي ازدهرت في تلك الفترة.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق