من بين كل الصور التى
أرى فيها صورة والدي تطالعني صورته وهو يقف مع أحد أطفال العائلة محتضناً إياه،
يكاد يقبله أمام تورته، ويلتفُّ حوله أهل البيت للاحتفال بعيد ميلاد ذلك الطفل.
لم أكن أنا هذا الطفل،
وهذا الأمر يسبب لي إزعاجًا شديدًا،
ألا أكون ابن والدي في
الصورة.
مازالت أطلب من أحد
الأقارب أن يمدني بصورة لي مع والدي يحتفظ بها.
بين يدي مقالة يتكلم
فيها أحدهم عن كاميرا والده، ينفتح ذلك الأمر الذى يكاد بطول عشرتي له أن انساه،
لقد نسيت اننى ولدت
يتيمًا وحرمت من بعض لحظات والدي التى مازلت لا أجد لها تعويضًا.
في أحد مرات العمل، قال
لي مديري نصائح تشبه نصائح الآباء لصغر سني بالنسبة إليه استقبلتها بسعادة؛ لأنه
أنهاها "هذه نصائح والد لابنه".
مازالت أتخيل صورته وهو
يبكى بعد وفاة زوجته الأولى حبيبته،
التى أحببتها من حبه
لها.
كان يوم الجمعة بالنسبة
لي هو يوم البهجة، أن أرتدى أجمل الملابس
وأغادر المنزل فقط من أجل زيارة ماما
الحاجة.
كان هذا اليوم يوم تفتح
وبهجة، وبوابة للشعور بالذات في بداية طفولتي،
ومازالت أشعر برائحة
هذا البيت،
رائحة عجين البقلاوة
والجلاش التى تفوح من جنبات البيت،
يدها التى كانت تنطبع
على الورقات المالية التى تعطيها لي،
وجه زوجة أبي الأبيض
الحليبي، المختلف عن وجه أمي
في قربه لوجوه الشقر من سمرة الفلاحين التى تنتمى لها
أمي،
وانتميت لها أنا بعد ذلك.
مازلتُ أشعر أن عمودًا
من الحنان قد غادر موقعه في حياتي بهذا الفقد،
أمنع نفسي من الاسترسال
في هذا الشعور كلما حدثني صديق عن والده، لا أنتبه لحجم ما تركه برحيله في حياتي.
أتخيله طيب من أطيب من
مروا بالعائلة،
عندما أشيخ سأصبح مثله،
تمازحه أمي وتغنى له "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني"،
يعمل بتجارة
الحلويات، يلف بيده قطعة البقلاوة أو الكنافة.
لم أرث عنه مهنته ورثتُ عنه دمعته
القريبة، وطيبته وقليلًا من كرمه ولامبالاته بالإدخار.
محمد الهجين
الدوحة الاثنين، 29 أبريل، 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق