المفكر يكبح
سرد الروائي
محمود درويش 1
يختلف العاملون في حقل
النقد الأدبي ، هل هو زمن الرواية حقًّا ؟ يظهر هذا السؤال دائماً في مواجهة فن الشعر ، وهو تساؤل مشروع .
لنضرب مثالاً بجائزة أدبية مرموقة مثل جائزة نوبل ، لو أحصينا عدد من حصل
عليها ممن يكتبون القصة أو الرواية نجد عدهم يصل الى أربعة وعشرين كاتباً : توماس
مان ، ماركيز ، نجيب محفوظ ،كاميليو خوسيه ثيلا ، إلخ ...
فكل شاعر حصل على الجائزة - كما يذكر د.جابر عصفور - يقابله كاتبان
للرواية على الأقل في حركة الجائزة .
ومكانة فن الرواية والتي غدت أهم
عبارة فنية تستهوي القارئ ( التعبير لعبد الله العروي ) ، هذا الأمر يشجعنا على
البحث عن علاقة هذا الفن الأدبي بعمل المؤرخ الذي يجمع الوقائع والأحداث ويرتبها ؛
ليصنع بذلك سردًا لعالم الواقع .
وإذا انتهينا لملاحظة عبد الله
العروي الثاقبة والتي تؤكد أن المؤرخ ليس دائماً مؤرخاً ، وأن غير المؤرخ قد يتحول
في بعض الظروف إلى مؤرخ ، نجدها تنطبق بالتأكيد على العديد من الروائيين ، خصوصاً
مع توافر الصفة التي يجعلها العروي فصلاً في تحول كل امرئ - ولو مؤقتاً - إلى مؤرخ
، هذه الصفة هي الوعي بالتغير ! (2)
ميراث سيرفانتس المحقر :
يعيد كونديرا قراءة أحد أهم الأعمال المؤسِّسة في فن الرواية "دون
كيشوت" لسيرفانتس ، ويرى أن فنًّا أوربيًّا كبيرًا قد تكوَّن مع سيرفانتس ، وما
هذا الفن إلا سبرًا لحياة الكائن المنسي .
وكونديرا يضع عمل سيرفانتس مع لحظة ديكارت في الوقوف أمام الكون وحيداً في
موقف اعتبره هيجل بحق موقفًا بطوليًّا .
يكمل كونديرا سرده الممتع عن تاريخ الرواية الأوربية والأفق الذي قامت به
الرواية في لحظة بلزاك مثلاً فيقول :
"لم
يعد زمن بلزاك يعرف العطالة السعيدة التي عرفها سيرفانتس وديدرو ، بل إن أبطاله
محمولون في قطار يدعى التاريخ" ، وعبارته تلك تذكرنا بعبارة انجلز عن روايات
بلزاك والتي كان يرى فيها أصدق تمثيل لوجه البرجوازية وأحوال المجتمع الفرنسي في
تلك الفترة .(3)
وكونديرا يقرأ أعمال "كافكا" وعلاقتها بحركة التاريخ ، والتي تحاول
أن تتجاوز قراءة العمل الأدبي في سياق النقد الأدبي ، وتجره إلى حقول معرفية أخرى ،
فالقوة الخارقة للمجتمع وتقلص دور الفرد في التمرد على تقاليد وقوانين الدولة
الحديثة يجعل روايات "كافكا" أفضل من مئات الدراسات الأكاديمية الباردة في
فهم طبيعة مشاكل الإنسان في مستهل بداية القرن العشرين . فموضوع الحرب مثلاً لدى
هوميروس وتولستوى يمتلك معنى واضحاً كل الوضوح ، فقد كان الناس يتقاتلون من أجل
هيلين الجميلة أو من أجل روسيا ، لكن شيفيك بطل إحدى الروايات المعاصرة يتجه هو
ورفاقه إلى الجبهة دون أن يعرفوا : لماذا ؟ وما يصدمنا أكثر : دون أن يهتموا بذلك
! (4)
كما يستشهد بعبارة هيرمان بروخ : "ما
لا يمكن سوى للرواية وحدها أن تكتشفه " .
هذا الأمر يدعونا للتفكير في تلك المفاهيم الوجودية الكبرى والتي يتعامل معها
المؤرخ كمادة للأحداث : الحرب ، الموت ، الغاية من الحياة .
هذه المادة التي يقوم المؤرخ بسردها في تتابع زمني لكن إمكانيات الرواية
المعرفية ( لا أقصد هنا الرواية التاريخية التقليدية التي بدأت مع "سكوت"
وكان لها نظائرها في الأدب العربي وإن كان يعيب هذه النظائر روح الخطابة التي تغلف
هذا العمل ولا ينجو منها إلا الأعمال التي تنتمي إلى الفن حقًّا ) .
إمكانيات الرواية المعرفية تحيلنا إلى سبر أغوار هذه المفاهيم مرة أخرى ، هنا
يتجاوز دور المؤرخ تسجيل الحوادث والذي رأى
شبنجلر في كتابه سقوط الغرب في هذا العمل مجرد
"منظف أتربة أكاديمي" خصوصاً مع الجهود المعرفية في دحض مفهوم الموضوعية
الفوتوغرافية والتأكيد على تداخل التخصصات في العلوم الإنسانية ، هذا التداخل الذي
يجعل هدف الدراسة هو زيادة معرفتنا بالإنسان ، وبذلك يصبح التاريخ مشاركاً علم الاجتماع
والفلسفة البحث عن إجابات أكثر دقة لحياة الانسان وما يجري من حوله من أحداث .
لدينا مثال آخر : نعوم تشومسكي الباحث اللغوي الشهير والمهتم بالشأن
السياسي في أحاديثه مع ديفيد بارسمان عند الحديث عن قلة استشهاده في كتبه بالأعمال
الأدبية يجيب تشومسكي بالحديث عن فصل المفتش الأكبر في رواية الإخوة كارامازوف ، إنه
يربط بين عمل دوستويفسكي وبين أحوال روسيا القيصرية واللحظة التاريخية ويأخذ في
الربط التاريخي بين الاثنين ، بل إن روائياً مثل أورهان باموق (حصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 2006) جعل من صراعات دوستويفسكي مع أبطاله في رواياته
وجهاً لمشاعر الغيرة والغضب لرجل لا يستطيع أن يحول نفسه إلى أوروبي ، إن اشكالية
مثل إشكالية التغريب في المجتمعات قد لا يلتقط مظاهرها المؤرخ بدقة ، فهو مشغول
غالباً بالأوضاع السياسية والنخبة الحاكمة ، لكن اللقطة التي يتصارع فيها المجتمع
ليحاول أن يبحث عن هوية خاصة به ولا سيما أمام شبح العولمة الكاسح ، يدركها
الروائي ببراعة .
)5)
الرواية والاستنارة :
يبحث الدكتور جابر عصفور في كتابه "الرواية
والاستنارة " عدة خيوط مهمة عن نشأة فن الرواية
في العالم العربي ، وهو لا يؤرخ لبدايات الرواية العربية مع رواية "زينب"
لمحمد حسين هيكل ، بل يعود بها إلى روايات تمت كتابتها قبل ذلك ، مثل رواية : "علم
الدين" لعلي مبارك ، ويحلل كتاب حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحى (1868/1930)
فهو البطل الذي يرقب تحولات مجتمع ؛ يتدافع إيقاع
التغيير فيه إلى الدرجة التي تفصم علاقته بجوانب أساسية من هويته التقليدية ، هكذا
يصطحب عيسى بن هشام أحمد باشا المنيكلي المنبعث من قبره .
يقول المويلحي : "الناس اليوم في
حركة لا شرقية ولا غربية " ، يضع جابر عصفور يده على ملاحظات مهمة حين يربط ما
كتبه المويلحى بتجربة رفاعة الطهطاوي الذي شعر بالصدمة الحضارية في علاقته مع
الآخر الأوروبي ، وترجم بعد كتابه : تخليص الأبريز في تلخيص باريز ، رواية بعنوان
"مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" 1867 .
فلقد جمع بين القص الأوروبي وبين السجع
المملوكي في الترجمة ، هذه اللقطة تجعلنا ندرك واقع تلك الأزمة الحضارية ، والتي
لا يقع فيها المغلوب في متابعة الغالب متابعة تامة بل يحافظ على بعض الأشكال
القديمة ، والتي تخص المظهر في أغلب الأحيان .
والبحث عن سؤال الأنا والآخر والشرق والغرب نستطيع أن نتفهمه مع انتشار روايات
جورجي زيدان التاريخية ، وهكذا أصبحت الرواية هي فن المدينة العربية الحديثة التي
تدخل عالم التصنيع ، والرواية باعتبارها أحد نتاج ذلك الوعي المديني والتي ترد
تحولات القاهرة كما عند المويلحى إلى إبراهيم أصلان وهو يرصد تحولات حيه القديم
(إمبابة) في القاهرة القديمة .
هكذا على امتداد ما يقارب القرن من
الكتابة ، أنتجت أعمال مثل ثلاثية محفوظ والتي تشبه لوحة فنية للقاهرة في فترة ما
بين الحربين ، إلى خماسية عبد الرحمن منيف في "مدن الملح " ، والتي ترصد
ظهور المدينة النفطية الجديدة في الصحراء ، بل إن جابر عصفور يرى أن ظهور القرية في
الرواية العربية ما هو إلا بوصفها معبراً إلى المدينة أو امتدادها أو مجلى الأصداء
التي تتردد بها أصوات المدينة كما في زينب هيكل ودومة ود حامد للطيب الصالح في
موسم الهجرة إلى الشمال. (6)
وهكذا تتيح الرواية القيام بما يشبه
دراسة في علم الاجتماع ، خصوصاً مع حساسية الروائي لكل مظاهر التغير فيما حوله ، كما
فعل المويلحى مع بطله عيسى بن هشام عن تحول مدينة القاهرة وظهور السلطة في أقسام
البوليس ودور الفن كدار الأوبرا وغيرها .
إن الإمكانيات المعرفية التي تتيحها
الرواية ترتبط في ذهنى الآن بأحد الأعمال المهمة ، وهو كتاب محمد جبريل :
"مصر في قصص كتابها المعاصرين" ، والذي يقع في ثلاثة أجزاء ضخمة ، يشغل
الجزء الأول والثاني أربعة مجلدات ، فمحمد جبريل الروائي يتحول هنا إلى باحث في
علم اجتماع الأدب وقارئ للتاريخ ، وهكذا وصف رفعت السعيد هذا العمل بأن النظرة إلى
مصر كانت دائماً بعين واحدة دوماً : عين المؤرخ وعين السياسي ، إلا أن كتاب محمد
جبريل قد حملق في وجه مصر وتجرأ ونظر إليها بعينين اثنتين : عين المؤرخ وعين
الأديب ، فما أروع هذه الرؤية !
إن ما قام به جبريل هو محاولة تتبع تاريخ
مصر من بداية الاحتلال البريطاني 1881
إلى عام 1990 ، مفتشاً عن جوانب تاريخ مصر من حصيلة النتاج الأدبي والذي لا يمكن
التعسف واعتباره وليد الظروف التاريخية فقط بل يحمل العمل الأدبي نزعة فردية من
المؤلف باعتباره يمثل رؤية المبدع الفنان للعالم ، وهذه النقطة بالذات هي التي يستخدمها
المؤرخون لنقد أهمية الرواية أو الفن في نقل الواقع ، حيث يعتبرون هذه الأعمال
تحمل نزعة ذاتية تغطي على السرد الموضوعي ، وأعتقد أن هذا الأمر لا يخلو من وجاهة
، لكن ما يجب أن ننتبه له حقاً هو وهم
الموضوعية التي تفترض نقل الواقع بصورة فوتوغرافية ( راجع بحث سيف عبد الفتاح
إسماعيل عن مصطلح الموضوعية في كتابه بناء المفاهيم وجهود المسيرى في نقد المصطلح
وصكه مصطلح الموضوعية الاجتهادية ) .
وإذا كانت الأمثلة السابقة تتحدث عن
الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، فإن لدينا ما هو أسبق من هذه
الكتابات فلقد قامت نيللي حنا في كتابها : "ثقافة الطبقة الوسطى في مصر
العثمانية" ، الذي ترجمه المؤرخ رؤوف عباس وقام بالإشارة إلى اختلاف نهج
نيللى حنا عن الكتاتبات التقليدية والتي تختزل ثلاثة قرون تحت الحكم العثماني في
سطر واحد لصتفه بأنه (عصر الظلمات ) وأن هذا الكتاب هو محاولة لأحترام عقل القاريء
؛وتذكر في المقدمة أنها أفادت من النصوص الأدبية لفهم السياق الثقافي ؛ومنها وسائل
التعبير التي يستخدمها كل طبقة من طبقات المجتمع ؛ فكتب السير والتراجم – رغم
أهميتها – لا تعطينا صورة كاملة عن الماضى ، الأعمال الأدبية في تقدير نيللى حنا
تظهر دور المرأة التي تعكس هموم المجتمع واهتماماته وتعبر عن فئات المجتمع
المختلفة .
وهكذا لم يعد مثيراً التأكيد على أنه "ليس في إمكان المؤرخ الذي يتصدى لدراسة
تاريخ الأسرة المصرية وعاداتها وحياتها اليومية أن يتجاهل الرواية العربية ؛
والثلاثية بصفة خاصة كمصدر من مصادره التاريخية المتعددة " .
تاريخ الهامش :
إن الحديث عن الهامش هو محاولة لقراءة
التاريخ من أسفل بعيدًا عن المركزية الأوروبية التقليدية وبعيدًا عن التاريخ
التقليدي المهتم بالسلالات الحاكمة والنخب – معنيًا بالذين يشكلون القطاع الأكبر
من المواطنين في البلدان المختلفة الذين يحتاجون إلى أن يكتب أحد بصوتهم حتى تكتمل
صورة التاريخ في فترة ما .. لدينا مثلاً الأحياء القسرية للسود في أمريكا وإفريقيا
الجنوبية والأحياء القصديرية في البرازيل أو أحياء الصفيح المعدة لـ " العمال
المهاجرين " في أوروبا والمناطق العشوائية في المدن العربية الكبرى كالقاهرة
.. إن هذا التاريخ يحاول أن يستمع لصوت الجنود / الأنفار في التأريخ لحركة الجيوش
دون الاكتفاء بصوت القادة . لدينا تجربة خالد فهمي في كتابه الرائد " كل رجال
الباشا " الذي تأثر فيه بدراسات التابع في الهند }
هي مجموعة من الباحثين معظمهم من الهنود – نشطوا
منذ أوائل الثمانينيات في إعادة كتابة تاريخ شبه القارة الهندية ، بحيث لا يقتصر
على النخبة السياسية {
وأصدروا مجلة دراسات التابع subaltern studies ، وقام فيه
بدراسة تاريخ الجيش المصري في عهد محمد علي محاولاً تجاوز الدراسات المتأثرة
بالاستعمار أو المدرسة القومية بإعطاء مساحة للتأريخ للجنود وحياتهم داخل معسكرات
الجيش مع دراسة السلطة الانضباطية واستخدام مقولات المفكر الفرنسي " ميشيل
فوكو " عن المراقبة والعقاب ، وخالد فهمي مهتم فيما ينتجه من دراسات بخطاب
الهامش والتاريخ من أسفل ، ففي كتابه " الجسد والحداثة " يهتم بتأريخ
الطب والقانون في مصر فيتحدث عن مدارس القابلات ويهتم بالتاريخ الاجتماعي للطب في
القرن التاسع عشر ناقضا النظرة التقليدية التي اعتمدها المؤرخون في تاريخ الطب
خصوصا التركيز على دور الرجال العظام محمد علي – كلوت بك الذي استعان به محمد علي
في إقامة مؤسسة طبية ترعى أحوال جيشه .. لدينا هنا اهتمام بالتاريخ الاجتماعي
وإعادة تقييم كتابات المؤرخين في المدرسة الاستعمارية والقومية ( راجع عناوين
مؤلفات نيللي حنا عن فترة التاريخ العثماني وخالد فهمي عن محمد علي وشريف يونس عن
عهد عبد الناصر وزكريا الشلق وليلى عنان عن الحملة الفرنسية وصلاح عيسى عن الثورة
العرابية يجدهها منظومة في خيط إعادة قراءة التاريخ ، خصوصا مع التشكيك في خطاب
التنوير المنسوب للحملة وكذلك في ترجمة أعمال تيموثي ميتشل في كتابه "
استعمار مصر " ) .
نعاود الحديث عن تلك العلاقة التي سبق
ذكرها بين التاريخ وفن الرواية خصوصا مع بداية ظهور ذلك الفن في منتصف القرن
التاسع عشر ( بالرغم من تصنيف نقاد الأدب هذه الروايات باعتبارها روايات تعليمية )
وأنها لم تكن استكملت الأدوات الفنية بعد ..
يبرز
هنا السؤال :
إذا كانت الرواية وهى ذلك الفن الذي يمكن
أن يتكلم بلسان ذاكرة المقموعين والذين لا يحسنون الكتابة ، وكذلك بعض الطبقات التي
لا يهتم بها المؤرخون كالطبقات الدنيا والفقيرة ، فهل يمكن أن يكون دور الروائي مماثلاً
لعمل المؤرخ ؟
إن عمل المؤرخ يقوم على وقائع /أحداث
حقيقية ، ومهمته هي تجميع هذه الأحداث ،
وقد يرتقي إلي مهمة تحليلها وتفسيرها ، ويختلف المؤرخون فيما بينهم في طرق
التحليل نظراً لاختلاف انتماءاتهم الفكرية وتحيزاتهم الأيدلوجية .
لكن يظل عمل المؤرخ في حدود جمع الحقائق
فقط ، ومفهوم الخيال لديه محدود ولا يمكن أن يبنى دراسته إلا على مصادر تاريخية (
وثائق / آثار / خطابات / شهادات إلخ ...) .
لكن عمل الروائى يقوم على أن تكون هذه
الأحداث والوقائع التاريخية في خلفية المشهد كمسرح للأحداث فقط ، لكن أبطال
الرواية هم شخصيات متخيلة يصنعهم خيال الروائي .
هنا تبدو مشكلة الاعتماد الكامل على تلك
الأعمال الروائية في دراسة تاريخ فترة ما ،
فالروائي هنا يجازف بمساحة الخيال التي يمتلكها في إكمال النقص المعلوماتي عن فترة
ما ، يختلق أحداثاً لإحكام الحبكة الدرامية والفنية فهو لا يكتب عملاً تاريخياً ،
يلتزم فيه الدقة التاريخية بل ظروف العمل الروائي أكثر تسامحا من وقائع التاريخ من
المؤرخ .
فالروائي يضيف أفكاره الشخصية وتحيزاته
ورؤيته والتي يضعها على لسان أبطاله هذه التي يطلق عليها ذاتية المؤرخ بل تشكك في
أصالة عمل المؤرخ ، قد لا تكون نقطة ضعف في الرواية فدور الروائي هنا ليس تحقيق
الصورة الأدق لواقع ما حدث ، بل قد يسقط الحاضر على أحداث الماضي مثل الفترة
الأخيرة من حكم المماليك حيث استخدمها العديد من الروائيين في ربط أحداثها بالواقع
من انتشار الظلم والفساد يقوم بذلك ليصنع
صورة رمزية أو ليهرب من الرقيب في الدولة التي تراقب الأعمال الفنية ، أو
ليضع على لسان أبطاله رسالة ما ، يود أن تصل للقارئ .
إن البحث عن علاقة التأريخ بالرواية ؛
يحيلنا إلى عدم تجاهل تحيزات الروائي ، فجائزة مثل جائزة نوبل لو استعرضنا أسماء
من فازوا بها وربطنا بذلك تيمة المحرقة ومقاومة الاحتلال النازي ، لن نسلم من عين
الروائي التي تختار أحداثاً بعينها لتقوم بالتركيز عليها متجاهلة عن وعي أو بغير
وعي أحداثاً أخرى مماثلة لها في الأهمية .
أدب السجون :
ما يتم إبداعه من
روايات تدور أحداثها ، في السجن (طريق النسر إدوارد الخراط ، الآن هنا وشرق
المتوسط عبد الرحمن منيف ، تلك العتمة الباهرة الطاهر بن جلون ) هذه الأعمال التي
تقوم في بعض الأحيان على تجارب خاضها الكاتب أو استمع إلى شهادات بشأنها ، هنا
يتضح دور الخيال في تصوير الواقع ، فلا شك أن هذه الأعمال تعطى صورة لأحوال السجن ،
لكنها ليست مذكرات أو سيرًا ذاتية ، بل عمل أدبي ساهم فيه خيال المؤلف بصورة أو
بأخرى .
وهذا بالطبع ينطبق على الروايات السير الذاتية التي تقوم على تجارب من عالم الواقع
، عاشها المؤلف ثم نقلها في شكل روائي .
تاريخ النساء :
ينتقد الدكتور قاسم عبده قاسم في ترجمته لكتاب
"ما التاريخ الآن؟" الفصل المسمى : "تاريخ النوع" ، والذي قام
بكتابته "أليس كيستلر" هذا النقد الذي وجه أيضاً في كتاب من تحرير بيتر
بوركي ، ويرى قاسم أنه لا يوجد ما يسمى تاريخ النساء ، فليس من الممكن بأي حال
تصور نوعين منفصلين من البشر لكل منهما تاريخ خاص به ، والتاريخ فعل إنساني يقوم
به البشر من الذكور والإناث ، ولم يحدث في التاريخ أن كانت هناك مجتمعات ذكورية
خالصة أو مجتمعات نسائية خالصة ، وهذا النقد يحتاج إلى مراجعة ، فعلى الرغم من أن
العديد من الأبحاث تحمل طابعاً نسويًّا يدور في إطار حقوق المرأة وهو ما دفع
المؤرخين للتحذير من التحريف الإيديولوجي للتاريخ لصالح قضايا المرأة أو غيرها ، لكن
قيمة تلك الأبحاث أنها تعمل على تركيز الضوء في قراءة دور المرأة والانتباه إلى
تحيزات المؤرخ باعتباره رجلا ، فالأمر كما تقول "كيستلر" : إننا عندما
نقوم بتجزئة فكرة النساء في أشكالها المتعددة وأحياناً في أجزاء متخاصمة ، إننا لا
نجزئ التاريخ ، ولكننا نتيح إمكانية خلق إمكانية أكبر للتفسير "(7) .
فكيستلر تستعين برواية جين أوستن
"كنيسة نورثانجر" فتنقل على لسان بطلة الرواية "كاتين
مورلاند" : "إن المنازعات بين البابوات والملوك مع الحروب الطويلة
والطواعين تطل علينا في كل صفحة ، وجميع الرجال لا يصلحون لشيء ، ولا تكاد توجد
امرأة على الإطلاق ، إنه أمر ملفت للغاية ، إلا أننى أظنه أمرًا غريبًا أن التاريخ
يجب أن يكون بهذه الكآبة ، لأن شطراً كبيراً منه كان بالضرورة اختراعًا" .
وهذا الاقتباس تبدأ به كيستلر بحثها عن عدم رؤية النساء في تدخلات المؤرخين ، مع
ملاحظة دور المرأة في تكوين الطبقة والدولة ، وعلاقة النوع بالسياق الاستعماري ،
فعلى حد تعبير "ستولر" فإن تغيرات تنظيم العائلة ، وتقسيم العمل على
أساس الجنس ، وسيطرة جنس بعينه على الموارد هو الذي دعم السلطة الاستعمارية .
وهكذا يمكن التنقل من جين أوستن روائية
من القرن الثامن عشر وعبارتها عن عدم وعي
المؤرخين بدور المرأة إلى روائية معاصرة دائما ما يتم مقارنتها بـ(
مارسيل بروست ) في فرنسا و( ديستويفسكي ) في روسيا ، وهي فرجينيا وولف تكتب في كتابها "غرفة تخص
المرء بمفرده" عن عدم كفاية التاريخ الموجود ، وهو تاريخ يحتاج إلى إعادة
كتابة ، لأنه "غالبا ما يبدو غريباً إلى حد ما ، وغير حقيقي ، وغير متوازن"
. ثم تطرح على سبيل التجريب ما يبدو أنه حل آخر : لماذا لا نضيف ملحقاً للتاريخ ،
ونسميه طبعًا اسمًا غير ملفت للنظر بحيث تشخص فيه النساء بشكل مناسب ؟!
وهكذا تلتقي جين أوستن 1775 مع وولف في كونهم ليسوا روائيين فقط بل مهتمين بحضور المرأة في التاريخ
، وينبغي أن نلفت الانتباه إلى أحد الملاحظات حول طبيعة رواية جين أوستن ، فالبعض
يأخذ عليها إغفال أحداث عصرها ، لكن والتر آلن يجد ردًّا على هذا الأمر ، فإغفال
أوستن حرب نابليون أو الثورة الصناعية لما زاد ذلك ، من حدة واقع عالمها على أي
نحو كان ، فهي ترسم صورة للعالم الذي اقتربت منه بطريقة بالغة التركيب ، ذو بناء
طبقي يتسم بالإتقان ، فمعلومة مثل خطأ قيام آل برترام الصغار بتمثيل مسرحية في غياب والدهم ؟ لو أردنا
الإجابة على هذا السؤال وتفسير هذا السلوك لكان معنى ذلك القيام بكتابة كتاب تقريبًا
عن هذه الفترة .(8)
ويحدث الأمر مع وولف كذلك في روايتها مسز
دالاوي ، وفيها تصور جانباً من مشهد لندن ، على نحو لا يقل اكتمالاً ووضوحاً عنه في
أي مكان ، إذ إن لندن موجودة هناك ، بقدر ما هي موجودة في روايات ديكنز ، وهي
خلفية تنبع من وعي الشخصيات الذين يتحركون فيها .
ملاحظات ختامية :
"نحن
مدينون لكتاب الرواية أساساً في معرفتنا
الصميمة بالحياة المدينية المعاصرة" !
هذه العبارة لروبرت بارك والتي يقتبسها ناقد أدبي "فرانكو موريتي" عند
حديثه عن روايات بلزاك والشخصية المدينية المعاصرة والتي ينتقل بعدها في فصل آخر
إلى رواية عوليس لجيمس جويس وبين ما أسماه : "قطع في اشتغال المجتمعات
الرأسمالية" ، ويقترح في بداية كتابه إعادة الاهتمام بعلاقة البحث الاجتماعي
التاريخي والبحث الأدبي .(9)
إن هدف المقالة الربط بين منجز فن الرواية وبين التاريخ الذي يجمعه المؤرخ ، إن
أعمالاً أدبية كثيرة قامت مقام العديد من الأبحاث التاريخية فروايات سولجنتسين والتي
تعيد الحديث عن السجون في سيبيريا أثناء الحكم السوفيتي ، أو باسترناك وهو يفكر في
الثورة البلشفية في روايته الدكتور جيفاكو ،كانت فرصة للتعرف على طبيعة المجتمع
الشمولي ورواية أورويل لا تتوقف أهميتها في تجسيد شرور المجتمعات المستبدة ، بل
تقدم ما يشبه جرس إنذار ، إن تطوير هذا المقال يحتاج إلى عملية تركيز على مناطق
بعينها مع تحقيب زمني لها ، وبهذا يمكن الحديث عن التاريخ والرواية مع وضع إطار
زمني للدراسة ، والتي تحتاج إلى الربط بين تخصصات معرفية مثل الأدب والنقد وعلم
الاجتماع والتاريخ لتزيد معرفتنا بالعالم .. وهذا هو الشرط الذي وضعة كونديرا
حكمًا للرواية الجيدة ، وهو شرط ينطبق بالتأكيد على عمل المؤرخ في الدراسات الإنسانية
.
الهوامش :
1. قصيدة
طباق محمود درويش .
2.مفهوم
التاريخ ، عبد الله العروي ، طبعة المركز الثقافي العربي ، بيروت .
3.فن الرواية ، ميلان كونديرا ، ترجمة بدر الدين عردوكي ، ط المركز القومي للترجمة
القاهرة .
4.المرجع السابق .
5.ألوان أخرى ، أورهان باموق ،ترجمة سحر توفيق ، دار الشروق .
6.الرواية والاستنارة ،جابر عصفور ، كتاب دبي.
7.ما التاريخ اللآن ، تحرير ديفيد كاندين ، ترجمة قاسم عبده قاسم ، المركز القومي
للترجمة .
8.الرواية الأنجليزية ،والتر آلن ، ترجمة
صفوت عزيز جرجس ،مشروع النشر المشترك بغداد.
9.علامات أخذت على أنها أعاجيب في سوسولجيا الأشكال الأدبية فرانكو موريتى ، ترجمة
ثائر ديب .المركز القومي للترجمة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق