الخميس، 1 مارس 2018

بحبر خفي...كتاب جديد لكيليطو


محمد عبد العزيز الهجين
بحبر خفي..

"أكثر الكتب إفادة هي تلك الكتب التي ينجز القراء أنفسهم نصفها"

فولتير

بين يدي كتاب جديد بعنوان "بحبر خفي" للناقد المميز عبد الفتاح كيليطو، والذي صدرت أعماله الكاملة عن دار توبقال في خمسة مجلدات، وها هو يضيف لكتبه كتابا جديدا، لتصبح تلك المجلدات أعمالا غير كاملة.

الصفة التي ترتبط في عقلي بكيليطو أنه ناقد قارىء، لا يتشدق بالنظريات الأدبية الغربية رغم معرفته العميقة بها فهو أستاذ للأدب الفرنسي، لكنه يبحث عن نص مكتوب بحبر خفي، فوراء الورقة البيضاء الناصعة أو النص،  هناك نص مخفي تم إقصاء قاريء غير مرغوب فيه وإتقاء الرقابة والتلصص، لا سيما كما يقول حين ينطوي الأمر على مسألة حياة أو موت.

سفر من أجل السجع

يبدأ كيليطو كتابه بالحديث عن نص لأبي حيان التوحيدي جاء في أخلاق الوزيرين عن تجشم ابن عباد برحلة إلى أصفهان وتجاوزه لقرى بعيدة وقرية غامرة على ماء مالح ليكتب لهم "كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار" مدد طريقه جرياً وراء لفظة، وبحث عن قرية لمناسبة السجع، يحلل كيليطو الفقرة ولا يهتم بصدق أو افتراء التوحيدي على ابن عباد ويتأمل في نوع من المؤلفين يرى شرفه متعلق بحزئيات وتفاصيل إنشائية ويورد اقتباس فولبير "بالنسبة لي، أجمل امرأة في العالم لا تساوي فاصلة موضوعة في محلها"، ويتساءل كيليطو ألا يشكل لزوم ما لا يلزم، بحسب تعبير ضرير المعرة تعريفاً للأدب؟ وإلا، فأي تعريف سيقى لنا يا ترى؟

الحبيب الأول

يحكي كاتبنا عن سؤال سألته أستاذة فرنسية تهتم بالأدب العربي عن ثلاثة شعراء يرد ذكرهم في كتب الأدب، الأول هو أبو الطيب، فشرح لها أنه المتنبي، والثاني أبو عبادة فلم يعرفه ساعتها والثالث أبيب، فهم بعدها أنها تقصد حبيبا، أي أبا تمام، اندهشت الأستاذة وفكرت لما اللف والدوران، أيعقل أن يقول ناقد فرنسي: شارل، أو ستيفان، أو أرثور وهو يقصد بودلير، ومالارمي، ورامبو؟

يوضح بعد صفحات أن أبا عبادة هو البحتري كما في أسرار البلاغة، ويقرأ كيليطو بيت أبي تمام

نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيثُ شئتَ مِنَ الهَوى  ما الحُبُّ إلَّا لِلْحَبيبِ الأوَّلِ

كمْ مَنْزِلٍ في الأرضِ يَأْلَفُهُ الفَتى    وحنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنْزِلِ

يجعل كاتبنا تلك الأبيات، رمزا للترجمة، لتنقل النص من لغة إلى لغة، وشعاراً لحنينه للغة الأصلية، ثم يحاول أن يقترب بخفر واحتشام من حنين أبي تمام، والذي يرى فى تعذر عودته مكمن سر حنينه الجارف إلى الماضي.

ويبحث بلا يقين عن أي حبيب كان يقصد أبو تمام، هل هي الأم؟ والمنزل، ثم يفكر هل كان يقصد نفسه؟ أليس اسمه حبيب؟ اسمه الذي أذهل الفرنسية وكتب عنه المعري ذكرى حبيب، أيكون الحنين، إلى أول من جمع بين الحبيب والمنزل، إلى امريء القيس، صاحب معدن الشعر وأصله

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومنزلِ    بِسِقْطِ اللِّوَى بينَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ



يلعب كيليطو لعب هاديء بلا يقين، لا يقترح مسلمات بل يحاول أن يربط بخفة وتواضع جم بين أبيات وأدباء ونصوص، ويحاول أن يتساءل أكثر لا أن يجيب، يمكن تلخيص قيمة هذه الشذرات بأنها تفتح أفق القاريء للتأمل في نصوص الأدب بوعي أكثر واستنطاق متأمل ولطيف دون مسلمات يقينية بمغزى الكاتب.

لدى كيليطو القدرة على أن يجعل من قصة للسندباد في ألف ليلة وليلة لما تقذفه الأمواج على جزيرة غريبة وتأكل الأسماك باطن قدمه، فيصنع عكازا يتكأ عليه وهو بين قوم غرباء يحن إلى بغداد، وعندما يصل إلى بغداد يختفى العكاز، يجعل كيليطو العكاز هو القاموس، والكتابة هي المشي، إما أن تكتب بلغتك الأولى فأنت تسير على قدمك، أو تكتب بلغة أخرى فتسير بعكاز، لا تستطيع أن تكتب رسالة غرامية مستعينا بالقاموس، لأنها ستكون ساعتها بدون فن وبلا حب.

الشنفرى ...شاعر الغضب والرحيل

يتأمل كاتبنا نصوص السرد ومقاطع الشعر، ويجد أنها تحفل بحديث صريح أو ضمني عن السفر، تظل هناك بوابة للسفر، ورحلة القراءة تستدعي تكيفاً مع عادات النص، وتطلب بالتالي مجهوداً ذهنياً ليس باليسير،، فما أكثر ما تخلينا فيها عن السفر وامتنعنا عن الإبحار ! ويفسر بذلك تفضيل القراء قراءة نص روائي على مجموعة قصصية لأن كل وحدة من وحداتها تتطلب استعداداً متجددا وعناء مستأنفاً للاندماج في بيئتها والانصهار في أجوائها.

وبهذا يربط كيليطو بين  الأدب والسفر ويورد بيت الأعشى في معلقته

ودِّعْ "هُرَيْرَةَ" إنَّ الرَّكْبَ مُرتَحِلُ              وهل تُطيقُ وَداعاً أيُّها الرجلُ

وتعريف ابن قتيبة في مقدمة الشعر والشعراء عن القصيدة بأنها وصف لسفر يقود الشاعر إلى أمير يقوم بمدحه، وهذا ما يبرر ذكر المطية،والمفازات الشاسعة التي قطعها الشاعر قبل أن يصل إلى الممدوح، ثم يشير إلى تولد فن المقامة من هذا النوع الأدبي، يحلل كاتبنا قصيدة الشنفرى لامية العرب، ويبحث في ارتحال هذا الشاعر عن أهله

أَقيِمُوا بَنيِ أُمِّيِ صُدورَ مَطِيِّكُمْ           فَإنِّيِ إلى قومٍ سِواكُمْ لَأَمْيَلُ

وينبذ الشنفرى أهله، لأنهم تنكروا له وجحدوه ولم يشدوا بعضده، وحان وقت الفصل والارتماء في أحضان أسرة جديدة، أسرة الذئاب والضباع:

هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ       لَديْهِمْ، ولا الجَانيِ بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ

يقرأ كيليطو قصيدة الشنفرى باعتبارها إدخال للغضب في الشعر العربي كما أدخل بيتهوفن الغضب إلى الموسيقى، لا يلمح ورود الغضب في المعلقات العشر، هناك الحماسة وهدير الحمية الجاهلية، لا فورة الغيظ والغضب، ولن تعاود تلك الفورة العودة إلا مع ظهور المتنبي، يربط كيليطو بين رحيل الشاعر عن قومه ومفارقته العادي والمألوف إلى حديث عبد القاهر الجرجاني عن الشعر باعتباره نص فيه خروج عن العادة وأقرب للغرابة وبهذا يؤسس الشنفرى لشعر أصيل، يحدث في النفس إحساسا لا عهد له به.

ابن العميد...الجاحظ الأخير

ثم يحلل في مقالة جميلة كتابات ابن العميد، وهجاء التوحيدي له، وكيف أنه حاول أن يقلد الجاحظ، لكنه وقع بعيداً عن الجاحظ قريبا من نفسه، ويحلل لنا مسألة التكرار، وكيف أن محاولة كاتب تقليد كاتب آخر فيها قتل لإبداعه، ويذكر أسباب التوحيدي في صعوبة تقليد الجاحظ  حيث قال " ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد: بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ؛ وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد."

ثم يحلل فشل مشروع ابن العميد الكتابي حيث يقول: "أن تهرب من نفسك، أن تنفصل عنها، مسعى يؤدي إلى باب مسدود".

في الكتاب تحليل شيق للمقامات في مقالة بعنوان "جراب بعض المغاربة"، لنتذكر أنه كتب كتاب عن المقامات بعنوان "المقامات السرد والأنساق الثقافية"، ويربط في مقالة ممتعة العلاقة بين الأدب والمأدبة، يقرأ كيليطو قصص الأدب القديم ويبحث في شيء بسيط في القصة ويتتبعه، ويكتب عنه، حتى لو كنت تعرف القصة إلا أنه ينبهك على فكرة مميزة، في الكتاب أيضا حديث عن بورخيس والأدب العربي، وكيف يتذكر كيليطو طه حسين، ويختم الكتاب بمقالة رائعة عن إدوارد سعيد بعنوان "صورة المثقف حمّالاً" وهذه المحاضرة يمكن سماعها بصوته على الساوند كلاود.


الكتاب صدر في قرابة المائة صفحة، وكاتبه يذكر من الشعراء أبيات لأبي تمام والأعشى ويحلل أبيات للشنفرى، وحكى عن التوحيدي وابن عباد والجاحظ وابن العميد، والحريري صاحب المقامات، وألف ليلة وليلة، ودلائل الاعجاز للجرجاني وطوق الحمامة لابن حزم، كتب كيليطو رحلة ممتعة للتراث العربي مع معرفة جميلة بالأدب الغربي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق