محمد عبد العزيز
يكتب خالد الكركي دراسة عن المتنبي
بقلم شاعري وروح درست حياة المتنبي، أما العنوان فهو إحياء لكتاب أستاذه محمد عبده
عزام الذي كتب كتاب بعنوان "ليال خمس مع أبي تمام" والذي أطلق فيه لروحه
العنان بعيداً عن نكد الدراسات الأكاديمية، وكتاب الكركي بديع فهو محاورة بين
المؤلف والمتنبي يسأل الشاعر ويناقشة، يرى المؤلف المتنبي على قلق ولكنه أيضاً ضجر
ومتكبر وصادم، وأنا أقرأ الكتاب كنت أقف مشدوها من كثير من تلك الاسئلة جالت
بخاطري عن حياة المتنبي شاعر العربية، واسئلة المؤلف مدعومة بأبيات المتنبي حتى
تقرأ النص بعذوبة بالغة.
المتنبي غريب الوجه واليد واللسان،
والسهم الذي لم يعود، وفي بداية الكتاب يحاول المؤلف أن يعرف بنفسه، فيقول أنه ليس
الذي نظر الأعمى إلى أدبي ولا الذي إذا قال شعراً أصبح الدهر منشدا، ويحكي للمتنبي
أنه كتب كتاب عنه بعنوان "الصائح المحكي"، سيذكر المؤلف المتنبي برائعته
في مدح سيف الدولة، والتي يراها تفوق كل مدحه لكافور:
نَزُوُر دِيَاراً مَا نُحِبُّ لَهَا مَغْنَى ونَسْأَلُ فِيها غَيْـرَ ساكِنِهـا
الإِذْنَا
وقد عَلِمَ الرُّومُ الشَّقِيُّونَ أَنَّنا إذا ما تَرَكْنَا أَرْضَهُمْ خَلْفَنَـا
عُدْنَا
وأَنَّا إذا مَا الموتُ صَرَّحَ في الوَغَى لَبِسْنَا إلى حَاجَاتِنا الضَّرْبَ والطَّعْنا
قَصَدْنَا لَهُ قَصْدَ الحَبيبِ لِقَاؤُهُ إِلَيْنا، وقُلْنَـا لِلسُّيُـوفِ هَلُمِّـنَّا
وما الخوفُ إلَّا ما تَخَوَّفَهُ الفَتَى وما الأمـنُ إلَّا ما رَآهُ الفَتَى أَمْنَا
ينكر المؤلف الحكمة على المتنبي، ولا
يجدها الفهم المناسب له ولا لقصيدته، آخر وصف للمتنبي أنه حكيم، والذي ظنه الناس
حكمة هو شيء من ارتطامك بمشهد الحياة وهو يطارد خيلاً من فوارسها الدهر.
ومَنْ صَحِبَ الدُّنْيا طَويلاً تَقَلَّبَتْ على عَيْنِـهِ حتى يَرَى صِدْقَهـا كِذْبَا
و على قَدْرِ أهلِ العَزْمِ تَأتيِ
العَزَائِمُ
يحاول المؤلف الامساك بتلابيب شخصية
المتنبي المبثوثة في أبياته، هذا الوحيد من الخلان في كل بلدة، العذري وصاحب العفة
لما قال
يَرُدُّ يَدَاً عَنْ ثَوْبِها،
وَهْوَ قَادِرٌ وَيَعْصيِ الهَوى في طَيْفِها،
وَهْوَ رَاقِدُ
أبانا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس،
لنحاول أن نراه بعيداً عن تحليل شخصيته، لنقرأه من خلال أبياته، وسيرة المؤلف
معجونة بحياة المتنبي وأبياته يقول الكاتب
أقف أمام ضريح أمي وأردد
وما انْسَدَّتِ الدُّنْيَا
عَلَيَّ لِضِيقِها ولكِـنَّ طَرْفَـــاً
لا أَرَاكِ بِـه أَعمَى
يريد المتنبي أن يكون الشاعر الأوحد
وأن نلغي من سواه، يريدنا المتنبي أن نراه وسط معركة "تطاعن خيلاً من
فوارسها الدهر"
وأحيانا " وحِيداً؛ ومَا قَوْليِ
كَذا! وَمَعيِ الصَّبْرُ"
وأحيانا " يُحاذِرُنيِ حَتْفِيِ كأنِّيَ حَتْفُهُ "
وأحيانا "ما أَبْتَغــيِ جَلَّ
أَنْ يُسْمَى"
نرى المتنبي في هذا البيت
وتَرْكُكَ في الدُّنْيا
دَوِيَّاً كأنَّما تَدَاولُ سَمْعَ
الـمَرْءِ أَنْمُلُهُ العَشْرُ
يقول له لك ما أردت في البيت الأخير،
وكما يقول الأستاذ محمد مختار خليل، أن المتنبي قال تأتي الرياح بما لا تشتهي
السفن، لكن رياح أحوال المتنبي أتت بما تشتهيه سفنه، وبقى من الخالدين، المتنبي
الذي صدعنا بأناه المتضخمه نسمعه وهو يقول والدهر من رواة قصائدي، وأنا السابق
الهادي إلى ما أقوله، وأنا الصائح المحكي، وأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأنا
صخرة الوادي، وما أحد فوقي ولا أحد مثلي، وترب الندى ورب القوافي، ومن لو رآني ماء
مات من ظمأ، إلى غير ذلك من تهديد لملوك العرب والعجم إلى أن يصل إلى "ولو
برز الزمان إلى شخصا لخضب شعر مفرقه
حسامي"
فضلا عن كونه يحاذره حتفه كأنك حتفه،
وكأنك دحوت الأرض، لكن هذا هو المتنبي النهاري، يحضر في المساء متنبي آخر يذهب
بإرادته إلى كافور، ويقول كفى بك داء أن ترى الموت شافيا، ويغادره وهو ينشد
"أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا" ثم يحاوره أو يحاكمه على شعره في
كافور ويضعه على السفود، ثم يسأله عن مدحه لعضد الدولة وشعره السقيم فيه، ويضع
أمامه الدليل بالأبيات، أمسك نفسي أن أنقل كل المداولات والخطبة الطويلة التي
يقدمها خالد الكركي لما يقارن مدح حسان
أمام النعمان بالمتنبي، ويسأل المتنبي كان لك سيد وسيف ولم يكن لك عشيرة أو
دولة.
ويسأل الكاتب المتنبي لما ترددت في
البوح وهو سيد الشكوى من الزمان والحكام، عن الحبيب
لَيالِيَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ
شُكُولُ طِوَالٌ، ولَيْـلُ العَاشِقِينَ
طَويلُ
ثم
يكمل نصه الشاعري ويسأل وكلما شرقنا بالماء ونحن بين يدي الحبيب ذكرناك،
ألم تقل
ومَا شَرَقيِ بِالماءِ
إلا تَذَكُّراً لِمَاءٍ بِهِ أهْــلُ
الحَبيبِ نُزُولُ
ترب الندى ورب القوافي ومن شرفت قومه
به، وبنفسه فخر لا بجدوده، والذي لا أحد فوقه ولا أحد مثله، هذا وهو في أول
الشباب، لا يعاني من الوجد وذل الحب، لكن قصيدته في علي بن أحمد الطائي تشي بشاعر
عذري كبير:
تذلل لها واخضع على
القرب والنوى فما عاشق من لا يذل ويخضع
هي السيف والمجد والخيل، التي شغلت عقل
وبال المتنبي، لا موجعات القلب، والا الكف التي تندى إذا ما لمستها، ولا ليلى
الأخيلية التي لو سلمت عليك ودونك تربة وصفائح لسلمت تسليم البشاشة، يتمثل لنا
المتنبي بالقوة والفخامة والضجر والقلق، كأنه لم ينكسر في العيد، وينفجر حنينا وهو
يقول
أَصَخْرَةٌ
أَنَا؟ مَا ليِ لا تُحَرِّكُنيِ هَذيِ
الـمُدامُ، ولا هذيِ الأَغَارِيدُ
يراه خالد صخرة وهكذا رأى المتنبي نفسه
أنَا صَخْرَةُ الواديِ
اذا ما زُوحِمَتْ وإذا نَطَقْـتُ فإنَّنيِ
الجَوْزَاءُ
لا يقول لنا المتنبي من تلك التي
"جفتني كأني لست أنطق قومها" ، ويسير مثل الأسد الذي لا يعرف التحريم
والتحليلا، والذي يطأ الثرى مترفقاً من تيهه، هذا هو المتنبي لا الأسد ولا بدر من
عمار، وهو عندما يمدح عبد الله بن يحيى البحتري
متى ما يشر نحو
السماء بوجهه تخر له الشعرى وينخسف القمر
يذبحنا المتنبي، لأنه يضع النص الرائع
في غير أهله! ولا يصف صاحب الأبيات بل يصف نفسه، مبالغات المتنبي تقوده لشيء غير
مفهوم، أليس القائل
واقِفَاً تحتَ أَخْمَصَيْ
قَدْرِ نَفْسيِ واقِفاً تحتَ أَخْمَــصَيَّ
الأنامُ
فلماذا يضع المتنبي نفسه تحت أخمص
غيره.. ينتقل المؤلف في الكتاب من مساءلة المتنبي إلى ملاحظات كثيرة على حياته لا
يحسن بها التلخيص ولا الاشارة فهي هناك على أكمل وجه، إنما اكتب لأني أحب أن أشارك
الناس ثراء حياة المتنبي وشعره وفنه، وجمال هذا النص البديع الذي كتبه دارس مهم
لشعر المتنبي، وستجد في الكتاب اسئلة عديدة مثل لماذا الأصرا ر على دراسة حياة
المتنبي والنأي عن دراسته من خلال شعره، ويورد كلمة لإحسان عباس أن السبب هو
"الذعر الجميل".
النص محاورة يديعة بين الناقد والشاعر
يقول له هل تقبل أن أمدحك بما قلته في عبد الرحمن بن المبارك الإنطاكي مقابل أن
تتركني اكتب عنك بحرية بدون أن يحضر ظلك على النص
رَجُلٌ طِينُهُ مِنَ العَنْبَرِ الوَرْ دِ وطِينُ العِبـادِ مِنْ صَلْصَـالِ
فَبَقِيَّاتُ طينِهِ لاقَتِ الما ءَ فَصَارَتْ عُذُوبَــةً في الزُّلالِ
وبَقَايا وقارِهِ عافِتِ
النا سَ فَصَارَتْ رَكَــانَةً في
الجِبَالِ
ثم يقسم له أن سيف الدولة لم ينل شطر
بيت مثل هذا، ويرى المؤلف أن قصائد المتنبي الشاميات أعلى من السيفيات، ويستدل على
رأيه بأبيات من قصيدة عالية في ذرى الجمال والشعر والإيقاع
نَحْنُ رَكْبٌ مِ الجِنِّ
في زِيِّ نَاسٍ فوقَ طَيْرٍ لها شُخُوصُ
الجِمَالِ
مِنْ بَنَاتِ الجَدِيلِ، تَمشيِ بِنا في الـ ـبِيدِ مَشْيَ الأيَّامِ في الآجالِ
مِنْ بَنَاتِ الجَدِيلِ، تَمشيِ بِنا في الـ ـبِيدِ مَشْيَ الأيَّامِ في الآجالِ
ونص خالد مليء بالرثاء على حلب وحواضر
العرب، يقول "أنا لا ناقة لي، ولا جمل بين أباعر قومي، لي فقط طلل يشبهني،
وهو الذي أدعوك للوقوف عليه ترى زماناً تهشم تحت حراب الروم حتى نأت حلب، وغابت
الفسطاط، وتهشمت بغداد، وضاعت الأندلس"، المتنبي المسكون بوجع الحساد وضجر
الإقامة قرب كافور، وهزيمة الروح يوم وجد حكام بغداد على ما هم فيه، كأن لا خليفة لهم،
(وسوى الروم خلف ظهرك روم).
أشعر بأني حرضت القاريء على أن يقرأ
كتاب خالد الكركي ففيه نقاشات بديعة والنص يكشف عن ثقافة رفيعة في أدب العرب، وهو
نص ذاتي يترك الكاتب العنان لنفسه، ستصيبك الدهشة وتعود للديوان وللمتنبي وقد تحزن
وأنت يحز في نفسك تذكر بطولات العرب في زمن الضعف، هذا الذي يحدث في الروح لما
نقرأ شعر هذا المتنبي الجنبي العبقري، أصوات الفرادة والأنا تعلو، والمعارك وسنابك
الخيل، وتنهدات من المتنهد الأول.
والكتاب فيه إشارة لمراجع وكتابات عن المتنبي
بداية من القاضي الجرجاني في كتابه الوساطة
إلى عبد الرحمن السقاف في "العود الهندي عن أمالي في ديوان
الكندي" وإشادة ببعض الدراسات مثل دراسة حسن الإمراني عن دراسات المستشرقين
عن المتنبي، وكتاب أطلس المتنبي ليوسف الشيراوي، ودراسة عبد الله الجبوري عن
المتنبي، وكتاب الطيب صالح في صحبة المتنبي ورفاقه، مع إشارة لدراسة ماسينون
"المتنبي إمام العصر الإسماعيلي" وبلاشير، وأبو العلاء المعري، ويذكر
ويناقش شراح الديوان القدامى، الأباء المؤسسون كما يطلق عليهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق