"أنا
أطلب حقائق في هذه الدنيا لا أستطيع أن أتخلى عنها أبدًا، وعلى رأسها
حقيقة نفسي، أنا قضيت حياتي أعالج نفسي، أعالج أثر (دنلوب) في، أعالج أثر
الاستعمار في قلبي، في ضميري، في عقلي، في نفسي، في نظري، في رؤيتي، أعالج
أكبر المسائل في داخلي“. لقاء الأستاذ محمود محمد شاكر بإذاعة الكويت.
في جلسة واحدة تمتعت بمحاورة
كتاب “ظل النديم أوراق وأسمار شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر رحمه
الله التي لم تنشر من قبل”، للأستاذ وجدان العلي، فلقد اجتهد المؤلف في جمع
هذه الأوراق والمسامرات قيامًا بحق الأستاذ محمود شاكر من جيل الشباب، ولم
تقطع هذه القراءة إلا كؤوس الشاي.
ولعلي في هذا المقال أختار بعض
هذه الملامح التي تعرض لشخصية الأستاذ محمود شاكر، مستعينًا بهذه الأوراق
والمسامرات التي سعدت بجمعها في مكان واحد، وكثير منها ينشر لأول مرة ويخرج
للناس، في لغة جميلة قدم بها الأستاذ وجدان، فالكتاب يجلو بعض الزاويا
المغيبة ولا يستكثر من المعروف المعاد المكرر الذي يعرفه الناس، فالكتاب
كما أراد مؤلفه ووضح ذلك “تأريخ مختصر لبعض الجوانب في شخصية شيخ العربية،
سقاها المؤلف عبر الأخبار بعيدًا عن الاستقراء والاستقصاء”.
توفرت للأستاذ محمود شاكر
المكتبة الوافرة، هيأها له والده محمد شاكر رحمه الله، وأخوه أحمد محمد
شاكر، مع ما تمتع به من الذاكرة العجيبة التي تلقف كل ما يقرأ، وتواصله مع
الأساتذة الكبار مثل الشيخ السيد بن علي المرصفي، وقد كان الشيخ المرصفي
علامة ذواقة، وكذلك أثر مصطفى صادق الرافعي عليه، خصوصًا في نظرته للعربية
وانتمائه للأمة، مع ما اهتم به من العناية بقضية الشعر الجاهلي وصحته.
امتلك محمود شاكر موقفًا حاسمًا
في كل ما يخص العلاقة بالغرب، بدأ ذلك من تغيير اسمه (الأصلي) محمود سعد
الدين إلى محمود محمد شاكر، لما كان يحمل من معارضة لمواقف سعد زغلول
السياسية والذي أضر بالحركة الوطنية.
مع شدته في مناقشة المستشرقين
كما يظهر ذلك في “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”، أو ما نقله الأستاذ وجدان
عند حديث المستشرق الإيطالي نللينو ودعوته ليكون أستاذ كرسي الأدب في
جامعاتها، فنظر إليه محمود شاكر قائلًا: “أنا لا أدخل بلادكم إلا غازيًا!”.
مع رفضه الحديث بالإنجليزية حتى
مع الطبيب المعالج في لندن، رغم إتقانه لهذه اللغة في شبابه، فقد ترجم بعض
القصائد من الإنجليزية وهو ما يزال شابًّا، قبل أن يتجه إلى تراث العرب.
ولو أردت أن تتضح لك أحد ملامح
شخصية الأستاذ محمود شاكر، فهي عزة النفس والأنفة والكبرياء، دون استطالة
على خلق الله، فلقد أنف من انتظار سوزان مبارك في أحد الاحتفالات بسبب
تأخرها عن الموعد، وانصرف وهو يصيح: هؤلاء الناس لا يحترمون وقت أهل العلم!
ووقف ينهر المثقفين قائلًا: “لو كنتم تحترمون أنفسكم لقمتم! هؤلاء لا يحترمونكم!”. رحمه الله، فلقد كان من أحرار العرب.
الملمح الثاني، هو حبه للعلم
وتبتله في محرابه، خرج من مصر في ريعان شبابه عازمًا ألا يعود إليها بعد
خلافه مع طه حسين، ورفضه أن يدخل مكانًا يسمع فيه الكذب، يقصد الجامعة،
فارًّا من الثرثرة في مجتمعنا وفساد الحياة الأدبية، أمثال هذه الثرثرة
ثرثرة التعليم في مدارسنا ثم ثرثرة رجال السياسة وثرثرة أقلام الصحافة،
وثرثرة أهل الأدب والفكر وثرثرة الطوائف من أصحاب الديانة، وما لا يحصيه
عدًّا من أنواع الثرثرات.
ولم تكن جزيرة العرب مغرية لا
بالمال ولا بشيء، وإنما كانت هجرة من القلب، باحثًا عن صفاء العقيدة
وفرارًا من أثر حضور المحتل في بلاد المسلمين.
ولقد فرغ من شأن الدنيا في
قلبه، يأنس برفاقه الذي يقول عنهم باكيًا تتهادى عبراته أثناء كلامه: “إنهم
الذين آنسوا غربتي، ونفوا عن نفسي القلق، وأرضوني بهذه الحياة التي
نحياها، وبثوا في قلبي الأمل، وهم على قلتهم كانوا يعطونني من مودتهم ومن
إخائهم ومن رعايتهم -ولا أقول هم فقط، بل حتى الذين غيرتهم الأيام علي بعد
سنين طويلة- قد كان لهم فضل كبير في أن أبقى ملازمًا لطريقي الذي اختطته
منذ كنت طالبًا”. إلى آخر حديثه الممتع والذي نقله الأستاذ وجدان صفحة 38.
وهؤلاء الأصدقاء هم الذين صبروا
عليه وعلى حدته، فها هو يحيى حقي يحكي أنه بعد صداقته مع محمود شاكر قال
له أبو فهر: “اذهب فقد أجزتك”.
ويستأنف يحيى حقي: “ولا تظنوا
أني لم أدفع ثمن هذا من كلمات التوبيخ والشتم والإهانة وتسليط أفظع الألقاب
علي”. فيضحك أبو فهر ويضحك يحيى حقي.
وهو يهتم بأمور تلاميذه ويشجع
الطناحي على إكمال رسالة الدكتوراه، ويوصي أحد أصدقائه القدامى بزوجة
الطناحي الأستاذة عنايات، ويصفها بابنته أثناء سفرها وزوجها إلى المملكة
العربية السعودية، ويسهل لتلميذ آخر السفر للعمل في الكويت، ولقد تذكرت
عندما قرأت هذه الشواهد ما حكاه نجيب محفوظ في أحد الحوارات معه، عن شيء
أعجبه في طه حسين، فقال إن طه حسين كان يذهب بتلاميذه إلى الدواوين
الحكومية يبحث لهم عن عمل ويساعدهم في ذلك.
مع ما طبع عليه من الوفاء
لأساتذته، ومثال ذلك: رثاؤه للرافعي ولأخيه أحمد شاكر، وبكاؤه على محمود
حسن إسماعيل وتذكره يحيى حقي في حواراته، ومما التقطه الأستاذ وجدان
ببراعة، ما نقله من نعي الأستاذ محمود شاكر للأستاذ رجب إبراهيم الشحات
المعيد بجامعة الأزهر، ولن أفسد وصف الأستاذ شاكر بتجزئته فليرجع له في
موضعه صفحة 61 من الكتاب، فلقد كان الأستاذ وفيًّا يذكر ويثني على كل من
عاونه ويعترف بالجميل.
كان يخرج من بيته لا يعرف أجر سائق التاكسي، وكل ما يصحبه مصحف في جيبه هذا، والحماسة في جيبه الآخر!
ويوم أخذ مال جائزة الملك فيصل
دفعه إلى الحاج محمود المدني، ليطبع كتبه على الوجه الذي يطمع فيه الأستاذ
جودة وإتقانًا، وما كان يحفل بما عليه الناس من الطبقية المقيتة، فمائدة
طعامه يجلس عليها الوزير بجانب عم أنور الحلاق.
ولقد تنبه الأستاذ وجدان في
عرضه لملمح من شخصية أبي فهر، وهو “الخوف من رب العالمين”، وساق شواهد ذلك
من مواقف الأستاذ في حياته، والتي تدل على تعظيمه الله عز وجل.
ثم ما في شخصيته من الرقة وسرعة
البكاء ومشاعر الأبوة والحنان، فكان ينام على الأرض حتى لا يزعج القط الذي
نام على سريره، وينام على الأرض في جوار الحرم بمنزل تلميذه محمود محمد
الطناحي، رهبة من جوار الحرم، وخوفًا من مضاعفة الآثام، ويردد قوله تعالى:
“ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم”.
ومثال أبوته الحانية عندما زاره
صديقه الشاعر محمود حسن إسماعيل فيجد محمود شاكر صديقَه مريضًا جدًّا،
فيمنعه من النزول، وكان لدى محمود حسن إسماعيل موعد في الإذاعة واتصلت
الإذاعة به، فأنقذ الموقف بأن ذهب هو يلقي قصائد صديقه حتى لا تتدهور حالته
الصحية.
وهو شديد الحياء من أعين الناس
إذا صمتوا وتوجهوا بأبصارهم إليه، عبر عن ذلك في مجلسه في بيته وفي لقائه
مع طلبة الجامعة، وفي مقدمته لأحد كتبه عن عجزه عن إلقاء الحديث في أعين
الناس، فهو رجل صنعته القلم والكتابة.
كان يعتري شخصيته الحدة والثورة
وضيق الصدر وسرعة الغضب والشدة في الرد، كما فعل مع لويس عوض في كتابه
أباطيل وأسمار، لكنّ أبا همام د.عبد اللطيف عبد الحليم يشبه أبا فهر بثمرة
جوز الهند، وهو تشبيه جميل؛ فهي ثمرة قاسية صلبة في خارجها، بينما طيبة
عامرة في أعماقها.
مع تنوع مجلسه من حضور الشخصيات
من كافة المذاهب والتيارات مثل مجدي وهبة المسيحي، ومحمد جلال كشك الشيوعي
قبل أن يتحول للتوجه الإسلامي؛ إلا أن سب الصحابة أو الحديث عنهم بسوء كان
بمثابة الخط الأحمر في مجلسه، وعبر عن ذلك في رده على مقالات لسيد قطب
حملت عنوان “لا تسبوا أصحابي”.
كانت القراءة لذة محمود محمد
شاكر الوحيدة في الحياة، فكان لا يترك الكتاب إلا قليلاً للصلاة أو طعام
وما يكون من شأن الإنسان في يومه ومع أسرته.
والأستاذ محمود شاكر كان
منتبهًا لتفشي عدوى الزهد في العلم والقراءة، ولكنه لا يقع في وهم الحنين
إلى الماضي في بدايات هذا القرن؛ بل يوضح في مجلسه ما احتواه هذا القرن من
عيوب كبيرة جدًّا.
وهو يعلق في أحد أسماره عن قضية
الفارق بين نسب القراءة في العالم العربي وبين الغرب بأنه لا يوهم نفسه
بما يجري في العالم الآخر، فالذي يجرى عنده هو المهم، أما ما يجري في
العالم الآخر فنستقبله عبر الكلمات، وليس عن طريق الخبرة، لا أنت تعرفينه
(يقصد السائلة)، ولا أحد يسافر، فهم يتحدثون عن شؤون أنفسهم، ثم يوضح الخلط
بين عالمين، أحدهما يقصد الغرب قذر وشرس ومتوحش، ويريد أن يقضي على العالم
كله ويسلبه كل قواه، والآخر يجلس “غلبان” ليس معه شيء، ويقول: العالم
الآخر بيعمل كذا!
وفكرته عن مسألة التخصص في
العالم العربي جديرة بالتأمل، فيقول: “ليس عندنا متخصص بالمعنى الذي يفهم
عند الغرب؛ لأن المتخصص هنا مثلًا في الهندسة عبارة عن مهندس يعرف بعض
المعارف في الهندسة، ومنعزل عن العالم تمامًا، حتى نفسيته ماتت من الداخل،
ليس بإنسان ولا قارئ، ولا ينظر في الأدب، ليست له علاقة بشيء، بل هو رجل
يعمل على قدر ما لديه، التخصص شيء آخر عندهم، لكنه عندنا هو الانحصار في
دائرة العبودية الصغيرة التي تعمل فيها جزءًا من آلة!”.
ثم يفصل في معنى الحضارة
والثقافة والانتماء، ويصف الداء بكون هذه الأمة بلا لغة تجمع اهتمامات كل
البشر الذين يعيشون على أرضها، بآدابها وفنونها وتاريخها وماضيها، ليس لها
شيء تنتمي إليه.
وفرت له زوجته أم فهر جوًّا
أسريًّا سمح له بالتفرغ للعلم والمعرفة، وكان يستوحش إذا سافرت أم فهر إلى
بلدتها، ويرسل في طلب تلميذه عبد الحميد البسيوني ليبيت عنده، ولقد كتبت
عنها الأستاذة عايدة الشريف في كتابها الجميل “قصة قلم”، وقدم لنا الأستاذ
وجدان في هذا الكتاب رواية الأستاذ محمود شاكر لقصة زواجه رواها وهو يغالب
دمعته، ختمها بأنه: “منذ عام 1943 إلى يومنا هذا (كان هذا الحديث عام
1983)، في رعايتها لكنها لم تأخذني من معدتي كما قال محمود الطناحي، ولكنها
جمعت حولي الأمعاء كلها (يقول هذا ضاحكًا لما اشتهر عنها من الطعام
اللذيذ)، فهي صاحبة البركة في هذا البيت”.
وهي التي رفضت بيع مكتبته وفاء
له، فذهاب المكتبة عندها أعظم على قلبها من ذهاب صاحبها، وقطعت على نفسها
عهدًا بالحفاظ على مكتبة الأستاذ محمود شاكر ما دامت حية، مع ما عرض عليها
من إغراء بتحديد أي مبلغ لبيعها.
كان محمود شاكر معلمًا للأمل،
فرغم حديثه المتكرر عن الظلام والتيه الذي حدث للأمة، لكنه ما فتئ يكرر
الحديث عن الضوء الذي سيأتى يومًا ما، ولكنه يوضح بأن الأمل لا ينقطع؛ لأن
تدبير الله تعالى لملكه لا نعرفه نحن، ولا يخدعكم الأوربيون.. فقد كانوا
حتى القرن السادس عشر والسابع عشر في أحط أنواع الحياة البشرية.
وكانت رفقته تبث الأمل في قلبه
بأن يكون لهذه الأمة في يوم من الأيام خطر كالذي كان لها فيما مضى، وحكى
الأستاذ حمدي إمام وهو من تلامذة العقاد، بأن الأستاذ محمود شاكر أعطى له
ولشوقي هيكل ولعايدة الشريف هذا الأمل، فقد عرفه كثير من الأصدقاء والناس
في فترة خيم فيها اليأس على كل شيء، بعد أن فقدنا كل شيء وجئنا إلى محمود
شاكر ووجدنا منه الجد والاهتمام، ووجدنا منه إعطاء الأمل وعدم اليأس فأعدنا
ثقتنا بالحياة مرة أخرى.
كانت هذه الحلقة الأولى من بعض
القطوف في حياة شيخ العربية والتي أسدى لنا الأستاذ وجدان العلي خدمة
بجمعها والعناية بها، ولقد شعرت بالخجل والحياء أن أتعرض لسيرة شيخ
العربية، لكن ما وهبني الجرأة هو حق جيلي بالتعرف على آثار الأستاذ وإعادة
مدارسة تراثه، والتعرف من طريقه على تراث العرب وزيادة الثقة بما تركه لنا
الأوائل والتخلص من عقدة النقص والشعور بالدونية.
يتبع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق