“ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل
النظر إلى قسم الأدب منها، وأكرر سؤالًا أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه
الكتب؟ كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءًا بالمفضليات والأصمعيات، وانتهاءً
بالكشكول والمخلاة للعاملي، وقرونًا بين ذلك كثيرة: دواوين الشعر ومختارات
الأدب والحماسات والأمالي والمجالس، وكتب المعاني، وكتب الأمثال: تجارب
أمم، وعقول أقوام استودعوها بطون الكتب، وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة
والحفظة والنساخ والمحققين، حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع
الآباء.
وقل مثل ذلك في سائر علومنا:
تفسير القرآن وعلومه، ودواوين السنة، وكتب الفقه وأصوله، وعلم الكلام
والتصوف، والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة
واللغة والنحو والبلاغة، فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلًا عن اقتنائها؟”.
مقالات الدكتور محمود محمد الطناحي/ ج1، ص 262.
كان من حظ جيلي، أو على الدقة
من سوء حظه أن تنحدر مراحل التعليم ويتعلموا في مدارس لا تعلم عربية ولا
إنجليزية، ليخرجوا وقد عانوا من عدم القدرة على كتابة فقرة طويلة صحيحة
بدون أخطاء إملائية، أتذكر الأستاذ الذي لا يحسن الشرح أم المكتبة المدرسية
التي لا نعرف الطريق إليها، تعليم مجاني لا يعلم شيئًا وجامعة يعاني أكثر
أساتذتها من العامية وضعف الثقافة.
عندما يفيق الإنسان في مرحلة ما
في حياته -دائمًا ما تكون متأخرة-، بسبب قصة أو موقف أو تجربة ذاتية أو
كتاب فأس قرأه، فيكتشف أنه لم يتعلم شيئًا وأن عليه أن يبدأ بتحصيل معرفة
صحيحة سليمة للغة الكتاب الذي يقرأه في صلاته، ولتراث الأمة التي ينتمي
إليها، يشعر بجرح نرجسي أو تخنقه العبرة (كما يقول الأدباء)، ويتمنى أن
يستقيم لسانه على قراءة القرآن قراءة صحيحة، وأن يفهم ديوان العرب وأيامهم،
ويحاول أن يفك طلاسم الأبيات، وأن يعيش مع كتب كتبت من القرن الثاني
الهجري ونقلها لنا رواة أوفياء بعلم الرجال وأسانيد متصلة تحفظ حتى الشعر
من الانتحال!
يخاف أن يفقد ميزة هذه الذاكرة
التاريخية لتراث العربي الذي قل أن يحدث مثله في تراث الأمم والحضارات،
يقول عبد الفتاح كيليطو في كتابه لن تتكلم لغتي: “من البدهي أن الذاكرة
الأدبية مختلفة عند العربي عنها عند الأوروبي، فإن ذاكرة العربي تبدو أطول
من ذاكرة الأوروبي: إنها تخترق خمسة عشر قرنًا وتمتد إلى المعلقات، إلى
الشنفرى ومهلهل بن ربيعة، بينما لا تتجاوز ذاكرة الأوروبي (اللغوية –
الأدبية) خمسة قرون. فبالنسبة إلى الفرنسي مثلاً، يبدأ الأدب الفرنسي
المقروء مباشرة مع فيييون، شاعر القرن الخامس عشر، ثم يتواصل مع رابلي
ومونتيني، أما كتاب القرون الوسطى، فلن يستطيع الفرنسي قراءتهم إلا مترجمين
إلى الفرنسية الحديثة، لكن العربي لن يجد صعوبة تذكر عند قراءة ابن المقفع
أو التوحيدي. صحيح أن قراءة أبي تمام ليست هيّنة، بيد أنه عند التدقيق
نلاحظ أن هذا الشاعر كان يبدو عسير الفهم حتى لدى معاصريه، ولهذا السبب قام
المعري والتبريزي بشرحه فيما بعد. من يستطيع اليوم قراءة نزار قباني
يستطيع قراءة العباس بن الأحنف، ومن يقدر على قراءة صلاح عبد الصبور يقدر
على قراءة صالح بن عبد القدوس، ومن بوسعه قراءة زقاق المدق بوسعه قراءة
كتاب البخلاء. وهذه ظاهرة غريبة عجيبة، قل أن نجد لها مثيلاً لدى شعوب
أخرى”.
حتى فسدت الذائقة، وأصاب
الثقافة العربية زلزال جعل ثقافتها تتصدع، حتى وصل الأمر إلى روح الفنان
فبات ينبض قلبه بنبض أجنبي عن تراث فنه.
هذا الحجاب عن التراث والمخاصمة
المعرفية لأدب العرب، منعتني ومنعت الكثير من أبناء جيلي من تذوق الشعر
الجاهلي، هذا الشعر والبيان الذي بلغ ذروة ما يمكن أن يصل إليه البيان
الإنساني، فشِعر هذا العصر الجاهلي هو أصل الشعر العربي في القرون التالية
له، وجعلتني أعيد نداء الأستاذ محمود شاكر في توضيحه سبب كتابته لكتاب “نمط
صعب ونمط مخيف”، في قوله: “ومآل هذا الأمر كله إلى ناشئة الشعراء المحدثين
والنقاد، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها، وشرفها، وجمالها، وفنها، لا ينبغي أن
يضللهم عنها، أو يبعثر إليها خطاهم، من عمد إلى إرث آبائهم من لدن إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام، إلى يوم الناس هذا، فسماه لهم (تراثًا قديمًا)
ليجعله عندهم أثرًا من الآثار البالية، محفوظًا في متاحف القرون البائدة،
ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء الزجاج ثم ينصرف”.
ثم يفصل فيمن يتاح له أن يطأ
هذا الضلال بكبرياء الفن وعظمته، فيذلل لمن بعده وعورة الطريق ويزيح من
مجرى النهر المتدفق من منابعه الخالدة كل ما يعترضه من صعاب، أشدها
وأعتاها: التوهم والخوف، واستطالة الطريق، والعجلة إلى شيء، إن صبر على
امتناعه اليوم، فهو بالغه غدًا وحائزه.
هكذا يدلنا خبير بالطريق وفنان بدروبه الوعرة إلى النبع الصافي، إلى تراث أمة متصلة بلغة عظيمة، شرفها الله بنزول كتابه بها،
أشعر بظمأ لتراث العرب،
وللتتلمذ على تراث أعلام هذا التراث الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، أبي تمام،
ابن تيمية، الشافعي، وأبي حنيفة، ابن حزم وأبي هلال العسكري، عبد القاهر
الجرجاني وأبي علي القالي، المبرد، الأصفهاني، ابن قتيبة، ابن خلدون،
الجويني… قائمة تطول بأسماء الأعلام والأدباء والفقهاء والفلاسفة
والمتكلمين المساهمين في البناء العقلي لتراث هذه الأمة.
هذا التراث ليس للزينة، وهذه
الكتب ليست لجدران المكتبات، وإنما هي قيم أمة نهضت وتفانت في المساهمة
المعرفية، وحب الحكمة، وما الشأن في الوريث أن يمدح بما ورثه، إنما الشأن
فيه أن يثمر ما ورثه، كما يقول محمد الشيخ في زيارته الجميلة للمدونة
الصوفية في كتابه الحكمة العربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق