الأربعاء، 22 أبريل 2015

شاهدة ربع قرن

في صباح أحد الأيام، في فرع مكتبة الهلال بطنطا، وجدت كتابًا صغير الحجم، على غلافه صورة الأستاذ محمود محمد شاكر يتصفح كتابًا. كان الكتاب بعنوان “قصة قلم”، يحكي تجربة محمود محمد شاكر، من رائدة من رواد صالونه الأدبي الأستاذة عايدة الشريف. بعد هذا التعارف الأول الثري، وجدت في زاوية من زوايا دار المعارف بطنطا نسختين قديمتين من كتاب بعنوان “شاهدة ربع قرن” لعايدة الشريف؛ فاهتبلت الفرصة وخرجت مسرورًا بنسختي ونسخة لصديقي، وتم التعارف، ووجدت في شهادة الأستاذة عايدة الشريف تجربة جميلة في مصاحبة رجال الأدب والفن.
لم تكن عايدة لتعد الكتابة أحد أحلامها يومًا ما، فقد كان حلمها الأوحد في الحياة أن تكون رسامة، رغم أن ما رسمته من ملامح شخصية لكثير من رجال الأدب لم يبعدها عن الرسم ولا عن الفن، أو حلمها الثاني أن تكون قريبة من عالم الطيور؛ فقد كانت شديدة الشغف بكل ما يخص الطيور، ولعل هذا الشغف المبكر يفسر اسمًا لأحد كتبها بعنوان “الإنسان الطائر”، هل وجدت عايدة في عالم الفن والأدب تحليقًا من نوع مختلف؟!
سجلت عايدة الشريف ذكرياتها عن ربع قرن عاشته بين أجواء المثقفين والمبدعين، بدأت ملامح هذه الشهادة من عام 1957 إلى عام 1982، سجلت ملامحه في كتابها في فترة إقامتها في الكويت ونشرته لدى مجلة الدوحة، كانت عزلتها في الكويت وهدوء الذهن وصفاء البال مشجعًا لها على إتمام هذه الصور الشخصية المترقرقة في داخلها وإعادة شحن الذاكرة  بالمواقف.
لعل النبع الذي فتح لعايدة الشريف الكثير من آفاق الثقافة هو أخوها يوسف الشريف، الصحفي ومؤلف الكتاب الجميل “مما جرى في بر مصر”، والناقد الدكتور محمد مندور؛ حيث تتلمذت عليه في معهد الفنون المسرحية قسم النقد. كان مندور يطلق على عايدة “شيخة حارة الدنيا”؛ فقد كانت تساعده في التعرف على الناس وتكون معه في المؤتمرات والندوات، فضلًا عن القراءة له عندما ضعف نظره، فضلًا عن بيت والدها العالم الأزهري الذي دأبت على الدخول إلى صالونه طفلة تثير الضحكات وتشاغب المشايخ والمطربشين.
عثرت عايدة على رواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، بترشيح من أستاذ اللغة العربية في مدرستها، قبل أن يشتهر نجيب محفوظ ويملأ الدنيا ويشغل الناس؛ فأحبت روايات نجيب وبدأت تبحث عن أعماله الأخرى. هذه الإشراقة في حب الأدب ما كان لها أن تكتمل إلا بدور لمجلة الآداب البيروتية، والتي تعرفت عليها عن طريق بهاء الطاهر، يومها كان طالبًا بكلية الآداب، ومعه الناقد الشاب وحيد النقاش (أخو الناقد الشهير رجاء النقاش، كتب عنه ماهر شفيق فريد).
انقلبت عايدة من تحت ظلال الزيزفون إلى ظلام في الظهر، قطيعة مع عالم المنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبد الله وجيل الرومانسيين الحالمين إلى واقعية نجيب محفوظ ولقطات يحيى حقي، قطعت عايدة حديثها مع ماجدولين لتتحدث مع تشيكوف بكل قسوة التصوير ودقته، وهكذا توازى مع مرحلة بناء الذات المعرفية وجود مجلة ثقافية مهمة يكتب بها الكثير من المثقفين العرب. أضف إلى ذلك، الشلة الأدبية في بوفيه كلية الآداب؛ حيث يجتمع الثلاثاء من كل أسبوع صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وبهاء طاهر ورجاء ووحيد النقاش وسمير سرحان وسليمان فياض وغالب هلسا وسيزا قاسم، وفي بعض الأحيان شكري عياد بعد الفراغ من محاضراته، وغيرهم الكثير من المثقفين الشباب.
أفكار تشغل هذا الجيل تجد في يوم الثلاثاء وبوفيه كلية الآداب متسعًا لها.
تسجل عايدة في شهادتها فصلًا طريفًا عن ملف زيارة سارتر للقاهرة عام 1967، وتكشف عقد النقص في مجتمع المثقفين، وكيف تم استقبال سارتر بحفاوة منقطعة النظير كمدافع عن حقوق العرب، رغم أنه لم يعلن ذلك، وكشفت هذه الشهادة مدى عدم معرفة توفيق الحكيم بأفكار سارتر؛ فقد كان يرى في القول إن سيمون دي بوفوار خليلة لسارتر تشنيعًا على سارتر وعلى الثقافة الفرنسية!
جمعت عايدة بشهادة الروائي خيري شلبي بين الصلابة وقوة الشخصية، وبين بطانة فطرية من رقة أنثوية راقية ونفسية صافية، لذلك؛ كان لها حضور قوي في مجالس وصالونات الثقافة، كصالون محمود محمد شاكر، وعباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، وكامل الشناوي.
أتاحت لها صداقتها مع عالم المثقفين أن تقدم شهادات عن تطور الحياة الفكرية لكثير من المثقفين بعيدًا عن عالم النميمة، بل شهادات عن كواليس الكتابة والقراءة. دلفت إلى صالون الأستاذ محمود شاكر عام 1971 في لقاء الجمعة، وكانت تستثير دفين ذكريات الأدباء والفنانين، كالذي تستخرجه من صاحب القنديل يحيى حقي، عن تاريخ الأوبرا والرواية والقصة وعطر الأحياء الشعبية. ولعل في كتابة عايدة الشريف في كتابها “قصة قلم” ملمحًا من ملامح الوفاء في علاقتها مع شيخ العربية؛ فكم قصر تلاميذ الشيخ في ذكر حياته وأعماله، إلا ما كان من صاحبه يحيى حقي الذي ما فتئ يذكر فضل محمود شاكر عليه في إذاقته حلاوة العربية وإيقافه على أسرارها ودقائقها.
محمود شاكر من أنقى وأصدق ما في تاريخنا الثقافي هذا القرن، ولعل هذا النقاء والصدق والمعرفة الجادة في حياة الرجل، قد طبع على كل من كان قريبًا منه ملامح من هذا النقاء والثقافة؛ فلا هو مسؤول يطلب منه القرب أو عطية أو منصبًا، بل مثقف حقيقي وعالم مهموم بشؤون أمته. وأحق ما يقال عن محمود شاكر، ما ذكره الطناحي من مقدمة شاكر لحياة الرافعي: “لقد صار شاكر ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوي إليه”.
لعايدة نصيب من خصلة الوفاء، في تذكرها أستاذها ورجالات الثقافة في ربع قرن من تاريخنا الثقافي، وأي ثقافة في أي مجتمع تقوم على أعلام ورموز وظروف؛ فهم حياة أعلام الثقافة مقترنًا بالظرف التاريخي، يفتح لنا باب الوعي بالتاريخ الثقافي والمجتمع في شريحه من شرائحه ألا وهي شريحة المثقفين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق