كتب أحمد حسين مذكراته كفرد
عادي باحثًا عن سيرته بين هؤلاء الأفراد، وقد وجدهم اللبنة التي يقوم بها
أي بناء، ووجد في تسجيل قصته صفحة أو وجهًا من وجوه الحياة الاجتماعية
والتاريخية لمصر في فترة ما من تاريخها.
ولقد عاش أحمد حسين بروح الفنان
المناضل، تورط في السياسة لكنها قوّت لديه حاسة الفضيلة الخلقية بأن يقاوم
الفساد، وأن ينشد عالمًا أفضل من العالم الذي ولد فيه، فلقد ولد عام 1910،
تحت قبضة الإنجليز وحكومات القصر، وتفتح إدراكه على ثورة 1919 ونتائجها في
المجتمع مازالت حاضرة، وشارك مع رهط من الشباب المصريين في بداية
الثلاثينيات العمل السياسي، بمشروع القرش مع فتحي رضوان صديقه المقرب، فقد
بدأت صداقتهم القديمة منذ عهد المدرسة الثانوية ولم يكن أحمد حسين ليستطيع
أن يبتعد عن فتحي رضوان حتى في الإجازات المدرسية، فيتواصلون بالرسائل
ويتشاركون عناوين الكتب والروايات وأخبار السياسة والتمثيل، هذه الصداقة
وصفها أحمد حسين بأنها محور حياته العاطفية كلها، وامتدت هذه الصداقة إلى
المشاركة في العمل الحزبي عن طريق حزب مصر الفتاة، والجامع بين الرجلين حس
النضال ودفاعهم عن المجتمع بكل ما أوتيا من قوة، خصوصًا مع حملهم تراث
الحزب الوطني وموقف مصطفى كامل من الإنجليز دون ميوعة الوفد.
حاولت هذه المجموعة جمع
التبرعات مع رفاقه لبناء أحد المصانع برأس مال وطني بعيد عن المحتل، وتشكل
ما يعرف بحزب مصر الفتاة، وأصدر حسين جريدة “الصرخة” في الثلاثينيات.
كان الحزب راديكاليًّا في
مطالبه، يقف على يسار حزب الوفد المصري، فطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية
والمحاكم المختلطة وتمصير الشركات الأجنبية وجعل اللغة العربية هي اللغة
الرسمية في الحياة التجارية، مع القضاء على أمية الفلاح المصري وجهله
وكفالة الرخاء له، هذه بعض سمات المرحلة الأولى للحزب. أما المرحلة الثانية
فتبدأ مع عام 1936 وصعد فيها التوجه الإسلامي لدى الحزب إلى ما يعتبر قمة
ما وصل إليه في الدعوة السياسية الدينية، والبعض يرى في هذا التوجه ردة فعل
على النشاط التبشيري وأحداث فلسطين والسياسة الاستعمارية وتوطين اليهود.
كانت تجربة الحزب قاصرة، وفيها ما فيها من القلق السياسي وعدم الثبات
الفكري مع الاستناد إلى الزعامة الفردية لشخص أحمد حسين.
صدرت الأحكام العرفية ووجدت
السلطات في المؤتمرات الصاخبة والخطب النارية صداعًا يجب حله، فصار
مُطارَدًا من الشرطة في جميع الأوقات، وسافر إلى بريطانيا بعد اغتيال حسن
البنا ومقتل النقراشي، هربًا من بطش حكومة الملك.
كان حسين ضيفًا دائمًا على
المعتقلات والسجون، وصوتًا صارخًا في وجه السلطة الملكية والإنجليز، وعندما
احترقت القاهرة في 26 يناير 1952، اتجهت جميع الأصابع إلى أحمد حسين،
وأصبحت الفرصة مواتية للحكومة للتخلص منه على أعواد المشانق، واستمات
المحامون والرأي العام ليفلتوا رقبة الرجل من حبل المشنقة. سلم نفسه ومنعوا
عنه الكتب والقراءة فأضرب عن الطعام حتى عاد له حق المطالعة، وشعر بالخوف
أن يقتل غدرًا أثناء سجنه، فكان يصلي جالسًا حتى لا تظهر رأسه من نافذة
الزنزانة. تملكه الخوف بأن الحكومة تريد التخلص منه، وجمعوا عليه خمس قضايا
قديمة بالإضافة إلى قضية حريق القاهرة، فسقطت هذه الأعباء النفسية عليه،
وقد سجل معاناته في هذا السجن في مذكراته، وذكر كيف ساعدته الكتب فقال:
“والله وحده يعلم كيف كان يمكن أن أقطع وقتًا لفراغ لو لم تكن رواية
تولستوى عن (الحرب والسلام) هي التي أنكب على مطالعتها كلما خلوت إلى نفسي،
فتشغلني عما يحيط بي من هموم. وكانت الصلاة كالعادة هي مفزعي وخاصة صلاة
الفجر، حيث أصلي وأدعو في هدوء الليل ربي وخالقي أن يبدد من حولي الظلمات
والغواشي، وأن ينجيني ويخلصني من الكيد الذي يكاد لي ولإخواني”.
ولم ينقذه من هذا المصير إلا
قيام انقلاب يوليو 1952. توقف النشاط السياسي لأحمد حسين عام 1953 وكان سنه
لا يتجاوز 42 عامًا، قضى أكثر من نصفها فاعلًا اجتماعيًّا بنشاط لا يكل،
ومناضلًا ضد الإنجليز ومشاركًا في العمليات الفدائية وحرب عام 1948. أكمل
حياته كاتبًا، واعتُقل أحمد حسين في عهد ثورة يوليو عدة مرات، واضطر إلى
الهرب خارج مصر، ولما عاد كان قد تاب عن السياسة توبة نصوحًا، وانصرف
بكليته إلى الاهتمامات الفكرية، ثم سجل سيرته في ثلاثية بعنوان (أزهار،
والدكتور خالد، واحترقت القاهرة).
يبرز سؤال عن دور حركة يوليو في
انكسار الرجل، هل كان هذا الأمر شأنًا خاصًّا بأحمد حسين، أم إن المناخ
الذي ساد الوضع السياسي في مصر بعد انقلاب يوليو، لم يعد يقبل بالاختلاف،
أو رواية أخرى مختلفة عن رواية الضباط؟ كيف أحالت هذه الحركة الرجل المناضل
إلى المعاش المبكر عن طريق القمع وهو لا يزال في العقد الرابع من عمره؟
وكيف عطلت ثورة يوليو طاقات لسياسيين ومثقفين واعدين لو أتيحت لهم الفرصة
دون آلة القمع لكان لحياة هذا المجتمع وحيويته شأن آخر.
مشهد من النهايات
من المشاهد التي تأسر الإنسان
بداية ونهاية الرجل؛ ففي صورة ناصعة ظلت في ذاكرة الفتى أحمد حسين، يقف فوق
الكرسي يلقي خطبة والناس من حولة مرددة معجبة، بتشجيع من أخيه لكي يخطب
أمام الناس، ظل هذا الفتى الخطيب يتذكر هذه الصورة من طفولته لتستمر معه
خطيبًا في المحافل المختلفة ضد الإنجليز والملك.
وفي زيارة لوديع فلسطين مع أنور
الجندي لأحمد حسين بعد إصابته بالمرض في نهاية حياته في بيته بجزيرة
الروضة، استقبلهم أحمد حسين وهو جالس على كرسيه المتحرك، وقد أطلق لحيته
بغير تشذيب، وقامت ابنته بدور المترجم لما كان يصدر منه من همهمات لا
تُبين، في حين اغرورقت عيناه بالدموع وهو يصافح صديقين قديمين. وهنا تذكر
وديع مواقف أحمد حسين الخطابية التي كانت تهز المنابر هزًّا عندما كان حزبه
يحتفل بالمناسبات المختلفة، ورثى له وديع وقد أصبح أحمد حسين عاجزًا عن
الكلام، وإن كان ذهنه شديد اليقظة. خرج وديع وقد قرر ألا يزور أحمد حسين
مرة أخرى؛ لأن زيارته في حالته المرضية أورثته ألمًا مُمِضًّا، فهو يألم له
بأنه أصبح بلا حول ولا طول. لكن الأقدار أرخت له في العمر، فتوفي حسين في
سبتمبر 1982، تلك الروح التي كان الجلادون يدبرون لاقتصالها على حبل
المشنقة عام 1952 قبل ثلاثين عامًا من وفاته! فماتوا جميعًا، أما هو فطال
عمره، وتوفي عن واحد وسبعين عامًا. تبدو قصة أحمد حسين مثالًا على البدايات
والنهايات، وفي كتاب وديع فلسطين ذخيرة من التجارب والحكايات عن الأفول
بعد المجد، وحكايات الشجن في مصائر الناس وتعاقب الزمن.
تعرض أحمد حسين لصنوف التضييق
على صحيفته، وعرض عليه فؤاد سراج الدين وزير الداخلية رشوة/مبلغًا من المال
ليكف حملته ضد الملك، فرفضها وكتب يشنع على حكم فؤاد سراج الدين، هل كان
فؤاد يتخيل أن الحياة قد تمتد به من وزارة الداخلية إلى السجن في نهاية عهد
أنور السادات مع اعتقالات سبتمبر 1981؟ (استطراد قد نحكي قصته في مقالة
أخرى).
مشهد من ضمن مشاهد غرور الإنسان
واطمئنانه على حركة التاريخ الخادعة، تبدو نهاية فؤاد غير متوقعة كما كانت
نهاية حسين غير متوقعة، وتبدو ثقة الإنسان بإمكانياته مانعة له أن يفكر في
تبدل الأحوال، في السياسة كما الأدب والفن، لا شيء ثابت على حاله، ومن
الفطنة أن نتعلم من مشاهد كثيرة أن نتواضع بعض الشيء. عندما حكيت لصديقي عن
فكرة البدايات والنهايات أمدني بمشهد آخر، عن لقطة في رواية “السكرية”
لنجيب محفوظ، حينما تخرج أمينة دون أن تهتم كثيرًا بإذن السيد أحمد عبد
الجواد لها، يجلس السيد أحمد عبد الجواد شاعرًا بالعجز، فبعد أن عاش الرجل
مرهوب الجانب، ينتهي عمره مريضًا ترى أمينة عجزه ولا تأبه به، قال لي صديقي
لقد أجهشت بالبكاء، لقد استطاع نجيب أن يمرر أمامي شريط الزمن ويذكرني
بالدنيا أو المتاع الغرور.
لقد تمتع أحمد حسين بفضيلة
النضال، فكانت حياته تجربة وقصة تستحق أن يتم روايتها والتذكير بها، ولعل
درس النبيل للناس هو تنبيه مكامن الكرامة فيهم بأنهم قادرون على أن يساهموا
في حركة التاريخ، حتى لو كانوا أفرادًا عاديين كما عد نفسه صاحبنا في
مذكراته فردًا عاديًّا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق