السبت، 11 يوليو 2015

ظل النديم (2)

ويومئذٍ طَوَيْتُ كلَّ نفسي على عزيمةٍ حذّاء ماضيةٍ: أن أبدأ، وحيدًا منفردًا، رحلةً طويلةً جدًّا، وبعيدةً جدًّا، وشاقّة جدًّا، ومثيرةً جدًّا. بدأتُ بإعادة قراءة الشعر العربي كلّه، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذٍ على الأصح، قراءةً متأنيةً طويلة الأناة عند كلّ لفظ ومعنى، كأنّي أقلِّبُهما بعقلي وأرُوزُهما (أي: أزنهما مختبرًا) بقلبي، وأجُسّهما جسًّا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسَهما بيدي، وأسْتَنْشِيَ (أي: أشُمّ) ما يفوح منهما بأنفي، وأسَّمّع دبيب الحياة الخفيَّ فيهما بأذنَيّ، ثم أتذوقهما تذوُّقًا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئًا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنّه وبراعته، وأتدسَّسُ إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوًا أو سهوًا تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمُّد أو إرادة” [محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا].
نتابع في هذا المقال الحديث عن شخصية الأستاذ “محمود محمد شاكر” كما تظهر في الأوراق والمسامرات التى نُشِرَت مؤخرًا تحت عنوان “ظل النديم”: (أوراق وأسمار شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر -رحمه الله-، التي لم تُنشر من قَبْل) بعناية الأستاذ “وِجدان العلي”.
لعل ما تميز به “محمود شاكر” هو القدرة على المتابعة الفكرية، مع بصر بالتاريخ لا يكاد يتيسر لأحد، ولاحظتُ في مقدمته لأحد كتبه وعيه بأبوة آدم، وبملحمة خط سير التاريخ الذي يبدأ بالأمانة التى عرضها الله على الملائكة فحملها الإنسان عن ظلم وجهل، مع تسخيره كل سليقة فطره الله عليها، وكل سجية لانت له بالإدراك، لكي ينفذ إلى حقيقة البيان الذي كرم الله به آدم -عليه السلام- وأبناءه من بعده، وهو أمر شاق؛ لكن المطلب البعيد هوّن عليه كل مشقة، وهكذا قرأ الشعر قراءة من يبحث عن الإبانة الصادرة عن قلب الشاعر.
مع ما تميز به من عمق الفهم وبذل الوُسع في جمع المعلومة والفكرة، كان لا يفارق مكتبته في عزلة ضربها على نفسه، بين رجال صُمُوت لا ينطقون ولا يتحركون إلا أن يأذن لهم، عبر عن نفسه في مجمع اللغة العربية حينما حكى قصة أيامه مع الكتب يمد يده إليها ضارعًا مستميحًا يسألها أن تتفضل عليه بشيء من معروف يزيل شكه، أو يرد حيرته، أو يحيي مواتًا في نفسه، أو يرفع غشاوة عن بصره، أو يجلو صدأً ران على بصيرته، هذا هو القلق الكامن تحت الاطمئنان، والحيرة المستخفية من وراء اليقين، وبعض الوحدة والوحشة التى عانى منها بين الكتب، مع التردد المستكن في ظل العزيمة والهيبة المفضية إلى التأخير والإرجاء والتي ساهمت في جعله لا يكمل كتابة بعض الكتب.
عبقرية المكان التى كانت لهذه الشقة، والتي لا يدخلها أي أديب، فبيته لا يدخله إلا نوع معين من الأدباء، اجتمع في هذه الشقة كل هؤلاء المثقفين، وساهمت في مداولة معرفية، وفتح آفاق جديدة في النقاش والقراءة، وكانت نصيحة “عباس محمود العقاد” لبعض جلوسه في صالونه بقوله: (إذا أردت أن تكون فيلسوفًا بحق، فطريقك إليه الشعر، وإذا أردت شعر العرب فطريقك إليه “محمود محمد شاكر”). وشهادة “العقاد” لكتاب “المتنبي” بأنه أحسن كتاب عن المتنبي، لأنه بقلم محمود شاكر، وهو أديب فنان شاعر، مع ما تمتع به محمود شاكر من القدرة على النظر للنصوص نظرة حية من عقل حي ونفس حية.
كان محمود شاكر نموذجًا للعالم المتجرد الذي يعيش في عالم انهارت فيه الأركان من أكثر من جانب، وأصبح أولو الفضل في أوطانهم هم البقية؛ ولعل المشهد الذي جعل الدكتور “محمود الربيعي” يتعلق بدوحة أبي فهر طواعية واختيارًا، هو تذكره أحد الأمسيات التى اجتمع فيها “مازن مبارك، راتب النفاخ” وقرأ لهما الأستاذ على مسمع منه مخطوطة لديوان “جرير” وكان مبهورًا إلى أقصى حد، مع سعيهم عندما صودرت إحدى كتبه إلى الحصول عليها في ملازم، وكانوا يشترون النسخة بضعف ثمنها، ويتم توزيعها على الزملاء للقراءة. ولعل في مشهد تداول الكِتاب الممنوع مادة لخيال مؤرخي القراءة والثقافة. “دوستويفسكي” يقول: (الكلمة عمل عظيم، وانتقال هذه الكلمات العظيمة قيمة ثقافية كبيرة.
وفي تشبيه “الطناحي” لمحمود محمد شاكر بالخليل بن أحمد صحةٌ كبيرة؛ ففي حياتهما مشابة كثيرة؛ يقول النضر بن شُميل: (لقد عاش الخليل بن أحمد في مربد من مرابد البصرة لا يجد قوت يومه، وأصحابه يأكلون بعلمه الأموال). وهكذا خرج من هذا البيت علم كثير، وشهادات جامعية كثيرة، وهو حديث موجع للقلب على أية حال.
أما عن دقته وحرصه؛ ففي قصة الدكتور “عبد الصبور شاهين” وترجمته لكتاب مالك بن نبي “الظاهرة القرآنية” خيرُ دليل؛ فلقد ذهب إليه وأعطاه نسخة من ترجمته للكتاب، فأَعْلَمَهُ “محمود شاكر” في لقاء دام ثماني ساعات أن عليه أن ينقل النص باللغة العربية التي تليق، وعاد “عبد الصبور” إلى بيته يحمل صحائفه تحت إبطه أو يحمل خيبته تحت ذراعه -كما وصفها-، يبكي في الطريق من مصر الجديدة إلى الإمام الشافعي، سائرًا وحيدًا لا يدري بالطريق من الدوامة التي لفّته طيلة الثماني ساعات من الظهر إلى بعد العشاء، ثم يقول: (شواني شيًّا على السُّفُّود) -وهو: عود من حديد يُنظَمُ فيه اللحمُ ليُشوَى-، شيًّا مازالت آثاره في جسدي حتى الآن، ثم عدت إليه بالكتاب بعد التعديل فأصبح كتابًا آخر طبقًا لمنهجه، فكتب له المقدمة، وأعجب به “العقاد” وبالمقدمة والترجمة.
لم يكن محمود شاكر يعتبر هؤلاء تلامذة له، فهو لم يكن له تلامذة على وجه التحقيق، لكنهم أصدقاء وإخوان له، فكان صغير الناس وكبيرهم عنده سواء، فقيرهم وغنيهم، يعطيهم من نفسه ما يريدون، وكل ما عنده فهو لإخوانه، ولا يعبر عن هذا المعنى تواضعًا، فلقد آنف استخدام هذه الكلمة في غير موضعها -أقصد التواضع-؛ بل كان يملك من الكبرياء الكثير، وبرغم المعركة الأدبية والشدة والعنف في التعبير عن قضيته في الشعر الجاهلي؛ فإنه إلى أن بلغ “الخمسين” لم يستطع أن يشرب سيجارة بين يدي “طه حسين” إلا إذا أعطاه رغمًا عنه ويقول له خذ؛ فبقي الأدب والود.
دخل بيته الكثير من الأصدقاء والرفاق؛ منهم: “ناصر الدين الأسد”، “محمد يوسف نجم”، “إحسان عباس”، أما رواية إحسان عباس عن صداقته لمحمود شاكر فيقول فيها: (تعرفت إلى رجلين من أفذاذ الناس، كان لهما أثر بعيد في حياتي وفكري، وهما يلتقيان في نفسي على رابطة التفرد فيما يحسنان، ويتقاربان كثيرًا في الحدة والذكاء وصفاء الجوهر وسعة المعرفة ووضوح الرؤية وعمق الفكر؛ أحدهما هو: “محمود محمد شاكر” الذي تعلمنا من مجالسه أكثر بكثير مما ثقفناه من الكتب، ونشأنا في ظل مكتبته العامرة، فقد كان يدهشنا بتنوع ثقافته وحضور جوابه، وقدرته الباهرة على أن يفك كل نص عسير، والثاني هو: “ابن حزم الأندلسي”). ثم يوضح بدايته في عالم التحقيق فيقول: (لا أذكر أن أخي “محمود محمد شاكر” الذي توثقت روابط الصداقة بيني وبينه على مر الزمن قد شجعني -صراحة- على ولوج دنيا التحقيق؛ ولكني حين تقدمتُ إليه أنا -وصديقي الدكتور ناصر الدين الأسد- نستشيره في تحقيق “جوامع السيرة” لابن حزم؛ سُرّ بالاقتراح، وأذن لنا أن نعيش في مكتبته، ونلجأ إلى رأيه وتوجيهاته حين لا تسعفنا المصادر. كان من أهم ما نحرص عليه أن نفوز بثقة أستاذ كبير، وأن نثبت لأنفسنا أن آلام المصاعب سرعان ما تنسى، إذا هي تُوِّجَت بتحقيق الغاية المبتغاة).
أحَبَّ شاكرٌ “يحيى حقي”، ودخل يحيى في إطار محمود شاكر، وكان متمتعًا بشدة الإحساس بجمال التركيب، واكتسب يحيى هذه القدرة على التعبير بطريقة عربية صحيحة، مع قدرته على تذوق النحو الصرف، وهو يفضله عن نجيب محفوظ، ورأى شاكر في نجيب محفوظ أنه رجل صنعة مثل أبي تمام، كانت لديه القدرة؛ لكن الصنعة شغلته عن اكتساب القوة والسليقة؛ لكن محفوظ يجيد الرواية -هكذا عبر شاكر-، أما عن صراحة شاكر في التعبير وقدرته على أن ينتهي من معاركه الشخصية بأقل الخسائر؛ فيدل عليها طريقته مع صديقه يحيى حقي عندما انقطع عن بيت الأستاذ شاكر أثناء اعتقاله خائفًا، فلما خرج شاكر قال له -شاكر-: (أنت جبان وخلاص) واعتذر حقي، واستمرت صداقتهما، فكان شاكر يعتبر يحيى حقي جزءًا منه.
شارك الأستاذ محمود شاكر في مجلة “الرسالة”؛ لكنه يلاحظ أمرًا عجيبًا يبدو في بلداننا فقط؛ وهو أنك لا تكاد ترى أحدًا مذكورًا من رواد مجلة الرسالة الأوائل مع أن لبعضهم بدءًا يعتبر من أجود البدء، فخُفِيَت أسماء ولم يبق ممن كان يكتب في الرسالة إلا عدد قليل محدود، وكان لصدق الكثير من هؤلاء أثر بالغ على كثير من رواد الأدب المُحْدَثين. لم ينفعل شاكر بدعوات المنهج الإسلامي في دراسة الأدب، فإذا كان ما في كتب المسلمين الأوائل ليس منهجًا إسلاميًّا لدراسة الأدب؛ فلا تطالبه الآن بوضع مثل هذا المنهج، واعتبر هذا الأمر رفضًا كاملاً لتاريخ وتراث المسلمين، وفيه من التسفيه للآباء والأجداد، فلا يوجد لديه شيء قائم بنفسه يسمى منهجًا إسلاميًّا في دراسة الأدب، فالذين قالوا الشعر وقالوا الخبائث مسلمون، ناس من العصاة نتلمس في داخل حديثهم قدرتهم على التعبير وسر هذه اللغة الذي معرفته توضح لنا أن القران كلام الله يختلف عن كلام البشر.
دَرْس الأستاذ شاكر متنوع وعريض بتنوع حياته، يبدأ بما علمه لرفاقه بالتأدب أمام المعرفة، وألا يتقدم إليها بالزيف أو القشور أو الادعاء، مع دَرْس النفَس الطويل في القراءة والانقطاع للعلم، مع احترام العقل البشري، فضلاً عن شعوره بعربيته وروح الانتماء لهذه اللغة، وما تمتع به من روح المغامرة في شبابه والسفر وراء حلم أشبه بالحلم الرومانسي في البحث عن صفاء العقيدة، والصبر على ضائقة الحياة في الحجاز؛ فلم يقبض مرتبًا لمدة تسعة أشهر، وهو رجل. كما حفظ فضل أصدقاء له في الكويت الذين كانوا معه في محنته أثناء سجنه واهتمامهم بأسرته. يحب الثناء إذا كان في موضعه فقط؛ أما المبالغة فلا تحرك شعوره، مع خصلة الأمانة فيما يعلم والخوف من الزلل، مع الحرص على طلب اليقين، وكان حريصًا على بناء أنفسنا بدقة التذوق النافذ، لا يستطيع أن يجيب عن شيء دون أن يفكر فيه، هكذا عبر عندما انهالت عليه بعض الأسئلة في الجامعة، لم يمنعه هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه، كان رجلاً جادًا لا يخاف شيئًا ولا يأخذ من أحد شيئًا، تَخَلَّق بقصيدة “علي بن عبد العزيز الجرجاني”:
يقولون  لي  فيك  انقباض  وإنما   …   رأوا رجلاً عن موقف الذل  أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم   …   ومن  أكرمته  عزة  النفس  أكرما
وفي النهاية؛ (الكتابة مسألة وقاحة) كما يقول “شكري عياد” وأنا تجرأت بالحديث عن شاكر وسيرته مع قلة بضاعتي؛ لكن العذر هو الحب لهذا الرجل، (وخير الحب ما اقترن بالدعاء) كما يقول الأستاذ “الطناحي”، فلْنَرْفع لله دعاءً خاشعًا للأستاذ “محمود شاكر”، ولْنتذكر قيمته في الثقافة العربية في القرن المنصرم، وينبغي أن ندعو لأنفسنا بأن يمنحنا الله الجد ومفاتيح الفهم لمراجعة تراث المسلمين ونصهم المعجز (القرآن).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق