السبت، 11 يوليو 2015

عارف حجاوي وحياته في الإعلام

ولا أقول: إنني ضيعت عمري في حب اللغة العربية ومحاولة خدمتها؛ فأنا متيقن من أنها أداتنا الوحيدة للنهوض المعرفي، والعلمي خاصة. ولو قيض لي أن أعود شابًّا في العشرين لاستفرغت جهدي كله في خدمة اللغة العربية“.
عارف أحمد حجاوي
عارف حجاوي إعلامي مميز بصوته الشجي ذي التلوين الصوتي والأثر الدرامي والذي تعودنا عليه في خلفية الأفلام الوثائقية وفي برامج قناة الجزيرة، فمن هو هذا الشخص الذي يحكي كل هذه القصص وما هي قصة حياته؟
كتب عارف نصوص نحو 300 برنامج قصير، وراجع نصوص المئات من الوثائقيات، وبلسان هذه الخبرة المحصورة في هذا المجال يتكلم، صدرت هذه السيرة عن مركز الجزيرة للدراسات، واهتبلتها -أي: اغتنمتها- بلغتها الجميلة شديدة العذوبة وأسلوبها الطلي الشائق، فهو يجلس ليكتب سيرته بلا فيس بوك ولا تويتر ولا واتس آب، يقرع باب الستين وهو يلتفت وراءه فيرى ريحًا عاتية تسرع نحوه، يحمل معه ريح التغيير والتي تفرض على المرء اكتساب مهارات جديدة، يحكي عارف قصة أيامه بأسلوب أدبي بارع وبلغة شيقة، فهو يحيل المواقف إلى قصص قصيرة وحكايات؛ فلا يمل القارئ كأنه يشاهد فيلمًا وثائقيًّا ممتعًا.
يحكي عن جده حائك الملابس العربية وكيف تحول مع رياح التغيير إلى خياطة البدلة الإفرنجية، وكيف وجهه جده إلى الهواية الفلسطينية المفضلة: التعليم أو ما يسميها الكرتونة. ولعل طريقه المعرفي بدأ في طفولته بهوايته الأثيرة التفرج على الصور الكثيرة التي حفلت بها المجلات، مثل مجلة العربي، وكيف سأله جده عن الدراسة في الجامعة فأجاب بأنه لا يريد الذهاب إلى الجامعة، مجيبًا جده قائلاً: لأنني أريد أن أتعلم، علمته المدرسة أنها لا تعلمك شيئًا، إلا إذا أردت أنت أن تتعلمه، تعلم كثيرًا من الكتب وقليلاً من المعلمين.
تستمتع في سيرته بمحاورته الذاتية وتشكيكه في جدوى ما يقوم به، ولعل قلقه بأن يكون في الوسط، فلا هو جاهل أخرق يؤدي ما يطلب منه، ولا مبدع خلاق -بمقياس نفسه- يعيش حياته صاعدًا، يتهم نفسه بأنه يخادعها بالعمل منذ أربعين سنة في الإعلام والأخبار والصحف والإذاعات والتلفزات، ولعل ما أراد التأكيد عليه هو قيمة أن يعرف الناجح قدر نفسه، ويضع هدفًا نصب عينيه ويسير نحوه بخط مستقيم، فرغم إتقانه اللغة العربية والإنجليزية إلا إنه لم يكن حلس أخبار أو من المهووسين بها، فحتى يوم الناس هذا يفضل قراءة جريدة الأمس عن خبر اليوم، ويقرأ التاريخ بنهم ولا يتابع الأخبار، هذه المحاورة الجميلة عن معنى النجاح ومراجعة النفس بقسوة يشعر القارئ معها بقرب الكاتب منه وبالألفة معه، فهو لا يتفلسف على رأس قارئه بقدر ما يبين عن نفسه بصدق بسبب غرامه بالاعتراف بمواطن قصوره.
وهو بجانب ذلك ليس بالأكاديمي، لا يريد أن يعرف العوامل السبعة التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، ولا يريد أن يحلل التاريخ. التاريخ عنده قصة، والعلوم الاجتماعية كلها قصة، وأحد أسباب جمال سيرته أنها قصص وحكايات.
وهو يستطرد في سيرته ليحكي قصة إعلامي آخر هو “أندرو مار”، يحبه “عارف” ويحب ما يقوم به أندرو وعمله في الـ(BBC)، وكيف أنه في شهر أيار/مايو من عام 2014 كان أحد ضيوف برنامج أندروا رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، وفي ختام فقرته قال له أندرو مار: “رئيس الوزراء، رئيس الوزراء معذرة، اسكت، أدركنا الوقت”. وكلمة اسكت ترجمة غير دقيقة، فهي بالإنجليزية “شت أب”، التي تقع في مكان ما بين اسكت واخرس. وكان رد رئيس الوزراء المسكين: “المعذرة، فقد أطنبت”. وجاء للبي بي سي ست وعشرون شكوى على المذيع. وكان رد المحطة: “ليس في الأمر قضية”.
يمدح كتاب “تاريخ العالم” لأندرو مار، مقارنًا إياه بكتب أخرى تهتم بالتاريخ العالمي. عارف قارئ نهم، هذا واضح من الكتب التي يستشهد بها وعندما شرح إنتاجه الضخم في الإذاعة في فترة من حياته، علل ذلك بالقراءة المتوحشة التي لم يقطعها يومًا في حياته، وما زال يخلد إلى كتاب الأغاني، وهذه ثالث مرة يقرأ فيها هذا الكتاب الضخم الذي يقع في أربعة وعشرين جزءًا. فهل تراه ينفق جهدًا لكي يكتب حلقة إذاعية عن جرير أو الفرزدق؟ وقل الشيء نفسه عن بيتهوفن وموتسارت.
الرجل عاشق للموسيقى، ومن يعرفه يقول عنه إنه يعزف العود، قدم سلسلة من السلاسل القيمة عن الموسيقى الأوربية الكلاسيكية، إذا كنت لا تهوى بيتهوفن ولا تشايكوفسكي، ولا كارمن وكسارة البندق، فقد تقع في حب مقدمات هذه السلسلة بسبب تقديم عارف الجميل لها، إذ إنه يقدم فقرات نثرية مكتوبة بإتقان مبهر ينور الذهن ويمتع الروح باللغة قبل الموسيقى، إنه مفتون بجرس الكلمات يتذوقها بحلاوة قبل أن يقدمها لك.
في سيرة عارف حديث عن بريطانيا التي قضى فيها أحد عشر عامًا، حديثًا يفسره تفسيرًا طريفًا بأنه مثل أي هندي، أو جامايكي، فتح عينه على عالم يقوده البريطانيون، حتى لو انحسروا في بلدتهم وانسحبوا من الإمبراطورية، بقى “أن القط لا يحب إلا خناقه”، وعقدة المغلوب، ويصك مصطلحًا جديدًا ويسميه “الانضباع” من تبعية حيوان الضبع، يجده أقوى من كلمات مثل (الاستلاب- الاغتراب)، أن تركض خلف القوي المسيطر وأنت فاقد السيطرة على روحك.
عارف يصف نفسه دائمًا بالكسل ويستشهد في سيرته بمواقف طريفه، مثل حلاقة أهله لذقنه في الكرسي الخلفي في السيارة حينما توجه للزواج؛ لأنه كان يعمل في ثلاث جرائد، واعتاد وصف نفسه بالكسل رغم ما يقدمه، في سيرة عارف صدق، فهو لا يخجل فيما يكتب من إظهار نزعات النفس مثل حب الذات والثقة بعبقريته التي يصفها بالزائفة، وذلك الوصف القاسي والتلميح لكثير من معايب النفس مثل أن يفهم القارئ أن الكاتب يتعالم ويتفاصح عليه، فهو ينفي صناعة صورة للذات غير واقعية، في السيرة مسحة حزن يصل في بعض الأحيان إلى التشاؤم، وتواضع وتقليل من قيمة الكثير من الأمور، واعتراف بالهوى والكسل وخيبة الأمل في القارئ قبل الكاتب، وفي الإعلام وفي الناشرين، وفي الكثير من الأمور، وهذه النغمة في الرثاء على ضياع العمر وسرعة الزمن، فلقد كان به هوى للغناء وتعلم المقامات، وهوى لتعلم الخط، وهوى بصحبة الكتاب، ومع مقارعة الستين لم يعد لـ”لو” معنى، وقد يكون هذا هو طبع الدنيا النكد وعدم الكمال، وقد يكون أثرًا من مزاج الكاتب، وما أحب أن ألمح إليه إنني استمتعت بهذه السيرة في كل مزاجها حتى العابث منها، ولعل الغريب أنه برغم هذا الجهد الحياتي كيف يتسلى في حياته بالعبث، وينتقم من نفسه ومن قدره بأن يحمل الأشياء على محمل الهزل.
ولعله تزوج كي يقص على زوجته بطولاته فَتُرِيه أنها تصدقه. أما المرأة في رأيه فتتزوج لسبب لا يعلمه، ثم إنه بعد ثلاثين سنة خدمة في هذه المؤسسة ألين عريكة وأكثر خروفية (على حد وصفه) أن يقول كلمة في هذا الشأن، وغاية الأمر حسن الختام، ثم إنه نسويّ مدافع عن حقوق المرأة.
مشروع العمر
عندما نحب أن نصف أحدهم ونقول: إنه يحب اللغة العربية الفصحي، لن يصل المعنى للقارئ، سنحاول أن نعبر عن ذلك بوصفه بأنه صاحب ذائقة، الذائقة موهبة أكبر من حب الفصحى، إنها قدرة وحساسية تجاه اللفظ والبيان الجميل، عارف يمتلك ذائقة عالية، فما الدليل؟
الدليل هو: هذه الكتب من مشروع العمر، وتفصيل هذا المشروع هو أنه توجه لعرض الشعر العربي القديم للقارئ المعاصر في ثوب لائق. وقد أنجز خُمس المشروع، ذلك لأنه حدد ستين شاعرًا من الجاهلية إلى خمسينيات القرن العشرين رأى أنهم سادة الشعر وعبيده، امتلكوا ناصية القصيد امتلاكًا، أخذ يؤلف عن كل شاعر منهم كتابًا. ومن بين هؤلاء الستين أنجز كتبًا عن اثني عشر شاعرًا: كتابان نشرهما وحبسهما الناشر في مخازنه، وعشرة كتب حبسها  في حاسوبه إلى أن يتيسر له النشر.
سلسلته عن الشعراء من ضمنها “عصارة المتنبي” وكتابه “شاعر الألف عام مختارات مشروحة من شعر أحمد شوقي”. قرأ شعر شوقي وانتقى مختارات من المجلدات العشرة، وعدد صفحاتها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كتابه عن البحتري، صرف فيهم ماء العين وبذل فيهم من الوقت والجهد ونكد الناشرين، ليخرجهم على أفضل هيئة، ولعل علاقته بالمتنبي تبدأ منذ قرأ ديوانه وهو شاب يعمل في وزارة الدفاع الكويتية في أوقات الملل، نحن في جيل لا يتاح لذائقة ناشئ، الأدب أن تتعود على العبارة الفصيحة ولا اللفظ المعبر. في كتابه عن شوقي وعن المتنبي يشرح عارف مختارات جمعها من دواوين العرب وسهلها لأقوام لا تعلمهم المدارس اللغة العربية.
خذ هذا المثال في عمله في ديوان ابن الرومي: هذا الديوان يضم ثلاثين ألف بيت. وهو مطبوع في ستة مجلدات كبيرة. قرأ الديوان مرة ومرة، ثم سلل منه ألفًا وخمسمائة بيت هي نحو خمسة بالمئة من مجموع أبياته، وهي زبدة الزبدة، ثم شرح كل بيت بسطر تحته، ما أقيمَ هذا العمل!
قرأت مقدمته لكتاب عصارة المتنبي؛ فوجدت مكتبة المتنبي مهضومة في ثلاثين ورقة، فيها زبدة الدراسات عن المتنبي مع ملاحظات ذاتية ذكية، توقد الذهن وتشرك القارئ في عملية القراءة والتحليل، وطريقته في الكتابة وَدُودَة فيها تفاعل تخاطب القارئ. خذ عندك هذا المثال يقول: “لا تذهب إلى الصفحات الآن، فثمة أفكار في هذه المقدمة لم تأتني إلا بعد كد، وأريدك أن تسمعها”. ولعل ما يميز شرحه كما أوضح في مقدمته لمختارات شوقي الاجتهاد، والأمانة، والتفاعل.
عصارة عارف
تركة من العمل الإعلامي في الأفلام الوثائقية، وإدارة البرامج، ورئاسة التحرير في الصحف، وتأليف الكتب (والتي يعتبرها كلها شروحًا وتلخيصات)، وقد يقع المقال في يد عارف فهو ما زال حيًا يرزق (أدعو الله أن يمده في عمره ليتحفنا بمختارات وعصارات لتراث الشعر العربي)، وأعتذر عن ركاكة أسلوبي الذي أعالجه بالقراءة وبالمحاولة، ليعذرني إن كنت أغضبت صاحب اللغة العالية، مازلت تلميذًا أتعلم مفاتيح لغة الضاد، أرفع إصر جهلي وأتعرف على المتنبي وشوقي والبحتري وأبي تمام، وعزايي أن عارف وأمثاله يقصرون عليّ الطريق ويفتحون لي أبوابًا من جماليات التراث الأدبي العربي.
حصيلة عارف الثقافية هي علاقته الحية الرطبة مع التراث الأدبي العربي (البحتري- شوقي- المتنبي- حماسة أبي تمام). ولعل وجوه الرجل الأخرى مثل عمله في الأفلام الوثائقية وإبداعه تحتاج إلى إشارة من متخصص، لكن حسبي في علاقتي مع الرجل ساعات من مصاحبة المتنبي وأبي تمام بصوته في تسجيل مسموع، يصرف عنك إرهاق اليوم، الكلمة الطيبة صدقة على أرواح نست الأدب ففقدت بهاء روحها!
ننتظر من عارف البحتري وابن الرومي من القدماء، وحافظ إبراهيم وبشارة الخوري وإيليا أبو ماضي من أهل زماننا وسلسلة ذرعها ما قُدر له من العمر والصبر، يعيد لنا بها بهاء أشعارهم لكي نسمع مساجلات هؤلاء الشعراء ودبيب الحياة الخفي في كلامهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق