وليم شكسبير في قصة الحضارة:
توافة شكسبير
"وإن عدة من رواياته الأولى لوليم شكسبير لهي توافه
هزلية مليئة بالمزاح المرهق لنا الآن. وإنه لمن الدروس المفيدة أن نعلم أن شكسبير
صعد سلم المجد بالعمل الشاق والجهد المضني."
هل كتب
شكسبير بعض الهراء؟
"وجهد
النقاد الذين يجلون شكسبير ليحملوا المشتركين في التأليف جزءاً من مسئولية هذه
المذبحة، طبقاً للنظرية الخاطئة القاتلة بأن شكسبير لا يكتب هراء، ولكنه كتب
بالفعل قدراً كبيراً منه.".
جزالة شكسبير
"فمن غير شكسبير (وبترارك) كان يمكنه أن يجعل روميو،
وقد نفي من فيرونا، يتميز غيظاً وحقداً، لأن قططها وكلابها قد تحدق النظر إلى جولييت،
على حين لا يباح له هذا؟ ومن غير شكسبير (اللهم ألا بليك) كان يستطيع أن يجعل الدوق
المطرود في رواية "على هواك"، يأسف لأنه لا بد أن يعيش على صيد حيوانات هي
في الغالب أجمل من الإنسان؟ لا عجب أن روحاً قوية بكل معاني الكلمة، لا بد أن تكون
قد انفعلت انفعالاً شديداً بالقبح والكآبة والجشع والقسوة والشهوة والألم والحزن، مما
بدا في بعض الأحيان أنه يشيع في النظرة الشاملة إلى العالم."
الملهاة
"وانصرف شكسبير طيلة أعوام خمسة إلى الملهاة بصفة أساسية.
وربما أدرك أن الجنس البشري المنهوك يختص بأسخى جوائزه أولئك الذين يستطيعون إلهاءه
بالضحك والخيال. إن رواية "حلم منتصف ليلة صيف" هراء قوي عوض عنه مندلسون.
ولم نقذ هيلينا رواية "Allls
Well That Ends Well". أما رواية
"أسمع جعجعة ولا أرى طحناً" فهي تتفق مع اسمها. ورواية "الليلة الثانية
عشرة" محتملة فقط لأن فيولا تمثل فتى وسيم جداً. ورواية "ترويض النمرة"
زاخرة بمرح صاخب بشكل لا يصدق، ومن المستحيل ترويض النساء ذوات الألسنة السليطة، هذه
الروايات كلها كانت إنتاجاً لمجرد كسب المال، وإرضاء جمهور الدرجة الثالثة، ووسائل
لإبقاء القطيع داخل الحظيرة، وإبقاء الذئب بعيداً عن الباب.."
قيمة روميو وجولييت؟
"أخرج شكسبير للمسرح روايته "روميو وجوليت"
حوالي 1595. وأسلوبها محشو بأخيلة وأوهام ربما علقت بقلمه من نظم قصائد السونيت، فجاءت
المجازات جافة شاذة، ورسمت شخصية روميو بشكل ضعيف إلى جانب مركوشيو المنفعل المهتاج.
العقدة عبارة عن سلسلة متصلة من السخافات. ولكن من ذا الذي يذكر الشباب، أو يرسب في
أعماقه حلم، يستطيع أن يستمع إلى هذه الموسيقى العاطفية الرومانسية الحلوة، دون أن
ينبذ كل معايير الثقة والتصديق، وينهض لاهثاً أو حابساً أنفاسه نحو الشاعر وهو يشق
طريقه إلى هذا العالم بما فيه من غيرة جامحة وقلق مرتجف، وفناء حزين؟"
تنوع أدب شكسبير
"وأنه لشيء مروع أن نجد كاتباً مسرحياً ينتج في موسم
واحد (1599-1600) مثل هذا الهراء التافه، ثم ينتج بعده هذه المقطوعة القصصية الرومانتيكية
البالغة الرقة "على هواك"، وموسيقى الرواية صافية نقية-لا تزال معوقة بالمزاح
والهزل الجاف غير الممتع، ولكنها ناعمة رقيقة من حيث الإحساس، مرحة رشيقة من حيث الكلام."
البدايات والنهايات أو وزير الداخلية في المعتقل
يحكي صلاح عيسى في كتابه "شخصيات لها العجب"
قصة فؤاد سراج الدين، فعندما كان صلاح تلميذاً بالمدرسة الخديوية الثانوية، وكان
الزمن خريف عام 1950، وجرت مظاهرات تهتف بسقوط "فؤاد سراج الدين" وزير
الداخلية ولم تتوقف هذه المظاهرات عام 1950 و1951، إذ كان ذلك من تقاليد مظاهرات
طلاب المدارس في عامي 1950 و1951، فقد كان سكرتيراً للحزب الحاكم، والرجل الثاني
فيه، وصاحب المكانة الأولى لدى زعيم الوفد ورئيس الوزارء "مصطفى
النحاس"، كانت صفحات الكاريكاتير تتندر على فؤاد سراج الدين، بسمنته المفرطة،
وسيجاره الضخمه، وسياحته السنوية إلى "أكس ليبان" لكي يستشفى بالمياه
المعدنية، ولم تكن الشرطة تتصدى للمظاهرات أو تصادر الصحف، قامت حركة يوليو 1952،
فأرتفعت بحار الزمن ليعتليها قوم وزمان وتطوي في باطنها أقواماً وأزمنة كما يصف
صلاح عيسى هذا التحول، أحالت حركة يوليو فؤاد سراج الدين وزمانه إلى المعاش، وأصبح
الرجل باشا سابقاً، وسكرتيراً عاماً سابقاً لحزب الوفد، اما وظيفته الحالية فهو
خبير مثمن للتحف ومقاول ديكور، ومعتقل سياسي يتكرر اعتقاله بمناسبة وبدون مناسبة
باعتباره من أعداء الشعب، وهو متهم أمام محكمة الثورة والتي حكمت عليه بالأشغال
الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً، أمضى منها ثلاثة، ومواطن محروم من حقوقه السياسية،
وصدرت الأوامر بشطب اسمه من الأخبار والمقالات، وحتى من صفحة الوفيات عند نشر نعي
أحد أفراد أسرته.
قابل صلاح عيسى فؤاد سراج الدين عام 1972 اثناء كتابته
كتاب عن مصطفى النحاس، ولم تتح له الظروف أن يلتقى به إلا بعد حوالي عشر سنوات من
لقائه الأول، حدث ذلك في آخر مكان كان يمكن أن يتوقعه أي منهم، في سبتمبر 1981
اثناء حملة اعتقالات سبتمبر الشهيرة التى قام بها السادات، وجد صلاح عيسى نفسه في
زنزانة واحدة في سجن ملحق مزرعة طرة، وكان
ثالثهم في الزنزانة محمد عبد السلام الزيات، الذي كان نائباً لرئيس الوزراء، وأحد
أركان حكم السادات في بديته.
وزير داخلية أصدر أول قانون للشرطة، تحقق لأفرادها نتيجة
لهذا القانون مكاسب لا يزالون يتمتعون بها يجلس في السجن، بعد أن عاش حياته
السياسية وزيراً.
عارف
حجاوي وكتاب الأغاني
"الآن
أكتب لك كلماتي هذه، صفحتين وثلاث صفحات، ثم أخلد إلى الجزء الثامن من كتاب
الأغاني، وهذه ثالثة مرة أقرأ فيها هذا الكتاب الضخم الذي يقع في أربعة وعشرين
جزءاً. فهل تراني سأنفق جهداً كبيراً كي أكتب حلقة إذاعية عن جرير أو الفرزدق؟ وقل
الشيء نفسه عن بيتهوفن وموتسارت."
امنح
التقدير المخلص
"ومن
الأساطير التى تجري مجرى الأمثال، أن امرأة قروية أتت يوماً بكومة من علف الماشية،
ووضعتها أمام رجال العشيرة بدلاً من الطعام، فصرخ الرجال في وجهها وقد حسبوا أن
مساً من الجنون أصابها، فما كان منها إلا أن قالت لهم "وما أدراني أنك
ستلاحظون الفرق، لقد ظللت أطهو لكم طعامكم عشرين سنة، فلم أسمع منكم، طوال هذه
المدة، ما يطمئنني إلى أنكم تفرقون بين الطعام الجيد وعلف الماشية"
ديل
كارنيجي، كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس؟
فن القراءة على الآخرين
يحكي آلبرتو
مانغويل في كتابه الجميل "تاريخ القراءة" عن فن القراءة على الآخرين ويحكي
عن تجربته وهو طفل صغير فيقول
"كنت
أستلقي على الوسائد المتراكمة على الأغلب في المساء، لأن الربو كان يلزمني الفراش،
وأستمع إلى ممرضتي تتلو علي الحكايات الخرافية المرعبة للأخوين غريم. كان صوتها يخدرني
أحياناً ويجعلني أحياناً أخرى شديد الانفعال. كنت أحثها على الاستعجال في القراءة،
على عكس ما كان المؤلف ينويه، من أجل الاطلاع على نهاية القصة. لكن على الأغلب كنت
أتلذذ بسحر الكلمات التي كانت تأخذني إلى عالم بعيد، روحاً وجسداً تقريباً، إلى درجة
أنني كنت أشعر فعلاً وكأنني أحلق باتجاه ذلك المكان القصي الذي كان ينتظرني في نهاية
الحكاية. بعد ذلك بفترة طويلة جداً قررت مع صديقة لي أن نقرأ خلال فترة العطلة الصيفية
الواحد على الآخر كتاب أسطورة الذهب مما أعاد إلى قلبي من جديد سرور الاستماع، لم أكن
أعرف أن فن تلاوة النصوص يعود إلى تاريخ مليء بالتقلبات مثل تاريخ القراءة على الآخرين
في المستعمرات الأسبانية في كوبا"
ثم يحكي مانغويل
أحد مظاهر فن القراءة على الآخرين في مصانع السيجار في المستعمرات الأسبانية في كوبا،
وكيف منعت أسبانيا بالقوة هذا الأمر، في أحد الشهادات يجلس شخص ليقرأ على العمال الأخبار
التي كانت تصل يومياً بالقوارب من هافانا، ومن الظهيرة حتى الثالثة بعد الظهر كان يقرأ
في أحد الروايات. علماً بأن المستمعين كانوا ينتظرون منه تقليد أصوات أبطال الرواية
كما يفعل الممثلون، كان بعض العمال الذين أمضوا سنوات عديدة في العمل يحفظون عن ظهر
قلب مقاطع طويلة من الشعر والنثر. وكان أحد العمال يستطيع تلاوة تأملات ماركوس أوريليوس
كاملة عن ظهر قلب.
اكتشف العمال
أن الاستماع إلى القراءة كان يعينهم على تحمل العمل الروتيني البغيض البليد المتمثل
في لف أوراق التبغ الداكنة اللون الطيبة الرائحة، متيحاً لهم المجال للاشتراك في مغامرات
أبطال الروايات ويمنحهم أفكاراً يتداولونها في رؤوسهم ويحولونها إلى أفكار خاصة بهم،
كان العمال يفضلون بعض الكتب على غيرها، مثل كتاب الدوق مونت كريستو لألكسندر دوما،
حصل الكتاب على شعبية كبيرة لدرجة أن مجموعة من العمال بعثت برسالة إلى المؤلف قبل
وفاته بفترة قصيرة عام 1870 يرجونه السماح لهم بإطلاق اسم بطل الرواية على أحد أصناف
السجائر، ووافق دوما على الطلب"
آلبرتو مانغويل،
تاريخ القراءة ص 131
ساعة صفاء عبد الوهاب المسيري
يقول المسيري: "ومن أهم الطقوس في حياتي طقس
"ساعة الصفاء" (الذي طورته مع صديقي الفنان رحمي)، وهو المقدرة على الانسحاب
من الزمان، بحيث يعيش الإنسان "لحظات ليست كاللحظات" خارج الزمان، ومن ثم
يمكنه أن يستعيد تكامله وإنسانيته (بعد أن يكون قد فقد بعضا منهما في معترك الحياة
وتفاصيلها التي لا تنتهي)، على أن يظل الإنسان واعيا تماما بأن هذه لحظات مؤقتة وحسب،
وأنها لابد أن تنتهي، ومن ثم فهي ليست نهاية التاريخ والتدافع والأحزان والأفراح (أو
كما أقول في إحدى القصص التي كتبتها للأطفال: "كل الأشياء الجميلة تنتهي! كل الأشياء
الحزينة تنتهي").
وقد حاولت
تطبيق هذا المفهوم في حياتي حتى لا يتحول الاستمرار إلى تكرار وروتين، فلحظة الصفاء
تجلب عنصرا من الإبداع إلى الحياة الاجتماعية اليومية، وقد تعلمت أنا وزوجتي أن نمارس
لحظات الصفاء هذه، مهما كانت الحياة قاسية علينا، ساعتها نطلب من أولادنا أن يبتعدوا
عنا بعض الوقت، ونجلس وحدنا نحتسي القهوة وأدخن سيجارا، فتتجدد العلاقة المباشرة بيننا
ولا تضيع منا في الزحام والتفاصيل، كما تعلم كثير من أصدقائي طقس لحظة الصفاء، لكنني
كنت أمارسها أيضا مع بعض الأصدقاء ممن لا يعرفونها، فنعيش معا "ساعة صفاء"
دون إدراك من جانبهم."
عبد
الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية
روسو
وتعلم القراءة
"لست
أدري كيف تعلمت القراءة؛ كانت أمي قد خلفت بعض الروايات فأخذنا أنا وأبي، نقرأها بعد
العشاء، ولم يكن القصد في أول الأمر، إلا التوسل بكتب مشوقة لأجل تدريبي علی القراءة،
لكن اهتمامنا لم يلبث أن ازداد حتی تعودنا أن نتناوب القراءة بلا انقطاع، فسلخنا ليالينا
علی هذا الشاغل، ولم يكن في وسعنا أن نضع الكتاب إلا قد وصلنا إلی نهايته. وكان أبي
إذا سمع السنونو وقد طلع الصبح، ربما قال لي في خجل: "ألا تعال فننام؛ أنا صبي
أكثر منك أنت."
الاعترافات،
جان جاك روسو، ص37.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق