“أحدهم.. إذا انفصم الحبل الذي يشده إلى التراث، اكتشف الماضي
من جديد؛ فاستعاد الفكر حيويته، وتمكن من استنطاق الذحائر الثقافية للماضي، تلك
الذخائر التي كنا نعتقد أنها ماتت، وها هي الآن تقدم لنا أشياء تخالف أشد المخالفة
ما كنا نعتقده“، حنة أرندت تصف هايدغر.
لا يجادل أحد
في كون شهرزاد ألف ليلة وليلة قد عالجت شهريار وخلصته من وساوسه بفضل الحكايات،
وأنقذت نفسها بما روت له من قصص؛ “فالحكي سلاح المفتقر للسلطة”. أولع عبد الفتاح
كيليطو بهذه الحكايات التي تشفي، وطفق يبحث عن غذاء يومي من السرد والقصص الشعبية،
فهو يعتبر كل قصة جميلة حقيقية حتى لو كانت أسطورية.
هذه المقالة
قريبة من استراتيجية كيليطو والتي تعلمها من الجاحظ بأن نجعل من الاستطراد فنًّا
في التفكير، نحن أمام ناقد أدبي مختلف سجين دائرة ضيقة من المواضيع والقضايا، لا
يبارحها ولا يمل من تخطيها، خصوصًا فعل القراءة/الكتابة، ويبدو هذان الموضوعان
مركزيين في كل ما يكتب من تحليلات أدبية مميزة بلغة حية ذات روح بعيدة عن ركاكة
وجفاف الأسلوب الأكاديمي الجاف، وهو يملك ضمن ما يملك تلك “الابتسامة المقلقة
للمحلل” كما وصفه عبد الكبير الخطيبي، فهو سندباد بشكل من الأشكال، يبحر في عالم
التراث ليكتشف جزرًا مجهولة، يتبع المثل الهندي القديم: “إن إلهة المعرفة لا
تبتسم لمن يهمل القدماء”.
وهو قلق على
اختفاء المكتبات والقراءة حتى في يوم الدينونة، فلقد دوّن في قصته “صحيفة الغفران”
قصة قراء يقفون يوم العرض المهيب بدون مكتبات ولا مرايا، لا يقرؤون سوى صحيفتهم،
أولئك المتعصبون للقراءة، أولئك الذين في الدنيا ما كانوا يعيشون إلا للقراءة،
يتحسرون بلهفة ضجرين من خلو الآخرة من المكتبات، ولعل هذه القصة تحيلنا إلى
استعارة بورخيس بأنه لا يتخيل الفردوس إلا مكتبة!
لا يقلق كيليطو
من تشذيب نصوصه، يتبع نصيحة الروائي وليام فوكنر “اقتل أحباءك”، فلا يتردد في
التضحية بكتاباته وطرحها في سلة المهملات على الرغم من حبه إياها؛ لذلك تبدو كتبه
مقالات صغيرة، بل حتى شذرات دون ثرثرة نقاد الأدب، فهو يمزق دون رأفة لكن بشيء من
التحسر ما يكتب.
ولعل السبب هو
أن كيليطو حريص على أن يكون هاويًا؛ فالهواية دور مريح، فيقوم بدور المتفرج مع ما
يتمتع به من شدة التركيز والاقتصاد في الحركة والكلمة والاعتماد على طبقات معرفية
نتيجة قراءة في كتب الأدب القديم، طورت في الرجل إمكانية الفضول وكسر رتابة
القراءة التقليدية.
بدأ كليطيو
عالم القراءة بالولع بالحكايات المصورة؛ ففي سن العاشرة قرأ ألف ليلة وليلة في
الفراش في طبعة بيروتية بمجلداتها السبعة، وهي طبعة محتشمة. ورغم كونها طبعة
كاثوليكية مهذبة إلا أنه كان يخجل من الكتاب فيخفيه عن أعين الرقباء. وكذلك اكتشف
الأدب بواسطة مصطفى لطفي المنفلوطي الذي التهم كل ما كتبه وتبين له ساعتها أن لغة
الأدب هي لغة خاصة تختلف عن الحياة اليومية-ذكرياته عن حياته تلك لا تهمه إلا ما
هو قابل منها أن يصبح أدبًا.
رحلة قراءة
كيليطو تبدأ مع القروسطيين، والسير الشعبية (حمزة البهلوان)، وتمتد بقائمة طويلة
من القدماء: ابن رشد، عبد القاهر الجرجاني، أبو حيان التوحيدي، ابن طفيل، عنترة،
المتنبي -ونفسه الشعري الذي لا مثيل له-، ابن سلام الجمحي، أبو نواس، ابن بطوطة،
امرؤ القيس، ابن حزم، ابن المقفع (يتساءل في أحد كتبه كيف نقرأ كليلة ودمنة؟)، أما
الجاحظ والمعري فهم ذو أهمية بالغة عنده، يمتعه الجاحظ ويحب قراءته؛ فالجاحظ يعلم
القارئ لكنه يلعب، عرفه أحد معاصريه (ابن قتيبة) بأنه يعمل الشيء ونقيضه، هذا هو
الجاحظ مع روح الدعابة والسخرية التي تميزه، أما الهمذاني فهو معجب به لشدة
إتقانه، والحريري لشدة يقظته، ولسان العرب لابن المنظور يعتبره بمثابة الكنز
الثقافي والأسطوري لجذور الكلمات، كل هؤلاء المؤلفين يسكنون نص كيليطو.
أما عن
المحدثين، فيذكر بلزاك، مارسيل بروست، توفيق الحكيم (كان يحلم بالاستماع إلى
الموسيقى الكلاسيكية بسببه)، سوفوكل في ترجمة طه حسين وجبران، المنفلوطي، معجبًا
بالسياب وبقنديل أم هاشم ليحيى حقي، يقدر أسلوب كونديرا في رواية الخلود والتي
تظهر بشكل أقرب إلى المقالة والتأملات، موسيقى وشاعرية فولبير، دانتي والكوميديا
الألهية، آجاثا كريستي، لذة النص لرولان بارت، جنون نيتشه، ودون كيخوت حاضرة في
وعيه دائمًا، تزيفيتان تودروف صاحب الأدب في خطر، مع وجود اللمسة الخاصة ببورخيس
في استعارة المكتبة والقراءة في كل ما يكتب فضلًا عما بينهم من صلة تجمعهم بكتاب
ألف ليلة وليلة، فهو كتاب يصفه كيليطو بالسحر والفتنة والامتلاء بالأسرار، وهو
مهتم بإجراء حوار مع هذه النصوص الكلاسيكية يشبه التحقيق البوليسي، يتساءل مثلًا
في أحد نصوصه السرديه كيف كان العرب قادرين أن يستغنوا عن الصورة؟
يقرأ كيليطو
عشرين كتابًا، يقرؤها باستمرار ويكتب عنها من بينها أسرار البلاغة للجرجاني؛ لأنها
لا تبوح له بكل أسرارها دفعة واحدة، فهي ضنينة بمعناها ولا تجود به إلا لمن يواظب
على الإمعان فيها، يقرأ كثيرًا وبلا نظام ويخيل إليه أنه قرأ كل الكتب، وفي بعض
الأحيان أنه لم يقرأ شيئًا، إعادة القراءة لديه بحث عن الكتاب المثالي الذي تعيد
قراءته إلى ما لا نهاية ويصاحبك طيلة عمرك، هذه الكتب القيمة عكاز طريق في الحياة،
يملك ضربين من القراءة نهارية وليلية، خلال النهار يقرأ بالعربية وفي الليل
بالفرنسية.
لعل نموذج
القراءة الناضجة التي يقدمها كيليطو هي القراءة المتواضعة والتي لا تقع في إغراء
التفسير الوحيد للنص؛ بل يخاطب كيليطو القارئ العام لا المتخصص؛ لذلك يهتم بشرح
كلمة في الهامش، ويشرك القارئ معه في عملية التحليل الذي يقوم به ويعقد معه حوارًا
بين الفينة والأخرى، يريد أن يشركه في لذة قراءة تلك النصوص، وتملك تلك النصوص
الكلاسيكية إزالة الوحشة بيننا وبينها وبناء حالة من الألفة.
كيليطو يميز
بين صنفين من القراء؛ “قراء لا يرون في الكتاب إلا عرضًا موافقًا ومطابقًا للآراء
الشائعة”، وقراء “يلمحون فيه شيئًا مختلفًا؛ لأن لهم طريقة في القراءة لا يمتلكها
الآخرون، فهم مثلًا يتنبهون لتناقضات المؤلف ويتجنبون عزوها إلى نقص أو خلل في نمط
استدلاله، خصوصًا عندما يشير المؤلف نفسه إلى احتمال وجودها، كما أنهم يبذلون
جهدًا لفهم مقاطعه الغامضة وتعابيره الملتوية دون نسبتها إلى ضعف في أسلوبه أو
فنه”.
يعتمد
كيليطوعلى روح السخرية فيما يكتب، سخرية جعلت من ناقد فرنسي يسأله هل الجاحظ عاش
فعلًا أم من نسج خيالك؟ وهل الأبيات التي ذكرت في ثنايا الكتاب من تأليف الشعراء
الذين سميتهم أم من تأليفك؟ سؤال يبدو ساخرًا لكن طرحه يوضح لنا طريقة الرجل في
اللعب بالنصوص والنبش فيها، أما مقياس العمل الأدبي عنده فهو “غرابته”، يرفع
القارئ عينيه ويقول: عجيب، عجيب هذا الكتاب!
أما شكل
مكتبته، فهي تتكون من عدة رفوف أعلاها نجد الكتب التي لا يستعملها إلا نادرًا، وفي
الأسفل تلك الكتب التي يكرهها فلا يحب رؤيتها، أما في الوسط فتلك الكتب التي يحتاج
إليها في كل وقت وحين.
كتب أطروحته عن
الدكتوراه عن فن المقامات بجامعة باريس 1982 عن الهمذاني والحريري، وكتب كتاب
“الكتابة والتناسخ” وهو مهتم فيه بوظيفة المؤلف في العصر الكلاسيكي، وبالجاحظ على
وجه الخصوص، أما كتابه “العين والإبرة” فيقوم فيه بقراءة مرهفة لألف ليلة
وليلة، ويهتم بما يقال عن الكتاب والكتابة في الليالي، استعار عنوانه من قصة
شخص يتلصص من ثقب مغلاق الباب بينما في الطرف الآخر شخص يفقأ له عينه بإبرة، أما
مؤلفه “الأدب والغرابة” فيهتم فيه بأساليب الكتابة عند الجرجاني والحريري وغيرهما
من أعلام النثر الأدبي الكلاسيكي.
وهو شديد
التنبه لخطر الكتب الكلاسيكية العربية التى يهتم بها الغرب، فيقع الكاتب العربي في
موضة مسايرة الاهتمام الغربي بها مثل الاهتمام بالمقدمة أو بألف ليلة وليلة، وكذلك
الخصائص لابن جني ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وإذا كان كتاب البخلاء مثلًا
قد مر في حين غفلة من القارئ الأوروبي فقط، يضيف كيليطو “لأنه لم يتمكن من ربطه
بكتاب البخيل” لموليير.
وعلى الجانب
الآخر، يقوم القارئ العربي بنفس الإشكالية؛ فسرعان ما يربط بصفة مباشرة، أو غير
مباشرة النص العربي بالنص الأوروبي، إنه مقارن ضرورة، وهكذا حين يقرأ حي بن يقظان
يشرد الذهن ناحية روبنسون كروزو والمتنبي فيشرد جهة نيتشه، ورسالة الغفران فيشرد
جهة الكوميديا الإلهية، واللزوميات فيشرد جهة شوبنهاور، ودلائل الإعجاز فيشرد جهة
سوسير، والمنقذ من الضلال فيشرد جهة ديكارت، ثم يعقب: “وويل للمؤلفين الذين لا نجد
من يقابلهم عند الأوروبيين”.
ولعل دراسته
للأدب الفرنسي والنقد الأدبي المعاصر جعله شديد الانتباه لمدى الاختلاف بين النظم
المعرفية المختلفة، فتجعله لا يستخدم نظامًا معرفيًّا سابقًا وتقارنه بجزء من نظام
معرفي حديث، وقد قام بتطبيق هذه القراءة في كتابه عن الحريري والزمخشري
والمعري؛ فقراءة هذا الأدب من داخله من شأنها أن تقوم بإثراء المفهوم الحالي للأدب
ولإنتاجنا المعاصر، وهو ينفر من الكلمات التي تستخدم في النقد الأدبي بشكل متكرر
دون دراسة، مثل مصطلح “التعبير”.. إلخ من مصطلحات النقد التي تلاك على الألسنة دون
مراجعة لمعناها ومدى قربها من مفاهيم التراث العربي؛ فمصطلح الأدب القديم يختلف عن
مفهومنا عن الأدب المعاصر، خصوصًا باختفاء قضية التربية التعليمية (التهذيب) في
الأدب المعاصر عن الأدب القديم الذي يقدم نصوصًا بغاية التربية والتهذيب، فضلًا عن
كون القدماء ناقلي معرفة وهو ما لم يعد يهتم به كاتب الأدب المعاصر.
ينصحنا كيليطو
بأنه من أجل أن نكون قراء علينا أن نتخلص من الأساتذة وقبل الأساتذة المعلمين؛
فإنجاز قطيعة بين القراءة وسلطة المعلم يجعلك تتوجه نحو النص ومناقشته.
لو أردنا أن
نتعرف على قارئ كيليطو كما تخيله، فهو قارئ يصفه بأنه “فضولي متطفل، يمقت
المستنسخات ويرتعب من إعارة كتبه، قارئ متسكع على الضفتين، متنزه بمفرده، لا يحب
العمل في المكتبات العامة، يذرع المدينة متوقفًا أمام ملصقات السينما، وأمام
واجهات متاجر الكتب ومجلات المقتنيات القديمة، وحين يكون حاضرًا في مدينة أجنبية،
فإنه يلج المكتبات في كل يوم، وهو قارئ يعتقد أن القدماء لم يقولوا كل شيء، لكنه
ولكي يثبت ذلك، يعمد إلى دراستهم وبهذا وحده سيتجنب تكرارهم”.
في الختام، كتب
فلوبير للآنسة شانتبي “أن تقرأ لتحيا” هذا هو جوهر قراءة كيليطو، ضخ الدم في
الأجساد النائمة للمؤلفين، إعادتهم للحياة بكامل نضارتهم ومناقشتهم والحديث معهم،
كانت الكتب حية وكلمتني هكذا يفعل كيليطو، لعل مغامرة تنتظر القارئ في متاهة
كيليطو في الكتابة ولعلنا نزور تلك الغابة مرة أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق