السبت، 27 أكتوبر 2018

أصدقاء الكفاح، شكيب أرسلان وسوريا (1)



في بداية القرن الماضي نمت حركة نهضة من مختلف البلدان العربية، وكانت تركز على سؤال لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب؟ وتنوعت شخصيات تلك الحركة بأطياف وأمزجة متنوعة، بداية من ثورية الشيخ جمال الدين الأفغاني إلى تحولات الشيخ محمد عبده. وهناك شخصيتان اجتمعتا في قضايا كثيرة وأنشطة فكرية وسياسية هما: الأمير شكيب أرسلان والشيخ محمد رشيد رضا. ومن أمثلة نشاطاتهم دورهم في القضية السوريا.
نرصد في الجزء الأول دور شكيب أرسلان وفي الجزء الثاني نقص قصة رشيد رضا مع بلاد الشام، وجهودهما في زمن ما قبل النشطاء السياسيين.
الجنتلمان العثماني: شكيب أرسلان
قدم المؤرخ الأمريكي مايكل كليفلاند دراسة مميزة عن حياة الأمير شكيب أرسلان بعنوان "الإسلام ضد الغرب: شكيب أرسلان والدعوة إلى القومية الإسلامية" وضمت معلومات لم تصدر فيما وصلنا من الكتابات الكثيرة عنه بالعربية.
تحول شكيب أرسلان إلى داعية سياسي مدافع عن القضايا العربية: من سوريا وفلسطين إلى بلاد المغرب العربي. ففي مقابل شخصية سعد زغلول الذي انشغل بالوضع في مصر فقط وتولى المفاوضات بخصوص الاستقلال، وحصل على تأييد إقليمي وقاعدة شعبية من المصريين، فإن شكيب أرسلان كان محروماً من قاعدته الإقليمية بفعل القيود الفرنسية والبريطانية التي فرضت عليه، وحظرت دخوله إلى البلاد الخاضعة لانتدابهما، لكنه تمكن من أن يتحول إلى نصير للحقوق السياسية، محاكياً أسلوب الأفغاني في أن يجوب أصقاع العالم الإسلامي.
وعلى الرغم من أن رشيد رضا انتقد في البداية مواقف شكيب أرسلان وقربه من جمعية الاتحاد والترقي ودفاعه عن السياسات العثمانية، إلا أنه بعد ذلك حدث نوع من التقارب الفكري بين الاثنين.
لم تكن هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى كافية ليوقن أرسلان بفشل مشروع إحياء مجد الدولة العثمانية، وانتظر حتى رأى الكماليين ينتصرون في تركيا ويقومون باستعراض عسكري عام 1921، ثم شهد الاغتيالات التي طالت كبار أعضاء الاتحاد والترقي المنفيين في أوروبا بداية من اغتيال طلعت باشا 1921، ثم بهاء الدين شاكر 1922 في برلين، ثم محمد سعيد حلمي رئيس الوزراء العثماني الأسبق في روما، واغتيال جمال باشا، المشهور بالسفاح، على يد شاب أرمني عام 1922 في تفليس عاصمة جورجيا، ثم اغتيال الأب الروحي لشكيب أرسلان أنور باشا في بخارى. وواضح من سيرة شكيب أرسلان مدى تقديره لأنور باشا.
لكن شكيب أرسلان سيحاول المحاولة الأخيرة للحصول على دعم تركي، بزيارته اسطنبول عام 1923 في محاولة لتشكيل جبهة عربية تركية تعمل على طرد الفرنسيين من سوريا، إلا أن مصطفى كمال أتاتورك رفض تلبية نداءات شكيب أرسلان، واستقر أرسلان في مدينة مرسين التركية القريبة من الحدود السورية، ولم يكن في وسعه أن يذهب إلى سوريا أو فلسطين أو حتى مصر، بسبب المنع المفروض عليه، وأمضى ثمانية شهور في مرسين وقابل أمه وزوجته وابنه الذين حرم من لقائهم منذ ست سنوات. وأرسل رسالة إلى رشيد رضا توضح أنه شخص يحب أن يعيش كسياسي وناشط منخرط في الشأن العام، حيث كتب له محتداً ومتذمراً من القيود التي يفرضها العيش في بلدة صغيرة: "ولو أردت أن أخرج إلى السوق بالقفطان ما لاحظ ذلك أحد، وتمضي الجمعتان والثلاث ولا يأتيني زائر... وبمدة خمسة أشهر ما أدبت إلا مأدبة واحدة". شكلت تلك الإقامة نقطة تحول إذ طوى فيها نهائياً صفحة إحياء الإمبراطورية العثمانية، وأخذ يتنامى تماهيه مع "العروبة" سياسياً.
لعب رشيد رضا دوراً في دمج أرسلان في بوتقة النشاطات العربية، فلقد رأى في مواهب أرسلان وقدراته ما يثير الإعجاب، وأدرك أنه خطيب مفوه، وأنه بارع في الدعاية والتواصل مع الزعماء والقادة. أدرك رشيد رضا أن شخصاً يملك هذه المواهب لا يجوز أن يترك في مرسين أو برلين، وكانت إيماءة المصالحة الأولى بينهما في عهد الملك فيصل في سوريا حيث أصبح رشيد رضا مقرباً من الملك فيصل، وأرسل رسالة لأرسلان مفاداها أنه "مضى الذي مضى، وصار علينا أن نجتمع ونتفق لأجل معالجة الحال الحاضرة".
قبل ذلك وفي عام 1921 انعقد المؤتمر السوري الفلسطيني في جنيف برئاسة الأمير ميشيل لطف الله ونائبه شكيب أرسلان، ودُعِيَ إلى انعقاده من أجل بلورة موقف متماسك مناهض لنظام الانتداب الفرنسي في سوريا، ومن أجل تقرير أفضل السبل لعرض هذا الموقف على عصبة الأمم.
كان الأمير ميشيل لطف الله وراء تنظيم المؤتمر في جنيف وتمويله، فقد كان صاحب أراض وتاجراً ثرياً من أبناء الجالية السورية المقيمة في مصر، وكان أبوه حبيب باشا مقاولاً كبيراً راكم ثروة بوصفه تاجراً، وأصبح أحد أثرى أثرياء مالكي الأراضي في مصر، ومنحته الحكومة المصرية لقب باشا، وأسبغ عليه الشريف حسين لقب أمير.
في عام 1925 حدثت انتفاضة ضد القوات الفرنسية في دمشق، وكان رد الفعل الفرنسي إجرامياً حيث قامت فرنسا في واحدة من أسوأ استعراضات القوة التي أبدتها في حروبها الإمبريالية قاطبةً بقصف جوي ومدفعي مكثف على دمشق على مدى يومين بدءاً من الثامن عشر من شهر أكتوبر/ تشرين أول من العام 1925.
شجع رشيد رضا الأمير شكيب أرسلان على مغادرة مرسين والسفر إلى سويسرا لتفعيل المعارضة ضد تحركات فرنسا، وتشير محاضر اجتماعات عصبة الأمم إلى اسم شكيب أرسلان وإحسان الجابري مندوب قضية فلسطين بأكثر مما يرد اسم أي شخص من دول الانتداب، وتبرز حرصهما على المشاركة في إظهار الموقف السياسي للثورة السورية والقضية الفلسطينية.
عومل أرسلان معاملة الناطق الرسمي باسم سوريا في أوروبا، وطلب هنري دوجوفينيل (قبل مغادرته إلى بيروت لتسلم مهام منصبه الجديد بوصفه مندوباً سامياً في شهر نوفمبر/ تشرين ثاني من العام 1925) من أرسلان، بوصفه قائداً للوفد، أن يأتي إلى باريس ليناقش الوضع ال معه.
أمضى أرسلان في الولايات المتحدة الأشهر الأربعة الأولى من عام 1927، وحضر اجتماعات المؤتمر السنوي لحزب سوريا الجديدة في ديترويت. وكان يرمي من حضوره المؤتمر إلى تزويد الجالية الة في الولايات المتحدة الأمريكية بمعلومات عن الثورة الأخيرة، وإلى جمع التبرعات.
مثلما يحدث في المنفى تنشأ صراعات بين السياسيين. ظهرت تلك الخلافات في القاهرة بين شخصية سياسية ة هي عبد الرحمن الشهبندر وشكيب أرسلان، بسبب طموحات الرجلين التي تصادمت وأصبح الشهبندر عدو شكيب أرسلان اللدود، مما أدى في النهاية إلى الخصام الذي كان في صالح الاحتلال. وعكف الشهبندر على ماضي شكيب أرسلان العثماني وعمله مع جمال باشا، وورطه في موقف المدافع عن تلك العلاقة.  وحاول الشهبندر إضعاف سلطة شكيب أرسلان في تمثيل القضية الة عبر إثارة مسألة تنازلات أرسلان في المفاوضات. يفسر كليفلاند مواقف شكيب أرسلان بأنه بوصفه ناشطاً سياسيا في المنفى كان ينظر بإحدى عينيه إلى مواقف فرنسا وردة فعلها، وبالعين الأخرى إلى ردود فعل مواطنيه، وحرره نفيه من الخوف من المسؤولية السياسية، وجعله يعبر عن رأيه بصراحة وبجرأة.
ضاقت بريطانيا وفرنسا بجهود شكيب أرسلان وتحالفاته، وقامت بمتابعة تحركاته أمنياً. قام هنري دوجوفينيل بإعداد تقرير أمني عن أداء أرسلان ونشاطه في برلين، حيث حاول تجنيد ضباط ألمان لقيادة الثورة في ا. وورد في التقرير أنه بينما كان أرسلان في روما من أجل حضور اجتماعات لجنة الانتداب، أعَدَّ الترتيبات الضرورية لتكليف عميل بشراء أسلحة ألمانية ليقوم بعد ذلك بإرسالها إلى ثوار ا، كانت مثل هذه المعلومات والتحركات عنه تجعل فرنسا تصفه بالمتآمر لضرب المصالح الفرنسية في المنطقة.
تطرق مايكل كليفلاند في كتابه عن شكيب أرسلان إلى معلومات لا توجد بهذا الوضوح فيما نعرف من الكتب العربية عن حياة الأمير، منها أوضاعه المالية المتدهورة في فترات حياته الكثيرة، فعندما ضرب الكساد أوروبا وازدادت ديون أرسلان كانت رسائله إلى رشيد رضا مليئة بتفاصيل عن الضائقة الاقتصادية التي يعانيها، وتكشف النقاب عن رجل يعيش حالة فوضى مالية ناجمة عن مزيج من سوء الطالع وسوء الإدارة. وأضحت المديونية سمة قائمة ودائمة من سمات حياة أرسلان، وسببت له كثيراً من القلق.
 ولكي يمول رحلاته واسعة النطاق وينفذ واجباته كاملة في عصبة الأمم، كانت أوضاع أرسلان تتطلب من المال ما يفوق قدرته على الاقتراض. وتلقي أرسلان مساعدات مالية أمر معروف، وإلى أن دب خلاف بينه وبين ميشيل لطف الله في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان الوفد السوري الفلسطيني يمول من قبل أسرة لطف الله. وذلك فضلاً عن تلقي أرسلان معونة مالية شخصية مباشرة من عباس حلمي، خديوي مصر المعزول.
قام عباس حلمي بتحمل أعباء نفقات شكيب أرسلان في أوروبا عبر تزويده بمعونة مالية مقدارها 30 جنيهاً شهريا، وعندما تأكد أرسلان من كون هذه المعونة لا ترمي إلى استخدامه سياسياً وافق على قبولها. وعندما أعلنت فرنسا أنها مستعدة لإقامة مملكة في سوريا، أماط عباس حلمي اللثام عن طموحاته في اعتلاء عرش سوريا، لكن أرسلان لم يوافق على رغبات مموله، وأعلن أن الوفد السوري الفلسطيني معني فقط بتحقيق الاستقلال، ولن يبذل جهداً لدعم الخديوي المعزول ليغدو ملكاً، فتوقفت تلك المعونة من عباس حلمي عام 1931، وكان أرسلان يسعى دائماً لعقد تحالفات بشرط أن تسمح تلك التحالفات له بحرية الحركة وألا تملي عليه أفكاراً ليس مقتنعاً بها، لذلك استخدم علاقاته مع إيطاليا وألمانيا ليصنع حلفاء له، وكذلك حرص على التواصل مع الملك فيصل ثم الملك عبد العزيز آل سعود.
كانت علاقة شكيب أرسلان مع رشيد رضا قوية، فالتقدير المتبادل ووحدة الهدف جمع بينهما، وفي ثلاثينيات القرن الماضي اضطر شكيب أرسلان إلى أن يكتب نعياً لكثيرين من أبناء جيله، وكان يتأثر كثيراً  برحيل رفاقه لأن المنفى حرمه من عِشرتهم في سنواتهم الأخيرة. أثر فيه فقده لصديقه رشيد رضا وتذكر اللقاء الأخير بينهما على متن قطار أقلهما من الإسكندرية إلى السويس خلال رحلة أرسلان متجهاً إلى الحجاز 1934، وكان يرافق أرسلان حارس عسكري في رحلته كلها، وكان التحدث بين رشيد رضا وشكيب أرسلان ممنوعاً.
وكانت إقامته في جنيف أرضية للتحالفات. وسواء أكان يستضيف الملك فيصل ملك العراق أم يسدي المشورة لمصالي الحاج من الجزائر، أم يتنازع مع ديفيد بن غوريون، أم يستقبل وفوداً سوريا متنوعة، فقد حول في كل ذلك مقر إقامته في جنيف إلى إزعاج لبريطانيا وفرنسا .
في عام 1936 سافر إلى باريس وفد سوري للتفاوض حول الاستقلال، لم يكن شكيب أرسلان عضواً في الوفد، لكن، خوفاً من نقده للمعاهدة علناً مما يؤدي إلى شحن الرأي العام ضدها، قام الوفد بزيارته في جنيف، ووافق شكيب أرسلان على الشروط، وعلى أثر المعاهدة تمكن من العودة إلى سوريا في شهر يونيو/ حزيران من العام 1937، لكن بريطانيا ستطلب من فرنسا إخراجه في نهاية العام بسبب خطاباته التحريضية ضدها في مؤتمر بلودان. وفي حين تم العفو عن رفيقه إحسان الجابري من قبل فرنسا، وبقي في سوريا ليشغل منصب محافظ اللاذقية، طرد أرسلان ثم تعرض إلى مزيد من التضييق عندما رفضت الحكومة المصرية السماح له بالنزول من السفينة في ميناء الإسكندرية. ولم يكن لديه خيار سوى العودة إلى جنيف.
أحاطت الديون بشكيب أرسلان عام 1946، وأرسل رسائل لبعض رفاقه، وأنقذه الأمير عبد الله ابن الإمام يحيى إمام اليمن إذ أرسل إليه أموالاً لتسديد ما عليه من الديون الأكثر إلحاحاً، ويعود أرسلان إلى سوريا مرة أخرى عام 1946، ثم في الحادي عشر من ديسمبر تقرر السلطات السويسرية التوقف على التنصت على هاتفه، لكنها لم تكن تعلم أنه توفي منذ يومين في سوريا عن ثمانين عاماً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق