قدم عزمي بشارة رؤية لكثير من القضايا
السياسية في كتابه الحواري "في نفي المنفى"، وكانت سورية والثورة
السورية أحد المواضيع التي شارك بالإجابة عنها في الكتاب، سنحاول المرور بأهم
النقاط التي تضمنها هذا الحوار.
يرى بشارة أنه كديمقراطي عربي لم تكن
لديه أي أوهام عن النظام السوري، فقد كان يرى نظام البعث نظاما استبداديا. استقى
تلك الرؤية مما اطلع عليه من تجارب الفصائل الفلسطينية مع النظام السوري، ومن
تجارب يساريين سوريين ولبنانيين معه، ومن القراءة. ولم تكن قضية سورية تشغل حيزا
كبيرا من وقته بسبب الانشغال بقضايا فلسطينيي الداخل، بالإضافة إلى العمل الفكري
والبحثي.
وعندما تم تأسيس "التجمع الوطني
الديمقراطي" كان من أهدافه التواصل مع العالم العربي، وتم توجيه دعوه للدكتور
بشارة لزيارة سورية مع وفود من أعضاء الكنيست العرب وغيرهم من الشخصيات، لكنه شكك
في هذه الدعوة ولم ينضم، وذهب وفدان من أعضاء الكنسيت العرب إلى سورية مرتين:
المرة الأولى للتعزية بوفاة باسل الأسد 1994، والمرة الثانية بدعوة عامة لجميع
القوى السياسية العربية في الداخل ولم يشارك فيها الكاتب، لأن سورية آنذاك كانت في
صدد التفاوض مع إسرائيل، وكان السياق العام لتلك الزيارة يتضمن رسائل سياسية، منها
الانفتاح السوري على إسرائيل.
كان سميح القاسم في الوفد الثاني الذي
زار سورية، ونقل إلى بشارة عتب وزير الخارجية السوري فاروق الشرع وسؤاله: لماذا لم
تحضر مع أنك تمثل التيار القومي العربي؟ ونحن في سورية نتابع مواقفك القومية..
تم ترتيب دعوة عن طريق مركز دراسات
الوحدة العربية ومديره الكاتب خير الدين حسيب، وكان اللقاء بنائب الرئيس عبد
الحليم خدام مرتين في الزيارة الأولى لدمشق، وكذلك تم لقاء مع فاروق الشرع مرتين
في الزيارة نفسها، وكان الدخول إلى سورية عن طريق وثيقة سفر سورية من سفارة سورية
في القاهرة ولاحقا عمان، دون الدخول بالجواز الإسرائيلي، وهذا فارق مهم بالنسبة
للكاتب، ونشأت علاقة بين الكاتب وشخصيات سياسية سورية، قدر لهم استماعهم له، وهو
يوضح اعتراضه على السياسيات الداخلية لكنه لم يعتقد أن موقعه ذاك كان ملائماً لجعل
نقد الأوضاع الداخلية للدول العربية فوق قضية التواصل مع العرب، علاوة على الموقف
من الاحتلال وفلسطين، ويضيف أنه لم تكن هناك لحظة حرجة وصدام بين المواطنين
والنظام في ذلك الوقت.
نتج عن التواصل مع الشخصيات السياسية،
تشاور سياسي فيه قدر من الفائدة للداخل الفلسطيني ولسورية، وهو يعتقد أن القادة
السوريين قد أفادوا جدا في فهم قواعد الصراع ضد إسرائيل بغض النظر هل طبقوا هذا
الفهم أم لا فقد كان هذا قرارهم، وكان يرفض القيام بدور "جسر السلام"
بين سورية وإسرائيل بل حاول أن يقوم بتصليب موقف القادة السوريين من إسرائيل، وهذا
جعله على خلاف مع جناح في السلطة السورية كان يرى أن الحل هو التعجيل بعملية
السلام بأي ثمن، مع تذكيره للقيادة السورية دائماً بحق العودة للفلسطينيين.
يوضح بشارة تجربته مع القيادات
السورية، بداية من لقاءاته بحافظ الأسد وبشار الأسد، فضلا عن وزير الخارجية فاروق
الشرع، إلى آصف شوكت، وبهجت سليمان، مع تسجيله الانطباعاته الشخصية عنهم.
ففي 2 ديسمير 1998 التقى بشارة مع حافظ
الأسد واستحوذ على معظم اللقاء الحديث عن التفاوض وحق العودة، وهل تريد إسرائيل
السلام حقاً، وكانت الأسئلة التي وجهها حافظ الأسد تتعلق بتقدير بشارة لرغبة
إسرائيل في السلام، في هذه الفترة تعرف الكاتب على بشار الأسد في عهد والده، ورآه
مرتين في تلك الأثناء، امتدت الجلسة بين الأسد الأب وبشارة ثلاث ساعات، وشرح له
أسباب التدخل السوري في لبنان. وكان من الواضح في رأيه أنه مهتم بالتاريخ، وبشرح
مواقف سورية السياسية لبشارة حتى تلك التي لم يسأل عنها.
كان حافظ الأسد كما يصفة بشارة في هذا
اللقاء مهتماً بالتاريخ اليهودي وببنية المجتمع الإسرائيلي، وكيفية صنع السياسية
في إسرائيل، حاول بشارة أن يشرح ذلك قدر الإمكان، ووصف أجواء اللقاء بأنها لطيفة
ورغم أنه شعر أن السوريين سيفاجأون من وصفه الأسد بأنه لطيف ومهذب،لكنه يوضح بأنه
لا علاقة لرأيه بين السلوك الشخصي للقادة ودرجة تهذيبهم من جهة، وطبيعة وبنية
النظام وقسوته ضد المعارضة من جهة أخرى.
لم يغب لحظة واحدة عن ذهن الكاتب أنه
أمام دكتاتور قاس جدا في التعامل مع أي معارض، لكن هذا الدكتاتور يتحدث مثل كبار
السن، وأحيانا ذكره بصوت مارلن براندو في فيلم العراب، وهو يتميز بالواقعية
السياسية ويحاول أن يفهم إلى أن أين تتجه السياسة في العالم.
لم تكن لدى إسرائيل مشكلة في من يزور
سورية، بل كانت تسعى للتطبيع مع سورية، لكنها غضبت من كون زيارات بشارة جاءت خارج
سياق التطبيع، وفيها دعوة للمقاومة. تطورت العلاقة بين بشارة والقادة السوريين،
ليقوم المسؤولون السوريون بالمساعدة في الموافقة على زيارات كبار السن من اللاجئين
الفلسطينيين الذي لم يروا أقاربهم في الداخل منذ عام 1948، وافق بشار على المقترح،
وأيد فاروق الشرع الفكرة، وساهم في ذلك بهجت سليمان مدير فرع الأمن الداخلي الذي
تعاون في إصدار الموافقات والتأشيرات والتسهيلات، ولاحقاً ساعد آصف شوكت، وتمكن
اللاجئون من رؤية أقاربهم في سورية، وفرح بشارة كثيرا بتسهيل هذا الأمر، وصار
مكتبة محجة لكل فلسطيني في الداخل له أقارب في سورية، كانت تلك اللقاءات تشبه لقاء
الأقارب بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، لكن، في حالة فلسطين كان الفراق أطول.
لكن تنظيم هذه الزيارات لم يمر بسلام عند إسرائيل، فقد تمت محاكمة بشارة في 12
تشرين الثاني/نوفمبر 2001، بتهمة تنظيم زيارات إلى بلد معاد (سورية)، وتظاهر
الأهالي الذين زاروا سورية أمام المحكمة وتحولت المحكمة إلى قضية إنسانية.
استوقفني وأنا أطالع إجابات بشارة رأية
في كثير من أعمدة النظام السوري، فهو لم يحاول أن يخون الذاكرة، وأن يصفهم بأوصاف
لم يكن يراها فيهم آنذاك، أو يسبغ عليهم صفات متوحشة لأن نظامهم قام بعمليات قمع
إجرامية، فحديثه عن فاروق الشرع وآصف شوكت لافت حقاً، وفي نمط حديثة حاول أن يقدم
الاعتراف الجريء بالانطباع الحقيقي والصادق عن الشخص في زمنه مع التأكيد على
تفريقه بين سلوك الشخص وعمله في جهاز الدولة.
تحدث أيضا عن بشار الأسد الذي يعتبر
أنه ينتمي إلى نوع من أنواع السياسيين أبناء الحكام الذين تتميز شخصياتهم بأنها
ليست عصامية، خلافاً لآبائهم، ويفسر ذلك بأنهم يعتمدون في شرعيتهم على الأب،
وينكرون ذلك بادعاء أنهم جاءوا إلى الأصلاح والتغيير، هؤلاء الأبناء، ومنهم بشار
الأسد، لم يأتوا بمفردهم في رأيه، بل جلبوا معهم نخبة جديدة جشعة، لا علاقة لها
بمصادر النظام الأيديولوجية، وتقوم على ائتلاف بين أبناء قادة أجهزة الأمن
والمسؤولين، وبين الأسرة الحاكمة ومحاسيبها من رجال الأعمال.
اجتمع بشارة ببشار الأسد ربما عشر
مرات، وكون انطباعاً عن شخصيته ونظام حكمه،وهو يوضح رأيه بقوله " لا قيمة لكلام الناس الذين لا يعرفون الأشخاص" ثم
يوضح أن شخصية بشار تتميز بالذكاء وهذا ليس حكما معياريا، أما الحكم المعياري فهو
أن هذا الشخص الذكي والمهذب كان ديكتاتورا مستبدا، وأصبح طاغية سفاحا.
ثم يوضح أن بشار لا يهتم بالمثقفين، بل
يهتم أكثر بالتقنيين، ويعتبر المثقفين ثرثارين ولا يساوون شيئاً، فالمثقفون مجرد
وجع رأس، لذلك لا يحبهم، ولا يقرأ الكتب، ويصرح بذلك، ويقرأ تقارير الأجهزة
وتقديرات المواقف السياسية.
كانت لقاءات بشارة مع بشار الأسد تتناول
الكثير من المواضيع من الاقتصاد إلى الحريات، لكن النصائح التي كان يهتم بها الأسد
كانت تلك النصائح التي تتعلق بنجاعة إدارة النظام والدفاع عنه، فهو متمسك بالحكم
الفردي السلطوي لكنه منفتح بخصوص النصائح حول الإعلام مثلا، توسط بشارة لإطلاق
سراح بعض المساجين الفلسطينيين قبيل عيد الأضحى،وقال حينذاك لعرفات "هذه هدية
لك"،وكان يحرص على زيارة غزة أو رام الله بعد عودته من زيارة سورية.
وأنقل هنا وصفه لفاروق الشرع بأنه
"رجل مستقيم، عمل في السياسية الخارجية، ولم يشتغل في السياسة الداخلية، وهو
في أي حال، مسؤول جزئياً عن سلوك النظام، ولكنه لم يكن يدافع عن القمع في سورية،
ولم يبرر ذلك، لكنه يلمح بكلمة من هنا أو هناك إلى عدم رضاه، علماً بأن له ولاء
مباشراً للوطنية السورية التي كان منصب ا لرئاسة في مركزها، وهي صفة اتصف بها جيله
من البعثيين"، وفي رأي بشارة أنه كان مخلصاً لحافظ الأسد. وكان يدافع عن
بشارة عندما تعرض أجهزة الأمن تصريحات للكاتب ينتقد فيها سورية ولو بشكل مخفف.
ثم يصف الكاتب بشار الأسد بكونه مستمعا
جيدا، بمعنى أنه يسأل ويُصغي إلى
الإجابة فعلًا. ولا يبخل بالوقت في اللقاءات، لكنه لاحظ أنه أيضاً لا يبدي حساسية
زائدة لآلام الناس ومعاناتهم، ووصف عهده بأنه فاق مستوى الفساد في عهده ذاك الذي كان
في عهد والده، مع أنه كان يؤكّد لنا أنه قضى على الفساد ما إن أبعد النخبة القديمة،
لكن النخبة المحيطة بنظامه كانت أكثر فسادًا وأكثر فجورًا في إظهار الفساد.
ثم حكى عن علاقته بآصف شوكت الذي وصفه
بأنه "امتلك شهامة لافتة في علاقته به"، لكنه يضيف بأنه كان ينفذ أوامر
النظام في علاقته بالشعب السوري، وكان على رأس جهاز أمن قمعي، طبعاً لم يتفق مع
آصف شوكت سياسياً، ولم يرتبا أي أمور سياسية، ثم يوضح أن السوريين لم يقصروا معه،
وكانوا لطفاء دائماً وتعاملوا معه ضيفاً مرغوباً فيه دائماً.
في وصفه لبنية المجتمع فوجئ بأن
الحساسيات الطائفية ما زلت موجودة، خلافا لما كان يعتقده، بسبب تأثره المبكر
بالفكر القومي، اعتقد أن سورية تجاوزت الطائفة والطائفية، ولكن الواقع كان
مختلفاً، فالانصهار الوطني لم يكن عميقا، ونغمة هذا شامي وهذا حلبي، هي تعبير عن إخفاقٍ
كارثيٍّ في التشكل الوطني على مستوى سورية، أو ما تسمى عملية بناء الأمة.
يشرح بشارة إشكالية في فهم النظام
لقضية المقاومة، ففي رأيه أن موضوع المقاومة كان يبدو مبدئيا عند صناع القرار في
سورية، بمعنى أن تكوينهم الفكري
مؤسس على العداء لإسرائيل، لكن لاعتبارات سياسية فإن الحفاظ على النظام يصبح هو
الأساس، وتصبح قضية فلسطين أداة في سبيل الحفاظ على النظام، هذه القناعة تجعل تلك
القيادات تقف ضد أي حركة مسلحة مستقلة عنهم في الفضاء السوري - اللبناني، هذا
الاحتكار للمقاومة مهمته أن يتم إقناع العالم بأن سورية حجر أساس استقرار المنطقة،
وأن من يريد استقرار المنطقة يجب أن يكون معنياً بمواقف سورية، ولذلك، سعى النظام إلى
إخضاع المقاومة الفلسطينية، ولم ينجح في ذلك، ولم يكن لديه مانع من الصدام مع
المقاومة الفلسطينية والتصادم مع عرفات، فحافظ الأسد كان يعتقد أنه هو وحده الذي يفترض
أن يُمسك بخيوط قضية فلسطين.
قدم الكاتب ما يمكن تسميته دفاعاً أو
تبريراً لعلاقته السابقة مع النظام السوري، تلك العلاقة التي انقطعت وتحولت إلى
إدانة كاملة لهذا النظام في أعقاب الثورة السورية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق