السبت، 27 أكتوبر 2018

محمد كرد علي: حيادي على طريقته في عصر التحزب



"وقد ثبت لي أنه ما أفلح في هذه الأرض حزب ولا جمعية، اللهم إلا إذا كان من بعض الشياطين أن اتخذوا من حزب مطية لأغراضهم الخاصة، يصلون على متنها إلى المراتب والمكاسب." محمد كرد علي
يتناول محمد الناصر النفزاوي حياة محمد كرد علي (1876- 1953) من زاوية ميوله السياسية في كتابه الصادر بعنوان "محمد كرد علي: المثقف وقضية الولاء السياسي"، ورغم قدم الكتاب، إذ صدر في بداية التسعينات، إلا أن مؤلفه يبرع في تتبع مواقف الرجل وعلاقاته السياسية اعتماداً على مصادر متنوعة، وينجح في استنطاق مذكرات محمد كرد علي، استنطاقاً يبين مدى صدقية دعوته إلى عدم التحزب.
أول ما يخطر في الذهن عند الحديث عن محمد كرد علي اهتمامه بالتراث العربي ودوره في "المجمع العلمي السوري" منذ إنشائه إلى وفاة محمد كرد علي، وقد أتاح له هذا الدور منزلة مرموقة بين أهل الثقافة بسبب إسهاماته في ميدان اللغة وإحياء التراث، أما الدور السياسي فيحتاج إلى مراجعة.
ابن الغوطة يتعلم الفرنسية
ولد محمد كرد علي عام 1876، العام الذي تولى فيه السلطان عبد الحميد الثاني عرش الخلافة العثمانية، في عالم كانت منزلة الدولة العثمانية تواصل هبوطها فيه. تعلم محمد كرد علي الفرنسية والتركية والعربية في طفولته. في ذلك الزمن احتكرت بعض الأسر في كل منطقة  "العلم" أو الاشتغال بالأمور المعرفية. ويرى كرد علي أن هذه الأسر كان لها دور في الاستئثار بالمدارس والأوقاف والوظائف الدينية مما جعلها تقصُر العلم والتعليم على أبنائها احتكاراً لفرص العمل بالتدريس والوعظ والخطابة والإمامة جيلاً بعد جيل. وهو بهذا لا يتبنى رأي من يُرجع كل مصائب الشام إلى إرادة تركية شريرة، فهو يلقي بالمسؤلية على البيئة الاجتماعية والمصالح المحلية الضيقة أيضاً.
في هذا الجو، الذي لم ير الناس فيه المشايخ التقليديين أصحاب إلهام، يقتدي الشاب الصغير بالشيخ طاهر الجزائري الذي يعده "في هذه الديار كالأستاذ محمد عبده في مصر".
العمل في الصحافة وبدايات الشهرة
في عام 1899 نشرت له مجلة "المقتطف" شيخة المجلات العربية كما يسميها، وهو في سن الثالثة والعشرين، تسعة فصول في "عمران دمشق"، وابتدأت شهرته من نشره في هذه المجلة. كانت بداية الشهرة لشاب من أصول كردية وصغير السن في مجتمع عتيق يقوم على الأصل والفصل.
هذه الشهرة دفعته للسفر إلى مصر في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1901، ثم يسافر محمد كرد علي لمصر ثانية عام 1905 ليصدر مجلة المقتبس، ويقيم في مصر ثلاث سنوات، ثم يحدث الانقلاب على السلطان عبد الحميد 1908، وتخف قبضة الاستبداد على بلاد الشام، ويعود إلى دمشق وينشئ مطبعة ويصدر المقتبس اليومي السياسي، وكذلك المقتبس الشهري العلمي، وكان المقتبس السياسي أول جريدة يومية صدرت في دمشق.
علاقة متوترة: محمد كرد علي والاتحاديون 1908-1914
لم يتردد محمد كرد علي في دعم حكومة الاتحاد والترقي في الآستانة عبر مجلته المقتبس. وحتى عندما أرسلت حكومة الاتحاد والترقي حملة على الدروز بقيادة سامي باشا الفاروقي، حاول أن يساعد الحملة بالخرائط والتقارير عن تلك المناطق. ولم يكتف بذلك بل هاجم جماعة المحمديين المناوئة لحكم الاتحاديين. ونتج عن ذلك بحسب روايته محاولة اغتياله من المحمديين، حتى لقد قرر عبد الرحمن باشا اليوسف، وهو من كبار الاتحاديين، أن يرسل ثلاثة من شجعان الأكراد يرافقونه أينما ذهب لحمايته.
لكن مواقف محمد كرد علي لن تشفع له عند والي سوريا، الذي سيتقدم بشكوى ضده، ويستصدر قراراً من حكومة الاتحاد باعتقاله، لكن بعض العاملين في مديرية البرق سيسربون الخبر له ليهرب عام 1909 على متن باخرة نمساوية كانت راسية في ميناء بيروت إلى باريس. وقضى في باريس فترة حتى حصل على البراءة عن طريق الآستانة. لم تكن هذه المرة الوحيدة التي سيهرب فيها خوفاً من الاعتقال، بل ستتكرر عام 1912 عندما صدر قرار باعتقاله من حكومة الاتحاديين، وهرب إلى مصر على ظهور الجمال، وعبر المدن والصحارى حتى بلغ القاهرة بعد أسبوعين.
كانت ضريبة العمل الصحفي والاقتراب من السياسة التعرض للاعتقال والمساءلة، لذلك نجد محمد كرد علي بعد عام 1913 يتجه إلى البحث. وإذا كان شكيب أرسلان قد اختار أثناء الحرب الإيطالية الليبية أن يندمج في مقاومة الإيطاليين صحبة صديقه الحميم أنور باشا، فإننا نجد محمد كرد علي في عام 1913 يشتغل في خزانة الأمير "ليوني كايتاني" في روما شهراً كاملاً، وهو اختيار عرضه لكثير من النقد بسبب حدة المشاعر المضادة لإيطاليا آنذاك.
رئيس تحرير عثماني الهوى فى الحرب العالمية الأولى
لن يصمد قناع الحياد الذي سيبدأ في ارتدائه كرد علي محاولاً التخفي، فقد اضطر للعودة إلى ساحة السياسة، فقد خطبت وده حكومة الاتحاد والترقي في بداية الحرب العالمية الأولى ليكتب في الصحيفة ما يدعم مواقفهم. ومع اشتداد الضغط على حكومة الاتحاديين تقابل عبد الرحمن الشهبندر ورضا باشا الركابي ومحمد كرد علي، وعرض الشهبندر الاتصال بالإنجليز للتفكير في مصير الديار الشامية، إلا أن محمد كرد علي رفض بحجة أن الدولة العثمانية قد تنتصر ويتغير الوضع. وعرضه هذا الرأي لسخرية الشهبندر، وانفض الاجتماع وتعاهدوا على الكتمان. وأرسلت له القنصلية الفرنسية، كما يروي، من يستميله ليقف في صف فرنسا، لكنه وقف مع العثمانيين، وسيسجل الفرنسيون هذا الموقف في أوراق القنصلية التي سيحصل عليها رجال جمال باشا، فيزيد تقدير جمال باشا لمحمد كرد علي، وتبدأ علاقة بين الرجلين يمول فيها جمال باشا محمد كرد علي وجريدته المقتبس، ثم يرأس كرد علي تحرير جريدة الشرق وهي جريدة تبث الدعاية لتركيا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى.
لا نحتاج إلى مقارنة بين مواقف شكيب أرسلان ومحمد كرد علي، فقد شرح لنا محمد كرد علي الأمر: "كان الأمير شكيب أرسلان من جماعة أنور يحميه ويحبه، وكنت أنا من أخصاء جمال باشا يحبني ويحميني، والله أعلم بنيات الاثنين نحونا، وأنا لا أعتقد بأن قلب أمثالهما من القلوب التي تحب، وما حبهما لنا إلا لاستخدامنا في الدعوة لهما وللدولة".
محمد كرد علي بعد الحرب العالمية الأولى وفي عهد الحكومة الفيصلية
كانت فترة جمال باشا قاسية على شخص يحب الفردية ويمقت العمل السياسي، ويريد النجاة بنفسه وماله ما استطاع، ويتشكك، بطبيعته، في دوافع الناس، ويميل إلى أن يضفي أبعاداً أخلاقية على مواقف الأشخاص السياسية. كان محمد كرد علي حزيناً في هذه الفترة.. "إني استعبدت مرة واحدة في حياتي، ولا أحب أن أستعبد مرة ثانية، استعبدني جمال باشا الكبير لأنه حماني، منذ وافى هذه الديار، من دسائس الدساسين، وأنا أكره الاستعباد مهما كانت صورته ولست كفوطة الحمام انتقل من جسم إلى آخر". ومما يثير العجب حنق محمد كرد علي على بعض الشخصيات التي ذكرت اسمه في التحقيقات التي أعدها جمال باشا في عالية، مع تجاهل المتسبب الحقيقي في هذه الفوضى السياسية وما جاءت به من إعدام الوطنيين، وهو جمال باشا.
مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وتولي رضا باشا الركابي الحكم، يعتزل محمد كرد علي العمل السياسي المباشر، ويبدأ بناء المجمع العلمي في دمشق. يستمر كتاب النفزاوي في عرض متقن لتفاصيل علاقة محمد كرد علي بحكومة فيصل. ولا بد هنا من إشارة عرضية إلى أن القوم جميعهم، أقصد مثقفي تلك الفترة.. محمد كرد علي وخصومه، لم يكونوا يرون في التعامل مع القوى العظمى، بريطانيا وفرنسا أو حتى ألمانيا، أي غضاضة، أي أنهم لم يكونوا يرون في هذا التعامل ما سترى الأجيال اللاحقة من أن ذلك يعد خيانة أو نقصاً في الوطنية. وكي نفهم ذلك يجب أن ندرك أننا في فترة سيولة سياسية وانهيار لسلطة الدولة العثمانية بعد قرون من سيطرتها على تلك المناطق، وهي فترة تنازع بريطاني وفرنسي، بل حتى أمريكي، فلقد أرسلت أمريكا وفداً لدراسة فرض الانتداب على تلك المنطقة. كانت منطقة تتشكل من جديد، وتبحث عن قوى عظمى تؤيدها. لم يكن لديهم ما أصبح لدينا اليوم من خبرة تاريخية أدت بنا إلى عدم الثقة بوعود الغرب. كانوا أول من جرب هذه الكأس، فالملك فيصل سافر وهو يظن أن الإنجليز لن يسلموا سوريا للفرنسيين، ووثق الكثير من أهل العصر بوعود الرئيس الأمريكي ويلسون بشأن حق تقرير المصير.
محمد كرد علي وعهد الانتداب
كانت واقعية محمد كرد علي السياسية تصل إلى البحث عن مصالح مدينة دمشق فقط، فهو غير منشغل بالأحداث السياسية الكبرى، وهو يغضب من توظيف الوالي رضا باشا الركابي بعض الفلسطينيين أو اللبنانيين في بعض الأعمال، وهو يجمع نخبة من شباب دمشق لمقابلة المندوب السامي الفرنسي الجنرال غوابيه.
إن صراحة محمد كرد علي في مذكراته توضح سذاجته السياسية أو كيف ينظر للأمور في تلك الفترة بصراحة دون مواربة، فهو يقول مثلاً إن من يعادي إنما يعادي لسبب، وإنه لم يجد سبباً لمعاداة سلطات الانتداب. شعر أنه لم يلق من الفرنسيين إلا كل رعاية، وساعدوه في المجمع العلمي ودار الكتب والمتحف. إن محمد كرد علي ينطلق في تقييمه للأحداث من واقع فردي، فهو ينتمي ككل أعضاء الحكومات التي تشكلت في هذه الفترة إلى جماعة الانتدابيين، الذين لا يرون حرجاً في التعامل مع الفرنسيين. ولا يستغرب المرء أن تكون كل وزارة لا تضم بين عناصرها محمد كرد علي محل نقد جارح من جهته.
تفكير محمد كرد علي السياسي
نلاحظ أن محمد كرد علي لم يكن من المعارضين لحكم العثمانيين ولا من المؤيدين، لقد كان يتجنب الخوض في السياسة العثمانية، ولعله حاول أن يفسر ذلك في مذكراته بقوله "إن العاقل يلزم السكون عند تبدل الدول". يفسر الكاتب محمد الناصر النفزاوي حيادية كرد علي السياسية بأنها تعود إلى أن الرؤى الفكرية والسياسية المتضاربة في هذه الفترة. وهي فترة شبيهة بفترة المخاض، وهي فترة نزاع بين العثمانية والإسلامية والوطنية، وفترة إرهاب وشك وتعدد رؤى قومية ووطنية لم تبلغ مستوى الوضوح إلا فيما بعد.
في هذه الفترة انتشرت الجمعيات السرية والمنظمات وتم إحياء العديد من الأفكار. في فترات النزاع لا تتمكن العقول الميالة إلى الشك، ومنها عقل محمد كرد علي، من الاستقرار على ولاء راسخ. وعزز ذلك ضعف وجود البدائل في الساحة السياسية. ولعل هذا ما يفسر وصفه لنفسه بأنه "حيادي غير حزبي".
هناك سبب ذاتي يورده محمد الناصر النفزاوي ويعتمد فيه على مذكرات محمد كرد علي، وهذا السبب أن محمد كرد علي كان يسيء الظن بالساسة والعمل الحزبي. يقول في مذكراته "كنت أسير على ما يوحيه إلي عقلي عندما يقترح علي الانضمام إلى أناس لا أعرف سيرتهم للمشاركة في مسائل ظاهرها نافع ووطني، وذلك لأني بلوت الأحزاب وعرفت أغراضها، وأدركت مرمى الجمعيات. ومن فضل الله أنني كنت أقل رفاقي تهوساً بالحزبية وتهوراً في الإقدام عليها. واجتهادي هذا وفر علي أوقاتي ومالي". ونلاحظ ميل محمد كرد علي للتقليل المستمر من دور العامل السياسي الشعبي أو المقاومة في إحداث  أثر، فضلاً عن  تمجيد النمط الإنجليزي في التغيير البطيء، والخوف من الثورات والتحولات السريعة في المجتمع.
وهو في هذا على النقيض من شخصيات مثل شكيب أرسلان ورشيد رضا، فرشيد رضا حاول الاستفادة من الشريف حسين سياسياً، لكن محمد كرد علي رأى أن ما تمتد إليه يد الناس من صرة الشريف حسين هو ذهب الإنجليز لا ذهب الشريف حسين، وعلى الرغم من أن شكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا حاولا إقامة علاقات مع حكومة نجد والحجاز لتوظيفها سياسياً، فإن محمد كرد علي كان يرفض إدخال الدين في السياسة في موقف متشدد من الوهابية ونقد حاد لحكومة نجد. ثم نجده ينقد في كتاباته جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في بدايتها في تلك الفترة.
روح العصر تترك أثرها في أفكار المثقفين وحياتهم، ولا يليق بمن يقرأ التاريخ أن يقيم المحاكمات وأن يلبس المواقف التاريخية ثوباً أخلاقياً، ويكون كالقاضي الذي تعرض عليه ملفات الأنام ويحكم فيها بمفاهيم الوطنية أو الخيانة، فكل مثقف قد تحدوه الشجاعة أو تخونه في بعض الأحيان، والذي يلفت النظر في محمد كرد علي صراحته في تفسير مواقفة. وهو نموذج من نماذج عديدة في تعامل المثقفين مع السلطة مقاومةً أو مهادنةً. ولافت للنظر أنه لا يمل من الدعوة إلى التبرؤ من كل التزام سياسي، وإلى التمسك بالحياد، ومع ذلك فقد كان بعيداً كل البعد عما كان يدعو إليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق