السبت، 27 أكتوبر 2018

غصن مطعم بشجرة غريبة



جذبتني غرابة العنوان وترشيح صديق أثق في ذائقته الأدبية، قرأت الكتاب وشدتني كثافته، طوى فيه الكاتب العراقي المغترب في لندن مائتي صفحة من التجارب الحقيقية  والصادقة.
ولد صلاح نيازي في مدينة الناصرة عام 1945، حاز على ليسانس الآداب في جامعة بغداد على يد أساتذة متميزين مثل نازك الملائكة، وعبد الواحد لؤلؤة، وعلي جواد الطاهر.
يصف في سيرته بلغة شاعرية مدينة الناصرة التي قضى فيها طفولته، ثم يأخذ القارىء ليعرفه على بغداد ويصف لنا أجواء الجامعة، ولحظة ميلاد الشعر لديه وإلقاءه قصيدة على الطلاب بعنوان "العانس"، يلخص رحلته مع الشعر في مرحلة الجامعة بأنه وجد في أحمد شوقي عزاء بسبب نَفَس الأبوّة لدى أحمد شوقي، فمعه شعر بالأمان، أما ناظم حكمت الشاعر التركي فقد قربه من كل ما هو يومي، وموضوعات إيليا أبو ماضي كان لها تأثير مفعول شيء طارىء جميل.
يصف لقاءه مع زوجته الروائية سميرة المانع: "تعرفت في الكلية على زوجتي سميرة المانع فتكهربت حواسي كلها، هي قصيدة فريدة لم أقرأ مثلها جرسا وعمقا، نظرة حمامية وثياب مترعة بالسواد، مترفة بالعواطف، أثمن ما يمكن أن يحلم به غواص. من أين جاءتني ضربة الحظ هذه؟" ثم يتحدث عن أخيها الكاتب نجيب المانع - صاحب السيرة الذاتية بعنوان "ذكريات عمر أكلته الحروف"-  "حين يتحدث نجيب يغمر المقابل بطوفان، فإذا استطاب فكرة، يصغي كأنه لا يعرف شيئا، يصغي إصغاء جاهل فضولي".
يحب كاتبنا حماسة أبي تمام ويتذكرها بحنين، لأن هذا الكتاب أنقذه يوما ما، فعندما حاول أحد الجنود اعتقاله، وجد هذا الكتاب في الحقيبة، حسبه قرآنا وقال لن ألمسه فأنا نجس، وتركه يرحل.
بعد انتهاء الجامعة سيحدث انقلاب عام 1958 وينتهي النظام الملكي في العراق، سيفرح الناس فترة ثم تتشنج الثورة وتنتفخ أوداجها، ويقتل أخوه عام 1961، وبعد حركة 1963 التي أنهت حكم عبد الكريم قاسم، زاد القلق السياسي وزاد القمع السياسي العراق، مما جعله يتساءل عن توحش هؤلاء البشر أحقا أنهم من صنع الله.
 أخبره صديقه حسين مردان أن وزير الإعلام قال له "لا نمنع شاعرا من السفر، ولا نقتل شاعراً، دم لوركا عبرة لنا"، بهذه العبارة اتضح له أن الهروب بجلده من العراق أقصى ما يمكن أن يطمح إليه.
يقرر الهروب بلا لغة أجنبية ولا مال ولا حتى خطة، فقط أمنيته الوحيدة في الوصول إلى لندن، أراد أن يختار موته كما اختار السهروردي موته، كان أشق شيء عليه أن يشفي قاتلُه غليله منه، أو أن يموت تحت أقدام سجانه مهاناً مذلاً، ولكن قبل الوصول.....
يقف قلبه عندما يمنع من السفر على الحدود، ويتصل بقريب له يعمل في الجيش، ليخرجه من هذه الورطة، لكنه نجا، ووصل القطار إلى حلب تحول إلى: "كائن بمئات الحواس، أريد أن أرى، أريد أن أسمع، أريد أن أحلق، ولكني تسمرت بباب القطار خشية أن تضيع حقيبتي، كم تشوقت لتطأ قدمي أرض حلب، أن أشرب ماءها، أن أشم وردها، أن ألمس نباتها، لكنني خفت أن يتركني القطار ويرحل".
وبعد رحلة صعبة عبر خلالها من العراق إلى سوريا ثم تركيا ثم ألمانيا وصولاً إلى لندن، شعر أن هذه أوروبا قبر له، وشعر بلذة الانتصار بهروبه من قبضة الاستبداد، أحب صوت القطار لأنه يخب بقوة إلى الأمام ويدخل في أنفاق ويبعده عن السجن والاعتقال، هدير القطار أصبح أجمل من تهويدة أم حانية.
عنوان رواية جورج أورويل "متشردا في باريس ولندن" يصلح أن يكون عنواناً لحياة هذا الشاب في لندن، نجا من خطر الاعتقال لكنه وقع في سجن الجوع والفقر، في مدينة غريبة تكسوها الثلوج، ووجد نفسه غريب اليد والوجه واللسان، مع لغة لا يعرفها، وبشر ذوي بشرة شقراء وعيون زرقاء.
في حالة شعورية قاتمة، تلح عليه فكرتان كانتا بمثابة النجاة له من الغربة الشديدة، الفكرة الأولى أن يرى نفسه ناجيا، لقد ولد من جديد، أعانته هذه الفكرة على أن يبدأ حياة جديدة، وكانت الفكرة الثانية اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، هل كان يخطر ببال هذا المغترب الذي أخذ يفك شفرات تلك اللغة أن يترجم إلى العربية رواية "يولسيس" لجيمس جويس وهي أحد كلاسكيات الأدب الغربي المشهورة بصعوبتها، هل كان يخطر بباله أنه سيتقن إلأنجليزية ليترجم مكبث شكسبير ويستدرك على جبرا وعبد القادر القط ما قال إنها أخطاؤهم في الترجمة.
يجد عملًا مع مستشرق يساعده في فهم وتقريب معاني أبيات اللغة العربية، لكنه عندما يقابل هذا المستشرق يكتشف صعوبة أسئلته ودقتها فهو يريد منه أن يفرق له بين معنى كل كلمة، طلب من المستشرق  أن يسلمه الأبيات التي يجب أن يقرأها معه في كل لقاء، وذهب يراجع حصيلته اللغوية بكل تواضع، ويراجع فهمه للغة العربية، يصحبنا في رحلة ممتعة  وهو يقرأ مع هذا المستشرق بيت  دعبل الخراعي
كانتْ خُزَاعَةُ مِلْءَ الأرضِ ما اتَّسَعَتْ       فقَصَّ مَرُّ اللَّياليِ مِنْ حَواشيِها
في الكتاب تشريح للشخصية العراقية، كيف عانى من التخلص من الاعتداد  بالنفس والأنا، وفي الكتاب تأملات عن حياة المتقاعدين في لندن الذي سكن عندهم، وهو تحليل لاقتصاد الرفاه الاجتماعي في لندن والغرب.
يحدثنا عن لقائه بالطيب صالح وكيف كان نيازي يرى الطيب صالح يروي أبيات المتنبي في كل مكان، وكيف يستطيع أن يروي قصيدة إنجليزية كاملة من محفوظاته، علاقته بالطيب الصالح عرفته على محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان السابق، وفي بيته يجتمع المعارضون والحكوميون والمؤلفون والشعراء، ويبدأ محجوب القراءة عليهم من ديوانه، ثم يمرر الديوان للجالسين، ولكن ما أن يصل الدور إلى الطيب صالح حتي ينتهي  محجوب وديوانه، تعود الطيب قبل أن يبدأ أن يتلو أبياتاً للمتنبي، فالحاضرون على رؤوسهم الطير، يضع محجوب ديوانه على الرف، ويسود جو من الابتهال بعينه، يرددون جميعا وبالتناوب شعر المتنبي ويثملون من النغم، تعرف نيازي من هذه الجلسة على إيقاعات مسحورة في شعر المتنبي لم يفطن لها من قبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق