الكستناء الهندية تساعد على الشفاء من البواسير، وحجر اليشب الأحمر وهو أحد أنواع
الأحجار الكريمة يساعد في إيقاف نزف الدم، والطماطم تزيد نسبة الدم في الجسم، هذه وصفات
طبيبة قبل القرن الثامن عشر، وقبل الطب الأوروبي الحديث!
ليس هذا فحسب بل أن الطب اقترن بالسحر والكنيسة والشعوذة والتنجيم، ولقد
خرج الطب قبل القرن الثامن عشر مهزوما وفاشلا في معالجة أوبئة خطيرة.
وتاريخ الطب القديم ينمحور حول نزيف وتطهير وحجامة، وإعطاء سوائل من كل
نبات، ومحاليل من كل ملح ومعدن، مع استخدام كل أنواع الحمية بما فيها الصوم
الكامل، مع أغرب الخيالات عن أسباب المرض!
طبيعة المرض قديماً
أرجعت الكتب الطبية القديمة أسباب انتشار الأوبئة لثلاثة أسباب: الأبخرة
العفنة، وهي الهواء الفاسد الذي يأتي من المواد المتعفنة أو
الأجسام المتحللة، وهناك الـمُمْرضات أو المعديات Contagions، وهي المواد التي تخرج من الشخص المصاب بالعدوى وتساعد على نشر
المرض للآخرين، والأمر الثالث هو تأثير الأفلاك والنجوم وحركة الكواكب على صحة
الناس ومسار الأحداث.
أما عن طبيعة المرض نفسه فهو نتيجة لعدم توازن أمزجة أو أخلاط الجسم Humors، فلدينا
الساخن والبارد والرطب والجاف، وكانت العناصر الأولى في هذا التوازن هي الدم
والبلغم والصفراء والسوداء، وكل فرد له توازن أخلاط يظهر في مزاجه، فقد يكون بلغمياً
أو صفراوياً أي عصبياً، أو سوداوياً أي مكتئباً. المرض هنا هو اضطراب في توازن
الأخلاط، وعلى الطبيب أن يوازن ذلك الخليط أو يصححه بالأعشاب والغذاء.
أصناف الأطباء قبل الطب الحديث
انقسم العاملون في الطب – هذا بخلاف المشعوذين والسحرة - إلى ثلاثة أقسام: "الحكماء"
وهم من يقرأون الكتب الكلاسيكية القديمة في الطب. وهذه الشريحة فرضت سعراً أعلى في
المداوة، وانحسر عملها في مداواة الحكام والأمراء والطبقة الارستقراطية، واحتقرت
الجراحين لأنهم لا يقرأون الكتب "المعتمدة".
وهناك" الجراحون" الذين كانت معارفهم الطبية مستقاة من ممارساتهم
العملية للجراحة والحجامة، وقد نظموا طائفة لهم، ولكن الحكماء نظروا لهم على أنهم
مجرد جزارين! حتى إن ابن سينا قال عن الجراحة إنها من الصناعات اليدوية، ولا تستحق
أن ترفع إلى مقام الطب.
هل لك أن تتخيل أن تكون معالجاً في قرية في العصر الحجري ولديك مريض لست
متأكداً تماماً من طبيعة إصابته، فهو يعاني من اضطرابات الصرع ولا تعرف تماماً ما
به! والحل هو القيام بثقب داخل رأسه، لربما سيساعد ذلك في علاجة! هؤلاء هم أجداد
الجراحين. وكما تقول كاثرين موهر فإن ثقب الجماجم كعلاج يعود إلى عشرة آلاف سنة.
تتبقى الفئة الثالثة التي تعتبر أجداد حلاقي القرية، وهم محتقرون من
الحكماء ومن الجراحين ويمارسون الطب الشعبي! وقد يتجولون من قرية إلى قرية، وهم
يقومون ليس بالمعالجة فقط بل بعروض فنية، فنحن في زمن ما قبل التخدير، وصراخ المريض
بسبب ألمه المبرح يشبه الحفلات العامة الصاخبة.
ولادة الطب السريري
كل هذا سينتهي وسيظهر طب حديث يقوم على التشخيص، ويعتبر أن سبب المرض خلل عضوي.
سنضع كتاب ابن سينا "القانون في الطب" على الرف، وننصرف عن جالينوس
وأبقراط، ولندخل القرن الثامن عشر وفي أيدينا مبضع، ولنفتح باب المشرحة! ذلك أن الطب
تحول إلى مهنة وأصبح له كلية ومستشفى ودولة ترعاه. ورغم أن أبقراط يلقب بأبو الطب
إلا أنه لم يشرح جثثاً آدمية، لأنه مثل جميع الفلاسفة الأغريق لم يجرؤ اعتقاداً
منه أن الروح تتضرر من ذلك. وكذلك نعلم أن أرسطو لم يمارس التشريح رغم أنه كتب في
التشريح المقارن، وفي الغالب اعتمد قدماء الإغريق على تشريح الحيوانات.
فوكو من المؤلفين الذين اهتموا بدراسة تاريخ تطور المؤسسة الطبية. فبرغم
انتماءه إلى عائلة من الأطباء، وعيشه بين أسرة كانت ترغب في تحوله إلى جراح يجيد
تشريح الأجساد، إلا أنه أصبح كاتباً ومؤرخاً مهتماً بتشريح الأفكار، فكتب عن تاريخ
العيادة والمستشفى في كتاب صدر عام 1963. وصدر الكتاب مترجماً عن المركز العربي
بعنوان "ولادة الطب السريري".
سفينة الحمقى
هناك قصة تتعلق بأن الدولة في العصور الوسطى عندما لم تستطع التعامل مع
المجانين وأصحاب الأمراض العقلية جعلت لهم سفينة المجانين: فالدولة لم تستطع التكيف
مع المصابين بالأمراض العقلية ومصابي الجذام وغيرها من الأمراض، وكانت تضعهم في
سفينة وتجعل أحد المرضى يبحر بالسفينة لخارج المدينة، كنوع من الطرد خارج حياة
الناس، ورمزية القصة أن المرض يبقى خارج المدينة.
والآن، تقرر الدولة أنها لن تطرد المرضى. ستبني لهم مبنى اسمه مستشفى، ومصحة
عقلية، وستجعلهم داخل المدينة. وسبب ذلك النمو الاقتصادي وتزايد الإنتاجية
والموارد، فضلا عن زيادة عدد السكان، وتطور المعارف المتعلقة بالحياة بصفة عامة، بصاف
إلى ذلك تحسن التقنيات الزراعية، مع قلة الأوبئة والأمراض الفتاكة. وهناك سبب
سياسي لتدخل مؤسسات الدولة في الصحة في القرن الثامن عشر وهو توسيع مدى نفوذها
وسيطرتها على المجتمع كما يرى فوكو.
فالدولة أصبحت أمك وأبوك. قبل هذا الوقت كان من يتعامل مع المريض هي أسرته،
فهي من يتحمل تكلفة علاجه، ثم ظهرت الدولة بشكلها الحديث وقررت التكفل بهم! ظهر
نقاش حول صلاحية وجود المستشفى داخل المجتمع، ودعا أصحاب هذا السؤال إلى ضرورة
استثمار الأموال التي ترصد لبناء المستشفيات إلى إعانة مباشرة للأسرة التي سيصبح
آنذاك من مهمتها مساعدة المريض على تجاوز مرضه، وهنا تكون الدولة قد قامت
بإجراءين، الأول هو مساعدة المريض على المرض، والثاني مساعدة أسرته على القضاء على
البؤس والفقر. غير أن هذا النقاش انتهى لصالح توجه آخر يرى منفعة في بقاء
المستشفيات، وهكذا تم إنشاء أول مستشفى مكون من عدة أقسام في مدينة بليموث عام
1756، وتم إنشاء أكاديمية للجراحة عام 1743. (هذا بالطبع في أوروبا فأما في العالم
الإسلامي فقد عرفت البيمارستانات، أي المستشفيات، قبل ذلك ببضع مئات من السنين).
وفي نفس السياق يعتقد ميشيل فوكو أن الدولة استعملت الطب في تحديث المجتمع.
فقد علمنت مجال الصحة بفصل الدين عن
الصحة، وبإقصاء الكنيسة عن تدبير المجال الصحي وعن التدخل في علمية العلاج. هكذا
استبعد الجانب الديني للطبيب فهو ليس ساحراً ولا قساً، وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى
تملك قدرات الأول ولا صفات الآخر، بل يمارس مهنته بشكل تقني.
وهكذا أدخلت الدولة أنفها في أمور صحة الناس، فقامت بالتفتيش على المدن صحياً،
وتنظيفها وإعادة تنظيمها لتكون أكثر صحية، كما وضعت الدولة مخططات لردم البرك
الآسنة، ونقل المقابر إلى أماكن تبعد بمسافات مأمونة عن المدن، وكذلك الاهتمام
بمخازن الطعام والحبوب والفواكه وتفتيشها خوفاً من العفن.
باختصار أصبحت الصحة للسكان هدفا للدولة، وكذلك تكفلت بمجانية العلاج
وإلزاميته، فالطبيب لا يجوز أن يطلب مقابلا من أولئك الذين يعالجهم، لأن مساعدة
المرضى ستكون خدمة يجب أن تتكفل بها الدولة كواحدة من مهامها الجديدة، وكذلك قامت بتقنين
الممارسة الطبية فكل فرد يمارس الطب دون اجتياز الامتحانات، أو التقدم للجان
المختصة سيعاقب بغرامة أو بالسجن في حال تكرار الذنب، وسيتم تسجيل أول حالة تطعيم
عام 1796، وقد تحمس لها نابليون، وتم تطعيم العديد من جنوده.
القرن الثامن عشر: قرن المجد للطب
تغير في القرن الثامن عشر نمط الطب من طب أبقراط الذي اعتمدته العصور
الوسطى إلى طب المستشفى، وبدأ الطبيب يفحص النبض ويعدّ النبضات. وعلى النقيض من
العصور الوسطى لم يعد النظر إلى البول يحتل منزلة أساسية في التشخيص. وعلى الرغم
من التقدم في الإجراءات إلا أن الطب سيحتاج وقتاً ليحصل على الثقة بين الناس. قال فولتير
عن طب عصره "إنهم يصفون أدوية لا يعرفون عنها إلا القليل، لعلاج أمراض لا
يعرفون عنها سوى الأقل، للإنسان العادي الذي لا يعرفون عنه شيئاً على
الأطلاق". وفي عام 1808 تمت ترجمة دراسة للطبيب ليوبولد أوينبرجر عن فحص
الصدر بالنقر بالأصابع، وبهذا أدخل حاسة السمع، في التشخيص، وفي عام 1819 ابتكر ثيوفيل
رينيه لانك السماعة الطبية (خجل من وضع أذنه على صدر امرأة شابة فكان لنا هذا
الاختراع، واستوحاه لانك من مشاهدته الأطفال يلعبون في الحدائق ويتهامسون عبر
الأنابيب).
تطور المستشفيات
ظلت مستشفيات القرن الثامن عشر تعاني من مشاكل، ففي تحقيق أجراه "تينون"
(1724- 1816)، في فرنسا وصف الخراب الهائل للمستشفيات، حيث يختلط العجزة وصغار
المجرمين والمومسات والمتسولون والمشردون بالمرضى وضحايا السرطان والمختلين عقليا.
شكلت المستشفيات ملجأ وسجناً وملاذاً، وعرضياً مكاناً للعلاج، أما المستشفيات
الحقيقية بالمعنى المعاصر حيث أجنحة التخصصات المختلفة فقد تأخرت حتى القرن التاسع
عشر حين حدثت إصلاحات عديدة مثل ربط أساتذة العيادات والمستشفيات بالبلديات، فبهذا
تحسنت الحالة المادية للأطباء، فضلا عن ربط حصول الطلاب على منح في دراسة الطب
بتواجدهم في صالات التشريح وقاعات المرضى، وبهذا لم تعد المستشفيات ملجأ للبؤساء
بل أصبحت مكاناً للتدريب، وتحسنت العلوم الطبيبة.
الجيوش والطب
ويرجع الفضل في بعض التطورات الطبية للجيوش بسبب الخبرة المكتسبة من القتال.
الجراح دومينيك لاري (1762-1842)، الذي شارك في حملة نابليون على مصر،
وواجه مناخاً صحراوياً، فكر كثيراً في كيفية تأمين رفع الجرحى من ميادين القتال،
ونقلهم إلى مكان العلاج، فقام باستخدام الجمال في مصر، وأوصى باستخدام البغال في جبال
الألب، والزلاجات في روسيا، وأصبح لاري أول منظر لاستخدام الإسعاف في وقت الحروب.
عمر المشتشفيات – بمفهومها الأوروبي الحديث - ثلاثة قرون تقريبا، وعلى
الرغم من المشاكل التي تعتري المستشفيات فهي باقية، لأنها تحمل ثلاث صفات تجعل
الاستغناء عنها أمراً مستحيلاً، ألا وهي: التشحيص المتطور، والرعاية السريعة للحالات
الطارئة، والعمليات الجراحية.
ويمثل الذهاب للمستشفى لإجراء مجموعة من الفحوصات ممارسة شائعة في العصر
الحديث، فالطب بصورته الحديثة يتجلى في بناء المستشفى، لكنه يخفي شيئاً آخر مهماً،
وهو المعمل أو المختبر، فلا طب حديثاً دون فحص يتم تحضيره في المعامل لا
المستشفيات.
الجسد والحداثة: لماذا الاهتمام بتاريخ الطب؟
زاد الاهتمام بدراسة تاريخ الطب لأنه يقدم زاوية مهمة من تفاصيل الحدث
التاريخي، فالمجتمعات تتعرض للتحديث، وأحد أوجه هذا التحديث صحة المواطنين أو قدرة
الدولة على مواجهة الأمراض والأوبئة.
ظهرت العديد من الدراسات العربية والمترجمة التي تهتم بهذه الزاوية مثل
كتاب "الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة" للدكتور
خالد فهمي الذي استعرض فيه الكاتب تطور
المؤسسات الطبية في مصر، وقد اهتم قبل ذلك في كتابه الآخر "كل رجال
الباشا: محمد علي وجيشة وبناء مصر الحديثة" برصد الحالة الصحية للجيش
المصري في عهد محمد علي. وهناك كتاب آخر بعنوان "أرواح في خطر: الصحة
العامة في مصر في القرن التاسع عشر" يرصد العديد من الأوبئة التي أصابت
مصر مثل الكوليرا والطاعون والجدري، ويبين كيفية تفاعل الدولة معها. وهذه الأبحاث
التي تنطلق من الأوبئة تمس الحالة الاجتماعية للمواطنين والدولة وتثري فهمنا
لتاريخ تلك الفترات.
وهناك دراسة ديفيد أرنولد بعنوان "الطب الإمبريالي والمجتمعات
المحلية" التي قدمت معالجة متنوعة للعلاقة بين المرض والاستعمار مثل
الجدري في الهند، ومرض النوم في الكونغو، والكوليرا في الفلبين، مع دراسة شيقة عن
مرض البلهارسيا في مصر، ومعالجة البريطانيين له خوفاً من انتقاله لجنودهم في الحرب
العالمية الأولى، إذ وصلت نسبة إصابة المواطنين المصريين إلى 47% من مجمل السكان.
وكان للكشوفات الجغرافية دور في تغيير خريطة انتشار الأمراض في العالم. وهناك
الدراسة التي قدمت تاريخاً للطاعون في أوربا وقد ترجمت بعنوان "الموت
الأسود" في سلسلة مميزة تصدر بعنوان الحياة اليومية عبر التاريخ.
تميل الدراسات التاريخية الآن لتضمين الحالة الصحية وتاريخ الأمراض في
الفترات التاريخية التي تدرسها، مثل الكتب التي تصدر عن الحرب العالمية الأولى
والثانية. وفي نفس السياق ترجم إلى العربية كتاب "الأوبئة والتاريخ: المرض
والقوة والإمبريالية" لشلدون واتس الذي يعالج علاقة الأوبئة بالاستعمار.
ومؤخراً صدر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" كتاب
"الطاعون في العصر الأموي" الذي يدرس أثر الطاعون في الأوضاع
الديموغرافية في ذلك العصر، وانعكاساتها على النظم والأوضاع الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية في بلدان الدولة الأموية وأقاليمها.
مراجع
· تاريخ الطب، جان
شال سورنيا، مؤسسة عالم المعرفة، الكويت.
· الطب مقدمة
موجزة، دار كلمات، مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق