"أنا الآن أهم رجل في الدولة العثمانية
كلها... فقد أعدت المدينتين المقدستين (مكة والمدينة)، وأرسلت جيوشي المنتصرة إلى مناطق
لم تعرف من قبل سلطة السلطان الأعظم، وسأنتزع باشويتيْ دمشق وعكا، وسوف أكون جيشاً
عظيما،ولن أتوقف إلا عند دجلة والفرات" محمد علي في حديث صريح مع أحد مستشاريه
الفرنسيين.
عندما تطالع كتاب "كل رجال الباشا:
محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة" تتخيل وكأن المؤرخ خالد فهمي ينقض غزْل
مدرسة التاريخ القومي المصري الذي نسجه المؤرخون التقليديون. فهو يفكك أسطورة تلو أسطورة
عن محمد علي باشامؤسس مصر الحديثة، وعن جيشه الذي استحدثه، ويقدم تاريخ الجيش لكن،
بنموذج مختلف يرى فيه التاريخ من أسفل، بحيث يركز على حياة الجندي العادي وليس على
القادة.
يقدم الكاتب حياة الجنود بأسلوب شائق من
بداية تجنيدهم وما يعانونه من تفاصيل الحياة اليومية في معسكرات الجيش، وكيف كان يجري
إطعام الجنود والعناية الصحية بأبدانهم. وينقل تجربةإصابة الجيش بمرض الزهري وكيف عالجت
الدولة هذه المشكلة.
سأركز على معالجة خالد فهمي لشخصية محمد
علي وحملة ابنة إلى سورية (1830- 1840)، لكنني سأستعرض قبلها ما يمكن أن نسميه الرواية
الرسمية في كثير من الكتابات التاريخية التقليدية عن محمد علي وجيشه.
الرواية الرسمية
ثمة نمط من الكتابة التاريخية التقليدية
عن تلك الفترة، مصر تبدو فيه كفاعل تاريخي متجانس له صوت واحد متحد متواصل على مدى
التاريخ. تتوصل مصر إلى إدراك ذاتها في شخص الباشا "العظيم" محمد علي، وما
قبل محمد علي غائم ورمادي وغير مهم. ويتم اختصار ثلاثة قرون من الحكم العثماني (1517-
1805) بأنها عصور ظلام لم يقدم فيها العثمانيون شيئاً للبلاد. وكي تخرج مصر من فترة
البؤس يظهر المخلص محمد علي. ولا تتوقف الأدبيات إلا عند وصفه بالعبقرية. ساعد على
رواج هذه المقولة أحفاده من الأسرة العلوية، وكتابات الأدباء والمؤرخين.
النقطة الثانية التي تعتمدها الكتابات التقليدية
هي دور محمد علي في تجنيد الفلاحين ليصبحوا جنوداً لأول جيش نظامي في مصر، وأن هذا
الجيش كان يسير في خط صاعد ومستمر من التقدم. ففي عام 1833 أصبح محمد علي بالفعل من
أهم ولاة الدولة العثمانية، تضارع قوته قوة السلطان العثماني، وبعد أن ثبت أقدامه بقوة
في مصر مد سيطرته إلى سورية والحجاز والسودان وكريت ومعظم أراضي اليمن وشرقي الجزيرة
العربية. وتستخدم تلك الدراسات الترتيب الزمني لحملاته، فهو يوجه حملة إثر أخرى، في
البداية حملته المبكرة ضد الوهابيين في الحجاز (1811- 1818)، ثم إلى السودان (1820-
1822)، ومن هناك إلى المورة (1824- 1827)، لتصل إلى الذروة في مواجهة السلطان العثماني
في حملة جيش محمد علي على سوريا (1831 -1840).
نلاحظ هنا في هذه الرواية أنها تعرض حملات
الباشا عسكريا في تتابع متماسك، وتظهره كأنه يستقل عن الدولة العثمانية في كل خطوة.
يظهر محمد علي في قلب الأحداث بطلاً يسبق عصره. لم يفهمه شعبه، وخانه حلفاؤه.
نقد الرواية الرسمية
يحاول خالد فهمي أن يتتبع تاريخ نشوء عبارة
أن محمد علي "مؤسس مصر الحديثة" والتي يعتبرها مقولة تاريخية نشأت في سياق
معين له ظروفه التي يمكن البحث عن أسبابها. وقد ظهرت بكثرة بين عامي 1902 و 1905 عندما
حلت الذكرى المئوية لتولي محمد علي الحكم. ويلفت النظر إلى عدم دقة اختصار فترة الحكم
العثماني بأنها كانت فترة ظلام واستبداد فقط، معتمدا في ذلك على العديد من الدراسات
التي قدمت تاريخاً مغايراً لفترة الحكم العثماني لمصر.[1]
ثم يحاول أن يرد على فكرة أن قوام جيش محمد
علي كان من الفلاحين، الأمر الذي أتاح لهم الشعور بهويتهم المصرية، بأن هذا غير دقيق
بسبب تهرب الكثير من الخدمة النظامية للجيش، وأنهم حاولوا ابتكار طرق للمقاومة أحيانا
بالعاهات البدنية أو الثورة والمقاومة كما في ثورات الصعيد. ويؤكد أن الجيش الذي تمت
صناعته لم يكن وطنيا خالصا، بل فيه الفوارق الطبقية بين الفلاحين المصريين والضباط
الأتراك، وسيتجلى ذلك لاحقاً في اعتراضات أحمد عرابي وانتفاضته ضد الخديوي توفيق.
أما بسبيل فهم توسعه العسكري في سورية فيحاول
خالد فهمي أن يستعرض ظرف كل حملة بمفردها. فحملة محمد علي في الحجاز إنما أراد بها
الاستجابة لأمر السلطان لإخماد الثورة الوهابية، وكذلك التخلص من قوات الألبان والمماليك
المضطربة في جيشه، فضلاً عن الأمل في الحصول على سورية كمكأفاة من السلطان نظير القضاء
على الوهابيين. أما حملة السودان فكان الدافع لها الحصول على مناجم الذهب الغنية في
جبل سنار، وكذلك الحصول على الجنود من السودان، أما الحملة إلى اليونان فقد كانت استجابة
لأمر السلطان أيضاً، مثل حملة الحجاز.
وبالنسبة لأهم حروب محمد علي باشا في سورية،
فقد رأى المؤرخون أن لها عدة أسباب مترابطة، فمن جهة شعر محمد علي أنه يستحق مكأفاة
من الباب العالي نظير جهوده في خدمة السلطان في إخماد التمرد الوهابي وإخماد الانتفاضة
في اليونان، وقد طلب بالفعل بعد حرب المورة أن يمنح باشويات سورية الأربع من السلطان
كمكأفاة، لكن خسرو باشا عدو محمد علي اللدود أقنع السلطان برفض هذا الطلب.
وهناك أسباب أخرى لهذه الحملة مثل رغبة
محمد علي في إقامة منطقة عازلة بين أراضيه في مصر وأملاك الدولة العثمانية في الأناضول،
وهناك ذرائع كثيرة مثل خلافه مع عبد الله باشا والي عكا الذي اتهمه محمد علي بإيواء
حوالي ستة آلاف فلاح مصري هربوا من الضرائب.
يؤكد كاتبنا أن مشروع محمد علي التوسعي
لم يكن مشروعا وطنيا خالصا بل كان مشروعا شخصياً لا قومياً. بل يزيد فينقد وجود
كيان أزلي مصري مستمر في التاريخ يقوم بأدواره التاريخية بمعزل عن سياقه التاريخي،
ثم يشير إلى كون مصر لم تكن ولاية مستقلة لها توسعات، بل ولاية عثمانية تدار من مركز
الإمبراطورية. لها مساحات من الحرية لكنها تدور في فلك الدولة العثمانية، وأحيانا
تتمرد كما فعل محمد علي لأطماعه الشخصية.
يريد خالد فهمي فهم توسعات محمد علي باعتبارها
توسعات وال عثماني كان يتلقى من السلطان في اسطنبول فرماناً سنوياً بتوليه منصبة،
ومن طموحاته منافسة السلطان وبناء بيت ونسل ملكي، مثل بيت العظم أو بيت الأمراء
الشهابيين أو بيت الجزار في الشام وجبل لبنان وداود باشا في بغداد. لكن الفارق أنه
نجح فيما فشل فيه الآخرون، لأنه كان يمتلك المهارات الشخصية فضلا عن استخدامه
الموارد المتاحة له في عصره ومصره.
لقد سلم معظم المؤرخين المصريين بلا تبصر
بأن محمد علي كان يحارب من أجل الاستقلال. انطلقوا من حاجة مصر للتخلص من النير العثماني،
فأنكروا هذا الحق بالنسبة إلى الولايات الأخرى التي يفترض أنها كانت تعاني أيضاً من
السيادة العثمانية. ويعتبر التساؤل عما إذا كانت حروب محمد علي حروباً أسرية من أجل
التوسع الإمبريالي، أم لغايات مثل الاستقلال عن العثمانيين تساؤلاً مركزياً لفهم
مجمل سيرة محمد علي.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح: لماذا
وافق محمد علي أن يحارب مع السلطان ضد الوهابيين واليونايين، ثم انقلب عليه في
سورية 1831؟ والإجابة أن جيش محمد علي (الجديد) أصبح بكامل طاقته في ذلك الوقت،
فقد تخلص من المماليك والألبان، وبنى جيشاً من الفلاحين، ولم تكن مالية الولاية المصرية
تتحمل تمويل حملة بمثل هذا الحجم من قبل. وهناك الحاجة الملحة للأخشاب لبناء أسطول
ضخم،ووجود خزان بشري من المقاتلين في تلك المناطق. وفي الكتاب تفاصيل عن حملة محمد
علي على سورية باعتبارها التجلي الأهم لشخصية محمد علي وخلافه مع السلطان الذي
انتهى بصلح كوتاهية.
المنهج التاريخي ومنطق القصة
قدم خالد فهمي عملاً تاريخياً مميزاً اعتمد
فيه على أدوات غير تقليدية في الكتابة التاريخية، مثل استخدامه لأفكار ميشيل فوكو في
الضبط والعقاب لدراسة انضباطية الجيش والتعاليم العسكرية للجنود، واستخدامه لأفكار
بندكت أندرست عن القوميات وكيف تنشأ الجماعات المتخيلة، واستخدامه تجربة مدرسة التابع
في الهند لكتابة تاريخ بديل والتركيز على تاريخ الجنود بدلاً من القادة، وكذلك تجارب
مدرسة ما بعد الاستعمار وما أنتجته من نقد لهذه الفترة، وهذا شيء غير معتاد في الكتابات
التاريخية السابقة.
والنقطة الأهم هي أنه برغم الحمولة النظرية
التي تتجلى في بدايات الكتاب، إلا أنه سرعان ما يقرأه القارىء بمتعة وشغف، ذلك أن الكتاب
لم يفقد روح التاريخ بوصفه قصة تروى، وحتى لو كانت القصة هذه المرة تاريخ عساكر وجنود
وليس قادة كما فعل فستظل ممتعة بل أكثر امتاعا من قصة القادة. هذا النمط من الكتابة
مهم لأن الدراسات - مهما قدمت من أطر تفسيرية – تظل مفتقرة إلى القصة، فللقصة مذاق
خاص لأنها تجعل من التاريخ تاريخ أشخاص وليس تاريخ أفكار فقط.
[1]مثل دراسة بيتر جران عن "الجذور الإسلامية للرأسمالية"،
ودراسة المؤرخة نيللي حنا "تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبي
طاقية شهبندر التجار"، ودراسة كينيث كونو بعنوان "فلاحو الباشا"
والتي تعرض لأشكالياتها في الكتاب بتبصر وملاحظات جيدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق