الجمعة، 13 مارس 2015

ليحفظ الرب نابلس

"ولا نرى أن نسهب في بيان المصاعب التي قاسيناها في تذليل موضوعات الكتاب واصطلاحاته العلمية الكثيرة وإعادة المئات من أسماء الأعلام المحرفة، فكنا نقضي عدة ساعات كي نعثر على الأصل العربي للاسم الواحد“.
عادل زعيتر*
ليحفظ الرب نابلس، التي ولد بها عادل زعيتر، هكذا رددت هذا الدعاء بعد قراءة العديد من ترجمات عادل زعيتر، والتي تجعل من قراءة ترجماته متعة عقلية وأدبية في آن معًا، مع أمانة النقل ونصاعة التعبير العربي.
ولد عادل زعيتر  في مدينة نابلس، عام 1897، درس الحقوق في فرنسا، وكان عضوًا في مجمعي اللغة العربية بدمشق وبغداد، عمل بالمحاماة وعكف على الترجمة منذ عام 1946.
عكف عادل زعيتر على ترجمة العديد من الكتب التي ذاع صيتها في القرن الثامن عشر، فقد ترجم لروسو كتابه “العقد الاجتماعي” و”إميل (في التربية)”و”أصل التفاوت بين الناس”، وترجم لمونتسكيو كتابه الرئيس “روح الشرائع”، وترجم لفولتير “رسائله الفلسفية” وروايته “كنديد” (التفاؤل).
والسؤال هنا: هل ما زالت هذه الكتب تستحق الرجوع إليها واهتمام القارئ المعاصر؟
روح الأنوار
كانت اختيارات زعيتر للترجمة تنم عن ثقافة ومشروع معرفي، حاول فيه تذليل كتابات عصر الأنوار، إلى اللغة العربية، ومن ضمن تلك الكتب كتابا جاك روسو “أصل التفاوت بين الناس” فقد نشره روسو عام 1755، ويعتبر مدخلًا لكتابه “العقد الاجتماعي” وسابقًا عليه، وروسو أثار جدلًا بكتبه، وكتاب “العقد الاجتماعي” أصبح إنجيل الثورة الفرنسية بعد ثلاثين عامًا من تأليفه، ولروسو عقلية فذة، غير أن آراءه تُقْبلُ أو ترفضُ على حسب الميول العقلية للقارئ، ولكتب روسو قيمة الانتقال في عالم الفكر السياسي من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة حول الدولة.
أما عن رواية فولتير “كنديد” أو التفاؤل، فقد انتشرت الرواية بسرعة هائلة في زمنه، وأعيد طبعها باستمرار، وكان يسود عصر فولتير مبدأ التفاؤل القائل: “إن كل شيء هو أحسن ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم”، ومع حرب السنين السبع عام 1756، وعدة كوارث طبيعية مثل زلزال لشبونة عام 1755، حمل فولتير على مذهب التفاؤل  حملة لا هوادة فيها وقال كلمته.
وراهنية كتابات أفكار عصر الأنوار ما تزال سؤالًا يثير الجدل، فالقرن الثامن عشر هو قرن فولتير ومونتسكيو وروسو، ورغم النقاش الذي يخوضه المثقفون عن قيمة أنوار هذا العصر، والحديث عن الاستنارة المظلمة وجدل التنوير، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الترجمات التي وفرها لنا زعيتر، هو النفاذ إلى الذهنية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، وهي ذات أثر بالغ في تاريخ أوروبا الفكري وروحه ومقدمات ثورته الكبرى، أعنى بها الثورة الفرنسية، الفائدة واضحة بالنسبة لمن يؤرخ لتطور الأفكار وآليات تغلغلها في المجتمعات. مع كون هذه الترجمات فصلًا في التاريخ الثقافي العربي المعاصر في تعرفه على الأفكار الغربية.
ويجدر بنا الانتباه لملاحظة العروي التي ذيل بها ترجمته لكتاب “دين الفطرة” لروسو وكتاب مونتسكيو “تأملات في تاريخ الرومان” وأسبابه في إعادة ترجمة وقراءة مفكري القرن الثامن عشر، فهو يُخضع اختياره لنص روسو للترجمة لخطة نقدية، يشرحها بكون الفكر الغربي لم يقترب من تمثل الفكر الإسلامي إلا مرة واحدة، وذلك أواسط القرن الثامن عشر الميلادي، قبل ذلك التاريخ كان الحاجزُ المعتقد الديني وبعده كان المانع سد الاستعمار، أي قبل الثورة الفرنسية.
جوستاف لوبون
هكذا كان اهتمام مترجمنا عادل زعيتر بهذه الحقبة الزمنية الفارقة وبترجمة كتبها إلى العربية والتعريف بأعلامها. ونجده على صعيد آخر قد اهتم بكتابات جوستاف لوبون، الطبيب والمؤرخ الفرنسي الذى جاب الآفاق وسافر حول العالم، فكتب عن حضارة العرب وحضارة الهند، وروح الثورات، وروح السياسة، والآراء والمعتقدات والذي يناقش فيه الحديث عن المعتقدات. ويبدو إعجاب زعيتر بكتابات جوستاف، والتي قد يختلف مؤرخو الفكر في مدى قيمتها الفكرية الآن، فكتابه عن “حضارة الهند”، تنافسه الدراسات الحديثة والتي كتبها الآسيويون المحدثون عن الديانة الهندية، وتفاصيل المعتقدات الهندوسية والبوذية، مع الكشوف الأثرية الحديثة.
لكن سبب اهتمامه بهذا الكتاب هو خلو المكتبة العربية في ذلك الوقت من كتابات تغطي تاريخ الهند وحضارتها العريقة. ومترجمنا قضى  في سبيل ترجمة هذا الكتاب أوقاتًا شديدة، ولاقى مصاعب كثيرة يقدرها القارئ خصوصًا مع دقته في ضبط الأسماء الخاصة بالأعلام والمعتقدات بحصوله على كتب وجداول من الهند ليخرج الكتاب وفيه روح الأمانة في النقل.
ويبدو موقف لوبون المدافع عن حضارة المسلمين، قد لاقى مزاجًا طيبًا من زعيتر  وكان محفزًا لزعيتر  في عمله فحرص على نقل كتبه إلى العربية. واهتمام المثقفين العرب بجوستاف لوبون قديم؛ فقد ترجم أحمد فتحي زغلول باشا شقيق الزعيم سعد زغلول كتابات لوبون عام 1913، لكن زعيتر  وجد في هذه الترجمات ما يعتورها من أمانة النقل والدقة، فحرص على إعادة ترجمتها مرة أخرى.
حياة الأبطال
هل كان المزاج في وسط القرن الماضي، يقبل تضخيم مذهب دور البطل في التاريخ، ويجد في كتابات كارليل مذهبًا في تفسير لحظات التاريخ الفاصلة؟ أغلب الظن أن هناك مزاجًا علميًا روج لهذا المذهب، والذى قل بريقه بعد ذلك، بالاهتمام بمدرسة التاريخ من أسفل، وتاريخ المهمشين. وفي هذا الوقت كانت كتب التراجم تستولي على عقول المثقفين، فكتب العقاد العديد من الكتب في هذا الفن، وكان يحب هذا النمط من الكتابة، وترجم عادل زعيتر العديد من الكتب في هذا الموضوع، منها كتاب “نابليون” لإميل لودفيغ، وكتاب “كيلوباترا” وكتاب “بسمارك” للودفيغ أيضًا، حتى كتاب البحر المتوسط وكتاب “نهر النيل”، الذى كتبه إميل لودفيغ وكأنه يترجم لشخصية، فخرج الكتاب بطريقة مشوقة يحكى التاريخ الشخصي للنهر والبحر، وقضى لودفيغ ست سنوات يجمع مواد كتابه عن “نهر النيل”، وترجمة كتاب نهر النيل كانت هدية صغيرة بتعبير زعيتر لأبناء وادي النيل معبرًا لهم عن وده ومحبته لمصر، حيث يصفها بالبلد الكريم الذي أحبه كثيرًا.
حياة عادل زعيتر
في حياة شيخ المترجمين دروس منها أمانة النقل، والدقة، فقد أنفق ما كسبه من الترجمة وما حصل عليه من مال على نفقات السفر والقدوم إلى مصر ليراجع مسودات ترجماته، ليتأكد من دقة ما صفته المطبعة.
وفي سيرة الرجل تبتل للعلم وللمعرفة، فمهنة الترجمة مهنة جاحدة، تأكل من العمر ومن الجهد، في سبيل تذليل نص أعجمي غريب، لينطق بلسان الضاد، ولعله كان محقًا حينما كان يردد هذا البيت:
غَزَلْتُ لَهُمْ غَزْلًا رَقِيقًا فَلَم أَجِدْ لِغَزْلِي نَسّاجًا فَكَسّرتُ مِغْزَلِي
وتمتعت بترجمته لكتاب “الحياة والحب” لإميل لودفيغ، ففي الكتاب متعة عقلية ونفسية خالصة، فهو يكشف عن أفكار تتعلق بعظمة المعنى الذى كان يهتز له زعيتر، حينما ترجم للأبطال من التاريخ، وللسعادة والحب، وكلها معانٍ راقية تخاطب الوجدان الإنساني في أعلى ذراه.
توفي «عادل زعيتر» في عام ١٩٥٧مع اثنين وستين عامًا، مات زعيتر وقلمه ونظارته أمامه وهو يترجم الجزء الثاني من كتاب “مفكرو الإسلام”، والذي لم يبق من صفحاته لينهي ترجمة الكتاب غير أربع صفحات، لقد لفظ زعيتر أنفاسه وهو يعمل بإخلاص وأمانة، وما كتبه وديع فلسطين عنه يصلح لتأبين الرجل وتجديد ذكراه فيقول عنه: “كان عادل زعيتر جامعة وحدها، ومجمعًا وحده، ومثل عادل زعيتر ظاهرة لا تتكرر في كل قرن من الزمان.”
ولا أريد في نهاية المقال أن أزعج الرجل في قبره بنسبته إلى نابلس أو فلسطين التي كان يضيق بالنسبة إليهما، فكان يرى في هذا الانتساب تصغيرًا له من انتمائه العربي الأكبر، لوطن عربي أكبر من قرية صغيرة.
لقد غزل كل أمين مغزلًا لا ينقض بتقادم العهد وزعيتر في مقدمة هؤلاء، لأن عمله سقاه من روحه ومن فنه ومن حرصه على حيوية روح أمته، وأن تحيا فيها المعاني الكبرى التي دارت حولها ترجمات كتبه.
الهوامش
* من مقدمة ترجمته لكتاب “تاريخ العرب العام” لسيديو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق