"أحيانًا تعتريني حالات غير قابلة
للتحقيق. أتخيل نفسي على سبيل المثال، بوقاحة، أن لدي فرصة للتحدث مع (سفر
الجامعة) مؤلف المرثاة المؤثرة حول تفاهة كافة الأعمال الإنسانية. وأنحني أمامه
بخشوع، لكني بعد ذلك أمسكه من يده، “لا شيء جديد تحت الشمس” أنت قلتَ يا الجامعة.
ولكنكَ نفسك قد ولِدتَ جديدًا تحت الشمس. والقصيدة التي أنتَ مبدعُها هي أيضًا
جديدة تحت الشمس؛ لأن أحدًا لم يكتبها قبلك. وجميعُ قرائك هم جُددٌ تحت الشمس؛
لأنهم لم يستطيعوا أن يقرءوها قبلك. والسرو الذي جلستَ في ظله هو كذلك لا ينمو هنا
منذ بداية العالم. أعطاه البدايةَ سروٌ آخر، شبيهٌ بسَرْوك لكنه ليس هو تمامًا“.
-فيسوافاشيمبورسكا،
خطبة جائزة نوبل.
مع بداية العام
الهجري الجديد، جال في خاطري عدة أفكار، أولها ما تمثله البدايات الجديدة من
إلهام، وفرصة لالتقاط الأنفاس، في ظل سرعة حياتنا المعاصرة، وما تحمله البدايات من
رمزية للتفكير في معنى الزمان، وخطرت لي عبارة شيمبورسكا وهي تخاطب سفر الجامعة
وترد على دعوى: “لا جديد تحت الشمس”، وهي تذكره بأن هناك جديدًا ما دام هناك حياة،
ثم تذكرت كلمة الحطيئة: “لكل جديد لذة”، وبدأت بعدها أدون بعض الهوامش مع البداية.
يحكي سليمان
فياض عن لقائه مع سيد قطب، فلقد ألهم سيد قطب فياض من خلال مقالاته ومعاركه
الأدبية وقلمه السيال؛ فحرص فياض على زيارة قطب في منزله الفسيح بحي حلوان، بعد أن
بحث عن رقم هاتفه في دليل التليفون، فوصف له قطب البيت بدقة، وكأنه حريص على
اللقاء، في نهاية اللقاء يسأله: لماذا تحولت عن النقد الأدبي؟ فيبتسم سيد ويقول:
“الكاتب حين تكون له قضية، يكتب في النقد، وفي غير النقد، وغايته أن يبعث العافية
في أوصال الناس، الكاتب ليس ناقدًا فحسب”.
حدثني صديقي
أنه استوقف رجلاً مغتربًا عركته الحياة وسأله عن الهدف من الحياة؟ فاستشعر الرجل
منه الصدق في طلب النصيحة، فأجاب: “إما أن تعيش من أجل امرأة أو تعيش من أجل
قضية”، أعجبتني الإجابة.
وهكذا تبدو
الحياة في ظلال العمل أو الرسالة معينة للإنسان، مع فضيلة الإحسان، وما زلتُ أروض
لى نفسي هذا المعنى وأشعر معه بالتقصير، لكني تنبهت لهذه الفضيلة عندما سمعت حديث
النبي (ص): إن الله كتب الإحسان في كل شيء.
وفضيلة الإحسان
أو الإتقان من الفضائل العزيزة في البشر. في أحد المقاهي سرح صديقي وهو يتأمل
إتقان عامل المقهى عمله وانسجامه، ونبهني أن بساطة عمله لا تجعله يتهاون في القيام
به، وبعض هؤلاء البسطاء يمكن أن نطلق عليهم فرسان الحظ، أسيادًا، تُوضع الأمور وفق
خطة خفية معروفة لديهم فقط.
ويجدر بالإنسان
أن ينال قسطًا من ساعة الصفاء، فالأجهزة التكنولوجية من حولنا تمنعنا من
الإنصات للنفس، والاستماع لها، وحاجة الإنسان إلى طقوس تأمل تمنحه قوة على نفسه،
ويجد فيها فراغًا من الهموم المتتابعة، وينشغل فيها بترتيب بيته الداخلي، وأثاثه
العقلي، ودروب روحه، ليس عليه فيها إلا الصدق، والصدق فقط، يطبطب ويداوي بعض
الندوب، من تصرفات البشر وصروف الزمان، ويتصالح، ويستعين بالله ولا يعجز.
ولحظات التأمل
والصفاء تقيه من هشاشة قبول الذات القائمة على آراء الآخرين أو آفة المقارنة
البغيضة، وتقاوم نزعته المادية الاستهلاكية، وروح الأسواق التي تخلق دائمًا شهوات
جديدة لا تنتهي.
أما ما يرجوه
جميع الناس فهو السعادة، والتي تتمثل كمجموعة أوقات مباركة، ومن المهم الاحتفاظ
بأثر تلك اللحظات في حياة الإنسان، وتذكر تلك الأوقات يعيننا على السير في دروب
الحياة الوعرة، ومثل الذى ينساها كمثل المقامر الذي يبذر مما كسب في كل يوم، فمن يذكر
ذلك يجمع في نفسه ثراءه.
ولا أنسى
الساعة التي تسبق النوم، فقد وصفها الشدياق بأنها من أخطر مواضع الأفكار، وإنه
لتأتي لنا الفرصة لتمثل عملنا قبل النوم، لنجد جمًّا غفيرًا من الصورة السارة التي
تواترت على مدار اليوم، مع الحفاوة بتفاصيل الحياة الصغيرة، فهي بوابة للسرور،
يغفلها الناس. ومما يعين ذاكرتنا سريعة النسيان، هو تسجيل اليوميات، للاحتفاظ بسجل
لهذه الأوقات المباركة، لمراجعتها في ساعة الصفاء، واستعادة اليوميات، خصوصًا مع
شعور الإنسان بتقلب الحياة، وعدم الثبات وأنه عابر لها.
كل ما سبق
مرهون بالتمسك بالأمل، فهو طاقتنا للقيام بكل ما نتمناه، وما يجب أن نحذره هو
الآمال العريضة في حياة قصيرة، لذلك يكون تصارع قوى الإنسان بين الآمال العريضة،
وبين ضعف الإمكانات والظروف، وليس على الإنسان إلا القيام بما يستطيعه، ثم لا يحمل
الكثير من الآمال، فيصيبه شعور بخيبة الأمل في نهاية عمره، والإسلام يرى في الحياة
سعيًا، وطريقة حياة، لا نتائج يحاسب الناس عليها، وسمعة الأمل في خطر، مع لصوص
التنمية الذاتية، الذين يبيعون الوهم، ويبذرون بذرة تضخيم الذات في ضعيفي الموهبة،
فيعذبوهم بالأمل ثم بخيبتهم، فجريمة هذه التنمية أنها لم تراعِ الفروق البشرية،
وكبرت من حجم الأمنيات والأحلام، بالرغم أن المحك هو العمل. فطبيعة الإنسان قد
تحمل من القابلية للإبداع، لكن ذلك مرهون بالعمل والسعي لشحذ هذه الموهبة. وأحد
مخاطر الأحلام العريضة، أو الطموحات أن تنسينا ما بيدنا من عمل، أو تنسينا
الاحتفاء بقيمة كل يوم، وقديمًا قال المسيح أعطنا غذائنا كفافنا اليوم. اليوم
اليوم فقط، ليس خبز الأمس الجاف ولا خبز المستقبل الذي في علم الغيب.
أحد آفات سذاجة
خطاب التنمية البشرية، هو خوف الإنسان من أن يكتب عما يحفز الروح، أو يحرك الأرواح
الساكنة للعمل، والنهوض والإصلاح، لخوفه أن يحسب على خطاب التنمية البشرية
المتهافت، فيخاف أن يكتب عن السعادة والرضا أو مداواة النفوس، وهذا الأمر يشبه آفة
الخوف من الوعظ، رغم أنه سلوك بشري إصلاحي، يقوم على الإنشاء ويحرك المعاني
النبيلة في النفوس، لكنها ضريبة خطاب الوعظ تخيفنا أن ننضم لدعاة منفصلين في
سلوكهم عما ينادون به، فيكتفى الناس بالسكوت.
وأساتذة اليأس
يقفون لنا عقبة في الطريق، فالشخصيات السلبية تبدو أكثر حقيقة من الشخصيات
الإيجابية، ولحن العدمية المنتشر في بعض الترجمات، وفي تلك الحكمة البالية
لسيوران، أو العبارات الساخرة لكونديرا، لو كانت من مواطن أوروبي بلغت حضارته
مكانة بين الأمم لكان مقبولًا، لكننا ونحن أبناء أمة تحمل من أحمال التخلف، وديون
التأخر، وأمة وضعها هذا الوضع، لا يكون لأبنائها طاقة لكي يندبوا الحظ، ولا يشعرون
بلا معنى الحياة، فالحياة أن يتغير كل هذا الضباب الذي يغشي أعين الناس عن الحرية
والعدالة، وأن يعرف الناس أن الحرية أفضل من الحياة، وأن المجد لا ينال إلا بالبذل
والتضحية.
ولا أجد في
انتشار نبرة الشك، وانتشار المفارقات الساخرة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلا
عرضًا من أعراض انكسار الروح، التي منيت بها الروح الشابة في معركتها مع جذور
الاستبداد في عالمنا العربي، كأن السخرية تغطية على الجرح، والأمل بدون عمل محض
هراء، وندب الحظ ليس من نصيب أصحاب المبادرة، وقوة الإحباط أو تفوق الباطل لها أثر
عميق على تخيل البديل، والحل هو التجارب والثقافات المختلفة، بما في ذلك الذاكرة
الأدبية وتعدد صور الحياة والكون التي تعرضها العلوم علينا.
فهي كتب تصيب
بحالات التسمم الروحي، وأساتذة اليأس هؤلاء هم الذين يكررون الحديث عن الفراغ
القاتل، والملل، أو بلغة المثقف، شعورهم بالخواء الذي يعتصرهم، أو فقدان المعنى
والتشوش.
حياتنا
اختيارنا
كتب لودفيغ في
كتايه الممتع الحياة والحب: “السعادة ليست استمتاعًا أو امتناعًا، وإنما تقوم على
اختيار الفرد لأحسن ما يلائمه”. ونمو شعورنا بالسعادة والرضا، يقوم جزء كبير منه
على نظرتنا إلى رحيل الإنسان المحتوم. إننا سعداء بنقائصنا وضعفنا لا بفضائلنا كما
يقول جوته، لكننا سعداء بمحاولة التغلب على الضعف، بمقاومة الزيف، بالمعرفة
والتعلم والقراءة. ويعجبني تعريف هارولد بلوم للهدف من القراءة بأنها تطهير العقل
من اللغو، ولنوسعه قليلًا ولنقول إن هذا هو هدف المعرفة تطهير العقل من اللغو
والثرثرة.
وما أجمل حكمة
الفيلسوف اليوناني حينما أجاب الإسكندر عندما سأله عما يمكنه أن يصنعه له، فقال:
“نعم، ألا تحجب الشمس عني؟”.
العيش برسالة،
والإحسان في العمل، والتمتع بساعات صفاء مع النفس، والحرص على الأوقات المباركة
وتسجيلها، ومصاحبة الأمل والحفاوة بالبدايات، والهروب من أساتذة اليأس ومقاومة
دعاوهم، والاعتقاد بأن سعادتنا رهينة باختيارنا، وقبل كل هذا التسليم لله،
والإيمان بأن كل أوراق الحياة بيد الله، لا بيد البشر، فليس هناك أكثر طمأنينة من
قلب المتوكلين.
هذه بعض هوامش
بداية عامي الجديد، ودمتم بخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق