"قد لا تكون جنابك من
شعب الله الخاص فلا تفهم ما يُراد بالصلاة للمنقطعين، إنهم أولئك الذين ليس
لهم عقب يصلي لأجلهم ويقدس. أجل، لقد بَعُدَ العهد بيننا وبين تلك
الصلوات، ولكني فطنت في هذه الأيام إلى أن الصلاة “للمنقطعين” نفعتني
جدًّا، إن لم يكن في الدين ففي الأدب وكم للدين عند العلم والأدب من يد،
إني أميل جدًا إلى منقطعي الأدب وكثيرًا ما أفكر بهم”.
-مارون عبود، رواد النهضة العربية الحديثة.
ذكَّر الأستاذ عبد الله الهدلق في مقالة له بعنوان “ببيلوغرافيا إعادة الذاكرة” بالصلاة للمنقطعين، عند ذكر مارون عبود، وهذه سنّة حسنة، بإعادة التذكير بأصحاب الموهبة والأبداع، رغم قلة الأضواء.
منذ عدة سنوات حضرتُ في كلية الآداب مناقشة لرسالة ماجستير عن الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت، ما لفت نظري في الإعلان، وجود اسمين؛ الأول هو الدكتور محمد عناني، مترجم شكسبير وملتون وبايرون إلى العربية، والثاني الدكتور ماهر شفيق فريد مترجم إليوت. توقعت أنني لن أستطيع الحديث مع الأستاذين وسؤالهم لأن طلبة الدراسات العليا سيلتفون حولهم فور الانتهاء من المناقشة يستفسرون منهم على بعض المسائل في التخصص، لكني كنت ساذجًا، فلم أجد لمَّة ولا يحزنون، بل حفاوة من الأساتذة بالمناقشين وزهد من الطلاب، تناقشت مع الدكتور عناني، مما أتذكره من هذا النقاش إعجاب عناني بكتب صلاح عيسى المهتمة بالتاريخ الاجتماعي، وإعجابه بكتاب صلاح عيسى عن ريا وسكينة وأنه قرأه في يوم وليلة.
بداية تعرفي على ماهر شفيق فريد كانت مقدمة محمد عناني لترجمته لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد؛ إذ قال عنه: “ولابد أن أسجل بالعرفان شكري لصديق العمر، العلامة والناقد الكبير والأديب ماهر شفيق، الأستاذ في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، فهو حجة هذا الجيل في الدراسات الأدبية والنقدية… خصوصًا لتشجيعه لي على المُضيِّ في الترجمة وتحمُّل مشاق هذا النص العسير”.
يحكى عناني تفاصيل صداقتهما في سيرته الممتعة “حكايات في الواحات”، قمتُ بعد ذلك بمتابعة ما يكتب ماهر وما ترجمه، والرجل يتمتع بالعديد من الفضائل؛ منها فضيلة القراءة طويلة النفس، فهو قادر أن يشير إلى مصادر بالعربية لا يفطن لها باحث الإنترنت المتعجل، كمقالة منزوية في مجلة من الستينيات أو ترجمة لم يُعَد نشرها. وهو محب للقارئ المتذوق؛ ففي إحدى مقالاته يذكر مقاطع من رواية لصنع الله إبراهيم، ثم يذكر بعض ما اختاره بأرقام الصفحات دون اقتباس، ويقول لن أوردها هنا، حتى يعود إليها القارئ بنفسه.
صادفني خبر طريف عن دكتور مسيحي يستدرك آية من القرآن في إحدى الندوات العامة، ولم يكن هذا الدكتور إلا ماهر شفيق، فهو شديد الشغف باللغة العربية، ففي مقدمة كتابه “قراءات شتى” يحكى أنه شغوف باللغة العربية، فهو لا يكف عن مراجعة المعجمات ودوائر المعارف القديمة، فهو ابن مخلص للغة الضاد، عربيته تمتاح من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وما أعقبه، ومن لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف (هكذا كتب)، ومن آثار الكُتَّاب والمنشئين من فلاسفة وفقهاء في شتى عصور العربية، وحبه للعربية مصدره شعوره ببؤس الحياة الثقافية الحالية، فأدباء العربية المعاصرين ينتجون في أحسن الأحوال شيئًا ليس بجيد ولا رديء ولكنه بين بين.
يتابع كاتبنا ما يصدر في الدوريات البريطانية والأمريكية الأدبية منها على وجه الخصوص، ومشاهداته عن الحياة الثقافية في لندن مما رأى وسمع، وهو صاحب نَفَسٍ ببيلوغرافي، فهو الذي جمع أكبر ببيلوغرافيا إنجليزية عن نجيب محفوظ، وببيلوغرافيا طويلة عن إليوت، وببيلوغرافيا عن مجدي وهبة وتوماس هاردي في العربية و التفكيكية، ومقالته عن كتابات إبراهيم ناجي النثرية وبورخيس في الثقافة العربية، ولا يمكن أن نتجاهل جُمَلَه الاعتراضية الجميلة، والعبارات القصيرة التي يتوقف عندها؛ ففي مقالة عن وحيد النقاش ينقل عبارة وحيد عن أحد كتب يحيى حقي فيقول: “إنه كبعض المظاهر الطبيعية ظل يتكون ببطء على مر الزمن”.
أما عن المنقطعين الذين نسيهم الناس في دنيا الأدب، فلقد جمع مختارات لميخائيل نعيمة، ومي زيادة، ومحمد مصطفى بدوي، وفخري أبي السعود، ووحيد النقاش شقيق الناقد المعروف رجاء النقاش، وغالب هلسا، وسامي خشبة وغيرهم الكثير، مع إلقاء الضوء على أعمال كاد النسيان أن يطويها.
ينطبق على كتبه عبارة العقاد “أشتات مجتمعات”؛ ففي معظمها مقالات مُجَمَّعة، منها الذي سيبقى ومنها ما هو أشبه بيوميات ثقافية، تؤرخ للحالة الثقافية في مرحلة ما، وله مقالات ممتعة مثل مقالته عن مفارقة السجن والحرية في كتابه “في الأدب والنقد”، ومتابعته لما تخرجه المطابع من ترجمات جديرة بالتقدير.
اشتغل ماهر شفيق بالترجمة وهي مهنة جاحدة تأكل سنين العمر، فلقد استغرق ستة وثلاثين عامًا في جمعه مواد كتابه عن المقالات النقدية لإليوت، وقبلها ترجمة قصائد إليوت في مجلدين على صعوبة ترجمة الشعر، فالشعر أكثر الفنون عنادًا في محليته على حد تعبير إليوت، وإن كان يفضل طريقة تحرير المترجمة القديرة سلمى الخضراء الجيوسي في تكليف أحد المترجمين العرب بترجمة القصيدة حرفيًا إلى الإنكليزية، ثم تعهد بها إلى شاعر بريطاني أو أمريكي ليتولى إعادة صياغتها*.
ويؤكد على ما يسميه “الرحم الثقافي للنص”، ويقصد به السياق الاجتماعي والثقافي للنص الأدبي، وحرصه على أمانة نقل النص المترجَم، وحاجة المترجِم إلى فهم هذا الرحم الثقافي تعينه على نقله إلى لغته الأم، فلقد نبَّه على ألوان سوء الفهم لإليوت.
وهو حريص على إنعاش الذاكرة الثقافية العربية قصيرة الأجل وتقديره لترجمات عبد العزيز توفيق جاويد مترجم كتاب “معالم تاريخ الإنسانية” لـ .هـ. ج. ويلز، فهو ينبهنا أن المناخ الفكري العام من حولنا لا يشجع على ما أخذ به عبد العزيز نفسه وأقرأنه من الجد الصارم والحفاظ المر، والخلق الوعر.
سيرة ماهر تذكرنا بفضيلة القراءة، وهي ذات الفضيلة التي نبَّهنا إليها في مقالته عن نجيب محفوظ فيقول: “ودرس محفوظ هو درس الالتزام والانضباط والنظام: فلقد نأى بنفسه عن الفوضوية البوهيمية التي يعمد إليها الكثير من الفنانين، واختط لحياته نهجًا صارمًا يعرف قيمة الوقت، ويعكف على القراءة المستمرة”.
فقد عمل دون جزاء أو شكور غير الرضا الذي يستمده العامل الأمين مع المتعة العقلية والروحية وإعمال الذهن، في ظل عامية أساتذة الجامعات.
*مجاب الإمام ومحمد عبد العزيز. الترجمة وإشكالات المثاقفة، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2014.
-مارون عبود، رواد النهضة العربية الحديثة.
ذكَّر الأستاذ عبد الله الهدلق في مقالة له بعنوان “ببيلوغرافيا إعادة الذاكرة” بالصلاة للمنقطعين، عند ذكر مارون عبود، وهذه سنّة حسنة، بإعادة التذكير بأصحاب الموهبة والأبداع، رغم قلة الأضواء.
منذ عدة سنوات حضرتُ في كلية الآداب مناقشة لرسالة ماجستير عن الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت، ما لفت نظري في الإعلان، وجود اسمين؛ الأول هو الدكتور محمد عناني، مترجم شكسبير وملتون وبايرون إلى العربية، والثاني الدكتور ماهر شفيق فريد مترجم إليوت. توقعت أنني لن أستطيع الحديث مع الأستاذين وسؤالهم لأن طلبة الدراسات العليا سيلتفون حولهم فور الانتهاء من المناقشة يستفسرون منهم على بعض المسائل في التخصص، لكني كنت ساذجًا، فلم أجد لمَّة ولا يحزنون، بل حفاوة من الأساتذة بالمناقشين وزهد من الطلاب، تناقشت مع الدكتور عناني، مما أتذكره من هذا النقاش إعجاب عناني بكتب صلاح عيسى المهتمة بالتاريخ الاجتماعي، وإعجابه بكتاب صلاح عيسى عن ريا وسكينة وأنه قرأه في يوم وليلة.
بداية تعرفي على ماهر شفيق فريد كانت مقدمة محمد عناني لترجمته لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد؛ إذ قال عنه: “ولابد أن أسجل بالعرفان شكري لصديق العمر، العلامة والناقد الكبير والأديب ماهر شفيق، الأستاذ في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، فهو حجة هذا الجيل في الدراسات الأدبية والنقدية… خصوصًا لتشجيعه لي على المُضيِّ في الترجمة وتحمُّل مشاق هذا النص العسير”.
يحكى عناني تفاصيل صداقتهما في سيرته الممتعة “حكايات في الواحات”، قمتُ بعد ذلك بمتابعة ما يكتب ماهر وما ترجمه، والرجل يتمتع بالعديد من الفضائل؛ منها فضيلة القراءة طويلة النفس، فهو قادر أن يشير إلى مصادر بالعربية لا يفطن لها باحث الإنترنت المتعجل، كمقالة منزوية في مجلة من الستينيات أو ترجمة لم يُعَد نشرها. وهو محب للقارئ المتذوق؛ ففي إحدى مقالاته يذكر مقاطع من رواية لصنع الله إبراهيم، ثم يذكر بعض ما اختاره بأرقام الصفحات دون اقتباس، ويقول لن أوردها هنا، حتى يعود إليها القارئ بنفسه.
صادفني خبر طريف عن دكتور مسيحي يستدرك آية من القرآن في إحدى الندوات العامة، ولم يكن هذا الدكتور إلا ماهر شفيق، فهو شديد الشغف باللغة العربية، ففي مقدمة كتابه “قراءات شتى” يحكى أنه شغوف باللغة العربية، فهو لا يكف عن مراجعة المعجمات ودوائر المعارف القديمة، فهو ابن مخلص للغة الضاد، عربيته تمتاح من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وما أعقبه، ومن لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف (هكذا كتب)، ومن آثار الكُتَّاب والمنشئين من فلاسفة وفقهاء في شتى عصور العربية، وحبه للعربية مصدره شعوره ببؤس الحياة الثقافية الحالية، فأدباء العربية المعاصرين ينتجون في أحسن الأحوال شيئًا ليس بجيد ولا رديء ولكنه بين بين.
يتابع كاتبنا ما يصدر في الدوريات البريطانية والأمريكية الأدبية منها على وجه الخصوص، ومشاهداته عن الحياة الثقافية في لندن مما رأى وسمع، وهو صاحب نَفَسٍ ببيلوغرافي، فهو الذي جمع أكبر ببيلوغرافيا إنجليزية عن نجيب محفوظ، وببيلوغرافيا طويلة عن إليوت، وببيلوغرافيا عن مجدي وهبة وتوماس هاردي في العربية و التفكيكية، ومقالته عن كتابات إبراهيم ناجي النثرية وبورخيس في الثقافة العربية، ولا يمكن أن نتجاهل جُمَلَه الاعتراضية الجميلة، والعبارات القصيرة التي يتوقف عندها؛ ففي مقالة عن وحيد النقاش ينقل عبارة وحيد عن أحد كتب يحيى حقي فيقول: “إنه كبعض المظاهر الطبيعية ظل يتكون ببطء على مر الزمن”.
أما عن المنقطعين الذين نسيهم الناس في دنيا الأدب، فلقد جمع مختارات لميخائيل نعيمة، ومي زيادة، ومحمد مصطفى بدوي، وفخري أبي السعود، ووحيد النقاش شقيق الناقد المعروف رجاء النقاش، وغالب هلسا، وسامي خشبة وغيرهم الكثير، مع إلقاء الضوء على أعمال كاد النسيان أن يطويها.
ينطبق على كتبه عبارة العقاد “أشتات مجتمعات”؛ ففي معظمها مقالات مُجَمَّعة، منها الذي سيبقى ومنها ما هو أشبه بيوميات ثقافية، تؤرخ للحالة الثقافية في مرحلة ما، وله مقالات ممتعة مثل مقالته عن مفارقة السجن والحرية في كتابه “في الأدب والنقد”، ومتابعته لما تخرجه المطابع من ترجمات جديرة بالتقدير.
اشتغل ماهر شفيق بالترجمة وهي مهنة جاحدة تأكل سنين العمر، فلقد استغرق ستة وثلاثين عامًا في جمعه مواد كتابه عن المقالات النقدية لإليوت، وقبلها ترجمة قصائد إليوت في مجلدين على صعوبة ترجمة الشعر، فالشعر أكثر الفنون عنادًا في محليته على حد تعبير إليوت، وإن كان يفضل طريقة تحرير المترجمة القديرة سلمى الخضراء الجيوسي في تكليف أحد المترجمين العرب بترجمة القصيدة حرفيًا إلى الإنكليزية، ثم تعهد بها إلى شاعر بريطاني أو أمريكي ليتولى إعادة صياغتها*.
ويؤكد على ما يسميه “الرحم الثقافي للنص”، ويقصد به السياق الاجتماعي والثقافي للنص الأدبي، وحرصه على أمانة نقل النص المترجَم، وحاجة المترجِم إلى فهم هذا الرحم الثقافي تعينه على نقله إلى لغته الأم، فلقد نبَّه على ألوان سوء الفهم لإليوت.
وهو حريص على إنعاش الذاكرة الثقافية العربية قصيرة الأجل وتقديره لترجمات عبد العزيز توفيق جاويد مترجم كتاب “معالم تاريخ الإنسانية” لـ .هـ. ج. ويلز، فهو ينبهنا أن المناخ الفكري العام من حولنا لا يشجع على ما أخذ به عبد العزيز نفسه وأقرأنه من الجد الصارم والحفاظ المر، والخلق الوعر.
سيرة ماهر تذكرنا بفضيلة القراءة، وهي ذات الفضيلة التي نبَّهنا إليها في مقالته عن نجيب محفوظ فيقول: “ودرس محفوظ هو درس الالتزام والانضباط والنظام: فلقد نأى بنفسه عن الفوضوية البوهيمية التي يعمد إليها الكثير من الفنانين، واختط لحياته نهجًا صارمًا يعرف قيمة الوقت، ويعكف على القراءة المستمرة”.
فقد عمل دون جزاء أو شكور غير الرضا الذي يستمده العامل الأمين مع المتعة العقلية والروحية وإعمال الذهن، في ظل عامية أساتذة الجامعات.
*مجاب الإمام ومحمد عبد العزيز. الترجمة وإشكالات المثاقفة، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2014.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق