الجمعة، 13 مارس 2015

عصارة الأيام

"في هذا الكتاب سأحاول أن أعرض آرائي حول الموضوعات التي حظيت بالنصيب الأوفر من اهتمامي خلال سني حياتي، ولكن النتائج التي توصلت إليها كانت مبعثرة في دماغي كحطام سفينة مفككة في بحر لا يستقر موجه، وبدا لي أنني لو رتبت هذه الأفكار على نحو ما؛ لاستطعت أن أدرك قيمتها الحقيقية وأتوصل إلى نوع من الربط بينها“.
سومرست موم، عصارة الأيام
يوضح هذا الاقتباس الغاية من سيرة سومرست موم، والتي أسماها “الخلاصة”، واختار لها المترجم العربي عنوانًا أدبيًا فأسماها “عصارة الأيام”، وهي السيرة التي كتبها بعد أن تجاوز الستين من عمره، بعد تأجيله المتكرر لهذا العمل؛ ففي الشباب تمتد السنوات أمام العين متطاولة حتى يصعب على الشاب أن يدرك أنها ستنقضي يومًا ما، وفي منتصف العمر يسهل اختلاق المعاذير لتأجيل الأعمال، ولكن لا بدّ من أن يأتي يوم ونحسب للموت حسابًا، وبنظرة في جريدة التايمز وعمود الوفيات وجد موم أن سن الستين سن غير صحيحة إلى درجة بعيدة، وخاف أن يداهمه شبح الموت قبل أن يكتب الكتاب/الوصية.
في هذا الكتاب يفارق الكاتب عادته الطويلة وراحته من التحدث من خلال المخلوقات الأدبية والفنية إلى الحديث الذاتي الخاص، فجاء الكتاب قطعة فنية تنضم لأعمال سومرست الروائية والقصصية؛ فهو تعبير عن خبرته و ملابسات حياته بقلم رشيق وصور بديعة، حرص مترجمه حسام الخطيب، ذلك المترجم القدير، أن ينقلها بأمانة وبحرفية عالية ويحافظ على حيوية النص وقربه من القارئ.
كان موم مولعًا في شبابه بالقراءة في الميتافيزيقا؛ إذ وجد فيها صحة لروحه، كما يفيد الجسم من حمَّام الصباح، على حد تعبيره. وموم ينفر من اللهجة الوعظية أو الخطابية، فلقد ورث داء الشك، ولم يكن لديه يقين الوعاظ، وما يميز طريقة موم أنه لا ينعزل ليكتب، بل يعيش الحياة الحقيقية للناس، ويجد في هذه الحياة مادة لما يكتب، أو مادة للتأمل والتفكير؛ فهو يقول إن الغرض من الحياة هو ممارسة الحياة وكفى.
ويميز  سردَ موم حالةُ الألفة التي تنشأ بينه وبين القارئ، فكأنهما في مقهى هادئ يحكي فيه موم ذكريات عجوز  رأى الكثير من ألوان الحياة، وموم يبدو أنه يعتذر عن نسيانه للعديد من الذكريات الهامة؛ ففي الصفحة الأولى من المذكرات يندم على عدم تسجيله لليوميات بعد نجاحه ككاتب مسرحي، وفي هذه الفترة  نعم بمصاحبة الحكام والساسة المبرزين في المجتمع، لكنه وجد أمرهم عجيبًا، فحديثهم أبعد ما يكون عن العذوبة وذكاؤهم قلَّما يكون متوقدًا، ومعلوماتهم العامة وثقافتهم دون الوسط بكثير.
فما سر قيادتهم للناس؟ السر في ذلك يرجع إلى قدرتهم على سلب عقول الجماهير في المجتمعات الديمقراطية، لا لذكائهم ولا قوة تفكيرهم. وهو يفتش في هذه السيرة عن بعض الدوافع، فيعجب للحماسة التي يبديها الناس لمقابلة المشهورين في عصرنا للتصوير معهم، ويرى أن هذا الحرص فيه شعور نقص من الإنسان، ويجد صعوبة في تصوير حياة المشهورين في أعمال فنية وأدبية؛ لأنهم يحرصون على وضع أقنعة تخفي حقيقة أنفسهم أمام الجمهور، فهذه المخلوقات فريدة لدرجة أنها لا تصلح قاعدة للعمل الفني لأنه يستحيل إضفاء الواقعية عليها، وهو يجد في الشخصيات العادية مادة ثرية للكتابة الأدبية، فعامة الناس لم يتعرضوا لعيون الجماهير  فلا يخطر لهم أن هناك ما يجب أن يخفوه، وهم يكشفون تصرفاتهم الغريبة، لأنه لم يخطر لهم يومًا بأنهم غريبون.
وهذا الرأي يذكرنا بعبارة بيجوفيتش عن الفن عندما قال: “المعنى النهائي للفن أن يكتشف الخصوصية الإنسانية في الناس الذين أساءت إليهم الحياة، وأن يكتشف النبل الإنساني عند أناس صغار منسيين في خضم الحياة”.
وصراحته تأسر القارئ؛ فهو لا يتواضع ذلك التواضع الكاذب، بل يقول: “عليّ أن أكتب كما لو كنت رجلًا ذا شان، وأنا كذلك عند نفسي، مع أنني لا أنسى أنني إنسان غير ذي خطر أبدًا، وهو حكم يمليه المنطق السليم، وما كان للعالم أن يصيبه تغير كبير لو أنني لم أوجد”.
كذلك ثمة لفتات جميلة عن حياة الإنسان والمجتمع، وموم ينقل لنا أفكاره الخاصة بمفهوم التمتع بالحياة، فهو يرى أن وضع تصميم للحياة قد يعرضنا للقضاء على البداهة، أو يجعلنا نعيش في المستقبل أكثر مما ينبغي. كما يحكي معاناته مع تلك العادة في التفكير فيما هو خارج اللحظة الراهنة، فيقول إنه ما من مرة عبر فيها من ميدان (بيكاديلي) في قسمه الجنوبي، إلا وفكر فيما يجري في شماله، محاولًا أن يقبض على اللحظة الراهنة بكل السبل، لكن هيهات !
وكاتبنا يعبر عن عدم ندمه على أخطائه، بل يعد لها الفضل في تعليمه التسامح مع الآخرين، مع التحفظ في نشرها على الناس، كما في ما يسمى الاعترافات، فهناك شؤون كثيرة خاصة به يرغب في أن تظل خاصة، وما من أحد يقول الحقيقة كاملة عن نفسه، فما يمنع الناس من رؤية الأمور بغير زاويتهم الخاصة، ما هو إلا نقصًا في الخيال، وعندما عمل موم في الطب ورأى معاناة الناس انتبه بأن خرافة كون المعاناة والفقر تعلم الإنسان الصبر كما يحلو لسينما الأغنياء تصوير الفقراء في عصرنا، ما هي إلا وهم، فالمعاناة لم ترفعهم فوق الرجال بل خفضتهم، وكتب يومئذ أن المرء لا يتعلم الجلد والصبر عن طريق معاناته الخاصة، بل من معاناة الآخرين.
خلاصة الكتابة
ورث موم الخط الرئيس في حياته من العصر الفيكتوري؛ إذ كان الناس يصرّون على وضع خطة للحياة يوجهون خطاها على هديها، كانوا يحبون الأشياء المرسومة المرتبة ويكرهون التشتت والسير على الهوى، ومن هنا حدد موم هدفه في بداية حياته بأنه يريد أن يصير كاتبًا، يحترف الكتابة، لكنه واجه مشكلة في إعلان هذا الحلم أو الأمنية، فلم يجد طريقًا إلا احتراف الطب، سيضطر لترك الطب بعد ذلك ليتفرغ للكتابة، لكنه أفاد من خبرة ممارسة الطب في كتابته الأدبية والفنية بعد ذلك، فهو يرى أن أفضل تدريب للكاتب هو قضاء بضع سنوات في ممارسة الطب، لما يفتحه هذا العالم من تبصرة بطبيعة الإنسان عاريًا من الأقنعة.
وفي شهادة موم عن تجربته مع الكتابة ملاحظات لطيفة، فلم يخطر له إلا وهو على أعتاب العقد السادس من عمره، بأن الكتابة فن لطيف يكتسب بعرق الجبين، وهو يفكر بأن رأسماله الأصلي في شبابه كان ضئيلًا قبل أن يغذيه بالاكتساب الفكري والتدريب.
وفي بداية حياته كتب كتابًا عن الأندلس بعنوان: “أرض العذراء المباركة”، وفي نهاية عمره يشعر بسخافة هذا الكتاب؛ “لأن المؤلف كان إنسانًا آخر نسيته تمامًا”، على حد قوله، ولا يعده إلا تمرينًا على الأسلوب، بسبب بلاغته المتكلفة، وعدم وضوح شخصيته فيه، وبسبب النعوت الغنائية الكثيرة.
وقصة موم مع الكتابة قصة تدريب طويل، وممارسة يصف فيها بعض كتبه بالجمود والكتابة المستهجنة، ولا يخجل أن يحكي مراحل تطور كتابته، بل إن موم لجأ إلى تنويع الفنون التي كتب بها؛ فمن الرواية إلى القصة إلى المسرح، إلى السيرة الذاتية، وقد أكمل موم كتابته بالتخلص من الكتابة المثقلة بالزخارف اللفظية والنعوت، ووجد في فن القصة برقية طويلة مسهبة، حذفت منها، رغبة في التوفير، كل كلمة لا يؤثر حذفها في وضوح المعنى.
الوضوح أول صفة للكتابة في رأيه، فهو لا يطيق أولئك الكتاب الذين يطلبون من القارئ أن يبذل جهدًا ليفهم معانيهم، ويرى في بعض كتابات الفلاسفة الكبار في جمعهم بين العمق والوضوح دليلًا على صحة طريقته، كما يوضح أن غموض الكُتَّاب يرجع إلى الأهمال، ولموم عبارة جميلة يقول: “وفي أغلب الأحوال يكتب الناس بغموض لأنهم لم يكلفوا أنفسهم قط مشقة تعلم الكتابة بوضوح”.
وعلى القارئ ألا ينخدع بجمال الجرس الموسيقي في الكتابة، فيتجاهل القارئ البحث عن المعاني، بسبب طغيان الكلمات، ويحذر من الكتابة بأسلوب فخم عن الامور التافهة، وهو يرى أن الكتابة ببساطة تحتاج إلى جهد ونظام قاس.
ولقد خفتت الكتابة التراجيدية بسبب المرح وانتشار السخرية وقوة الاحتمال وخشونة المشاعر، كل هذه الامور قللت وهج التراجيديات والنغمة الرومانسية الغنائية للقارئ المعاصر، فالعالم أصبح مكانًا للعيش أكثر راحة، والنثر الجيد في اعتقاده ينبغي أن يكون، كلباس الرجل الأنيق، مناسبًا ولكن غير متكلف، وعلى الكاتب أن يكون ذا حسٍّ مرهف أكثر من مزاج قارئه ليشعر بمواضيع الضيق قبل أن يشعر بها القارئ، وبذلك يجمع موم في فكرته عن الكتابة بين الوضوح والبساطة وعدم التكلف والحرص على الجرس الموسيقي، مع طابع الحيوية، والكتابة الجيدة ينبغي أن تبدو كأنها بنت مصادفة سعيدة، وهو يسأل الكاتبة كوليت التي تبدو كأنها لم تبذل أدنى جهد في الكتابة، فتقول له إنها تقضي صباحًا كاملًا في كتابة صفحة واحدة.
أما عن قيمة الثقافة لديه، فتكمن في تأثيرها على الشخصية، وهي لا تساوي شيئًا ما لم تَسْمُ بالشخصية وتمدها بالقوة. إن فائدتها مرتبطة بالحياة، وهدفها الخير لا الجمال، ولا يرى قيمة في قراءة ألف كتاب ما يفوق فلاحة ألف حقل، أو إصلاح سيارة، وهو يرى في المثقفين سخفًا عندما يعتقدون أن معرفتهم وحدها هي ذات الشأن، فالحق والخير والجمال ليست من احتكار القراء المنغمسين في المكتبات أو المترددين على المتاحف.
سومرست موم كاتب يتمتع بعين الروائي والقاص، فحين كان يرى عظماء الأرض مترفعين في مجالسهم، كان يفكر هل يتاح لهم في هذه اللحظات أن يذكروا كيف يملأ عقولهم فراغ وحدتهم؟ وهل يزعجهم، يومًا ما، التفكير في الأسرار التي تنطوي عليها نفوسهم المتأبية؟
وقد هالهُ تناقض الإنسان في دوافعه في الحياة والعيش بالرغم من ذلك في انسجام عجيب، وكثيرًا ما سأل نفسه: كيف توجد في الإنسان نفسه صفات لا يجمعها أي جامع؟
إنه شغوف بالبحث في المناخ الإنساني، ويكتب ذلك بلغة جميلة بعيدًا عن أشواك الوعظ، أو النبرة التعليمية، بل بألفة الصديق. لن أنصح القارئ بشيء في النهاية، إلا بأن يجد فرصة لمقابلة سومرست موم في عصارة أيامه، فلو لم يجد الفائدة، سيجد المتعة الجميلة في الحكي من رجل تجاوز الستين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق