"والعلة
أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص… وغاية
الرسالة أن تقاوم السياسة بثقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة
الأمة بتوضيح الطريق“.
أحمد حسن الزيات في افتتاحية العدد الأول من مجلة الرسالة، 15 يناير 1933.
شرعت في قراءة مقالات أحمد حسن
الزيات وتصفح الرسالة (1933- 1953)، مع أحد الرفاق الذي أدين له بهذه
الفكرة، ودور مجلة الرسالة في تاريخ الصحافة الأدبية مشهود له من الأدباء
الكبار، ودورها في إثراء الحياة الأدبية والتعريف بالكثير من شباب تلك
الحقبة لجمهور القراء.
ففي السيرة العذبة لمحمد عفيفي
مطر “أوائل زيارات الدهشة: سنوات التكوين” فصل عن المعلمين في المدارس
المصرية، أطلق عليهم “سلالة النور”، مما لفت انتباهي تلهفهم لعدد الرسالة
يوم الثلاثاء، وما حكاه عفيفي مطر عن سيره لعدة كيلومترات لكي يحصل على عدد
الرسالة، وينقل قصيدة محمود حسن إسماعيل وينعم بوجبة غداء دسمة مع أستاذه.
ولا أملك وأنا أقلب صفحاتها
الأصلية، وأرى فهرسها الفاتن بكل هؤلاء الأعلام، إلا الشعور بألق الماضي
وسؤال الخلود، وجلال العمل الفني، وجزالة اللغة، وصفاء العبارة ونصاعة
الفكرة، وبيان الهدف الجلي من الكتابة كعمل رسالي، يجمع بين المتعة
والفائدة، مع روح الصدق في الإبانة عن النفس، مع التنبه مع كل ذلك خطورة
الغرق في الحنين، فعادة الكاتب الشاب حينما يكتب أن يتصور أن الماضي أفضل،
دون دليل أو برهان.
الرسالة أرشيف جيل
تمر الأسماء وأقرأ في توالي
العناوين والحوادث تاريخ البلد وذاكرة الأمة، أضحك مع المازني، وأرى بدايات
شاكر الخجولة ودفاع سيد قطب عن أستاذه العقاد. مع تنوع الترجمات عن اللغات
الشرقية والغربية، فهناك أشعار مترجمة لطاغور، وأشعار لإقبال، وقطع من كتب
نيتشه ترجمة فيلكس فارس، وتحقيقات تاريخية عن الأندلس لمحمد عبد الله
عنان، وغيرها الكثير.
وطبيعة الكثير من المقالات من
نوع المقالة الأدبية الذاتية، وفي هذا النوع الأدبي متعة ولذة للقارئ لظهور
شخصية الكاتب، فهو أقرب للمناجاة وحكايات التجارب، فالكاتب يبدأ المقالة
بحكاية ذاتية ثم يناقش فكرته، ففي مقالة لمحمد عوض محمد عن فتاة بريطانية
تعرضت له أثناء دراسته في جامعة لفربول تسأله: ما هي روح الإسلام؟ فيحكي
قصته مع هذا السؤال، ويتمتع القارئ بنقاش مميز.
وآفة الصحافة الأدبية أنها
أصبحت أخبارًا وتقارير موضوعية باردة جافة. في إحدى ذكريات طه حسين، يحن
إلى زيارة الأزهر مع مجموعة من رفاقه، فيكتب مقالاً يبث فيه الشوق للحركة
القديمة في المسجد بعد أن أصبح بلا حس ولا حركة ولا دروس علمية.
الزيات مهندس البيان والتراجم الشخصية
أما مقدمة رئيس تحرير المجلة
أحمد حسن الزيات فهي من أرقى الكتابات، ولغته النثر المنغم، ففيها اقتباس
من القاموس، وتلاحظ عنايته بالجرس الموسيقي والأوابد المتقنة، وتتعرف فيها
على التراجم الشخصية الكاشفة عن أوجه النبل في أعيان صدر القرن العشرين، في
مصر وأقطار العروبة.
مع ملاحظات من صنف النقد العالي
للشخوص الأدبية والسياسية، وتبيان ملامح تصلح لأن تكون مفاتيح للشخصيات
كعادة مفاتيح العقاد، مع قصر في العبارة واكتناز في الفكرة وطول نفس في
تأمل طباع الناس وحياة الأمم.
ففي تحليله لما تبقى من إرث شعر
حافظ إبراهيم عقد موازنة أدبية لا تظلمه ولا تنكر فضائله بينه وبين غريمه
شوقي، فيقول: “شوقي شاعر العبقرية، وحافظ شاعر القريحة. وتقرير الفرق بين
الموهبتين هو تقرير الفرق بين الرجلين”، ثم يسهب في الشرح.
وكذلك في مقالته عن المتنبي وعن
جهود أحمد زكي باشا في خدمة التراث، وعن ترجمته لحياة الشاعر العراقي جميل
صادق الزهاوي وصداقته معه في بغداد، وعن الصف الدراسي الذي قضاه محمد عبده
في جنيف في مقالة يحكي فيها دقائق مجهولة عن حياة الإمام، طبقًا لرواية
أحمد لطفي السيد منبهرًا بطرائق التعلم الغربي مقارنًا بينها وبين تخلف
الأزهر في تلك الحقبة، وفي التعبير عن الحوادث الإنسانية لشخوصه لتكاد
تتحرك بك العبرة، فلما وقف على محنة الآنسة مي زيادة في مرضها وحبسها في
دار المجانين، بعد أن دوخت المثقفين برقة حديثها، ولطف معشرها، وعذوبة
مجالسها القاهرية الرقيقة، انقلبت بها دراما الزمن الذي يصلح للروايات
ويقسو على الأحياء تصوره.
فلقد غشيها إغماء لثلاثة أيام
وهي في بيتها لا يعلم عنها أحد، حتى فطن إلى ذلك بواب المنزل، فأبلغ أمرها
إلى الشرطة. كانت السنوات الأخيرة من حياة مي كما يقول الزيات مأساة يرتاع
لها الضمير ويلتاع لها القلب.
الرافعي مقاتل لآخر نفس
وأما عن رثاء الزيات للرافعي
وحديثه عن أمله في آخر كلماته، وهو يرسل له مقالته والتي ستكون المقالة
الأخيرة، وهو عازم أن يكمل الجهاد ويصمد في حملة التطهير كما أسماها،
فالرافعي طبقًا لهذه الرواية مات وهو مرابط على ثغر أدب العرب ولغة القرآن،
يقول الزيات: “كان الرافعي يكره موت العافية فمات به: أرسل إلي قبل موته
الفاجئ بساعات كتابه الأخير يشكو فيه بعض الوهن في أعصابه، وأثر الركود في
قريحته؛ ويقترح علي نظامًا جديدًا للعمل يجد فيه الراحة حتى يخرج إلى
المعاش فيقصر جهده على الأدب؛ ثم يسرد في إيجاز عزائمه ونواياه، ويعد
المستقبل البعيد بالإنتاج الخصب والثمر المختلف؛ ويقول: إن بنيتي الوثيقة
وقلبي القوي سيتغلبان على هذا الضعف الطارئ فأصمد إلى حملة التطهير التي
أريدها”.
رحم الله الرافعي كان يملك
عزيمة المجاهد، وقلب المكافح في ميدان الكتابة، ورثاء الزيات للهراوي يصلح
هنا. يقول: “كل حي فان، ولكن فناء الحي الذي طبع وجوده في القلوب والعيون
والكتب والأمكنة، تحدّ لهذه الحقيقة”.
في هامش بإحدى مقالات الرافعي
مدح للملك فؤاد. لا تتخيل الناس على مثال الملائكة، فالإنسان أسير من يحسن
إليه. كتب الرافعي في رثاء الملك فؤاد، ثم وجدت في الهامش ملاحظة من تحرير
المجلة، فقد أحسن فؤاد إلى الرافعي، وطبع كتاب “تحت راية القرآن” على
نفقته، حتى الملوك فيهم خير.
الرسالة والخلود
وإنك لتشعر بحزة في نفسك و بسؤال لضمير الزمن عمن يختارهم للبقاء في ذكراه ومن يتجاهلهم؟ فلا تجد قاعدة!
وتفكر في قضية الخلود، وأنت ترى
في باب الوفيات بابًا عظيمًا من الأسماء اللامعة في أوقاتها خفت ذكرها
ونسيها الناس، وقل الاحتفاء بها وبكتبها الآن، وتتذكر قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}.
يحكي محمود محمد شاكر في حوار
مع الإذاعة الكويتية عن ذكرياته مع الرسالة فيقول: “هذه هي مجلة الرسالة
تراها وراءك ترى فيها أقلامًا ورجالًا، مئات الأسماع من الشام والعراق
كتبوا فيها، ومن العجب أن لا ترى أحدًا منهم مذكورًا بعد ذلك، مع أن لبعضهم
بدءًا من أجمل البدء، ولم يبق ممن كتب في الرسالة إلا عددًا محدودًا…
ولصدق كثير ممن كان يكتب فيها، كان لها تأثير بالغ على كثير من رواد الأدب
المحدثين”.
وهكذا تلعب المجلة، والتي تقع
نسختها المصورة في 40 مجلدًا، دورًا في تسجيل روح العصر، بحكاياته المهملة
في تلابيب الذاكرة البعيدة. الملاحظة الأهم هي قيمة هذه المجلة في باب
التاريخ الاجتماعي، ففي صفحاتها تأريخ لحوادث السياسة وعادات المجتمع.
كانت مجلة الرسالة رسالة بحق،
تشتغل في مجمل إنتاجها برفع الذائقة، كانت خلاصة أو ريحان جيل، له ما له
وعليه ما عليه، لكنه ترك لنا وثيقة يحكي فيها عن نفسه، فوجب الرجوع ومراجعة
أفراحه وأتراحه لعل مشاكلنا ما زالت لم تبارح مشاكل العقد الثالث من
بدايات القرن الواحد والعشرين.
ختامًا، في ربيع عام 1933 كتب
الزيات مقالًا بعنوان: “في الربيع”، يقول فيه: “وفي الربيع تتقد حمية
العروبة في العرب، فتسمع اليوم في فلسطين والشام أبناء الشعب الخالد، ووارث
المجد التالد، يصرخون صراخ الأسود، في راقد العدل أن يستيقظ، وفي غائب
الحق أن يثوب”. كأني بصدى صرخة الزيات من الثلاثينيات إلى يومنا، وغزة تضرب
والأقصى يحاصر والسوريون يحافظون على آمال الثورة المنهكة.
تابعت أخبار اقتحام الجامعة
أثناء كتابة المقال فهالني هذا التتابع العنيف من اعتداء الدولة على الشباب
في الجامعات، مع خبر إضراب بعض المعتقلين عن الطعام، وفكرت أيأكل البلد
أبناءه؟ وتذكرت عبارة يحيى حقي في قصته “قنديل أم هاشم”: “وكلما زاد حبه
لمصر، زاد ضجره من المصريين” لكنه ليس ضجرًا، بل غضبًا.
لم أبعد عن مادة مقالي، فالزيات
بطلنا اليوم يرسل برقية في نهاية مقالة لشباب العراق ومصر في عام 1933
ويقول: “والشباب في العراق كالشباب في مصر منذ سنين، يحاول القائمون على
أمره أن يربوه تربية الدجاج: ينقنق دائرًا بين الحب والماء، ويبحث في الأرض
ليذهل عن السماء، ويأبى الشباب إلا أن يكون طيرًا يحتقر القفص، ويقتحم
الجو، ويسمو إلى الغاية والغد على كل حال يومه”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق