الجمعة، 13 مارس 2015

انكسار الروح

عن الشباب..
وهذه الفترة من السن عصيبة؛ فالإنسان فيها صغير السن بالنسبة لأحلامه ورغباته، كبير السن بالنسبة لتحقيق أي منها. وكلُّ شخص في هذه الفترة ينشد التغلّب على قلقه بأن يُصبح قويًّا بفضل ممارسته للحياة، وبأن يُحصِّن نفسه بالنسبة لما تأتي به الحياة مما لا طاقة له به، وأسفي لعدم بلوغي عشر سنوات أكبر من سني ليحفظني الكِبَر مما يضطرم في نفسي من ثورات، أو لعدم كوني في سن أصغر عشر سنوات حتى لا يهمني شيء ويكون كلُّ شيءٍ عندي على حد سواء..“.
محمد ميشا سليموڤيتش، رواية “الدرويش والموت”
الجرح النرجسي لجيل الثورة
يمر بي طيف من الحزن، أو مسحة ضيق في بعض الليالي، يحدث ذلك لزيادة التفكير وتوالي الأخبار السياسية التي تحول الضحايا وحياتهم إلى أرقام، والتي حولت العديد من الناس إلى متابعين فقط لما يحدث من جرائم الطغاة، ونقل شحنة غضب غير فعالة لا تفيد.
هذا التعرض الدائم لنكد السياسة، أخفى عن الناس متعة سير الحياة وتنوعها، وجعلهم أشخاصًا أحادي البعد، مقابل ذلك النموذج يوجد مذهب آخر، وهو المذهب الأناوي (من الأنا) بالتمتع بمباهج الحياة والترف، والتخلي التام عن حمل الرسالة، أو لنقل الزهد في فهم قضية استخلاف الإنسان على الأرض.
أعرف جيدًا ما يضطرم في نفس الشاب، وأدرك عواصف التفكير التي ينال الشاب منا كفايته في مقتبل حياته، خصوصًا مع جيل تشرب الأمل الثوري بالتغيير، ثم رأى خيبة بعدها بصعود الثورة المضادة، نحن في صف واحد، أبناء جيل واحد، لكني أخاف من جيل الغضب، من جيل التمركز حول لحظة أسطورية أو ملحمية، كالثورة مثلاً، أو كما حدث مع طلاب الحراك الجامعي في مصر نهاية الستينيات والسبعينيات، كأن الحياة أصبحت هي الجامعة، لحظة لم يتم تجاوزها، لذلك ظل الحنين إليها حنينًا طفوليًّا، دون قدرة على تحمل مسئولية الحياة الكاملة خارج أبواب الجامعة. ستكون الحياة عزيزة عليك في أن تجمع أنصارًا مؤمنين بفكرة كما في الجامعة -طلبة ليس لديهم ما يخسرونه-.
يقل أنصار القضايا والرسالة مع التورط أكثر في تفاصيل الحياة اليومية، لذلك كانت محاسبة الإنسان لنفسه دائمًا، لكي يراجع ما قدم، ولو بحس الاهتمام المؤرق. قلت لصديقي منذ عدة أيام إن وجود أرق السؤال قد يكون عذرًا، وإن العمل البسيط الذي قد يتبع هذا السؤال قد يكون معذرة إلى ربنا، في حدود طاقتنا وحياتنا.
الثورة وعصر الجماهير الغفيرة
يقول جلال أمين في كتابه عصر الجماهير الغفيرة: “كان جدي يرى الإصلاح في حكم المستحيل، ورآه أبي ممكنًا والمطلوب إصلاحه في نظره هو حال المسلمين، ورأيته أنا أيضًا ممكنًا، وكان في نظري إصلاح مصر وعلى أحسن الأحوال حال العرب، ورآه ابني مستحيلاً… يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأن ابني قد عاد إلى النقطة التي بدأ منها جدي، وهي الاعتقاد بأن الفرد منا أتفه و أعجز من أن يحدث تغييرًا مهمًّا في نظام المجتمع ناهيك عن نظام الكون”.
هناك من الشباب من أعادت الثورة وموجة أحياء الحلم تعريفهم لذواتهم، وصعود الثورات المضادة ولد ردة فعل عكسية، إما بالغرق في السياسة أكثر، أو الزهد في العمل العام، حالة الزهد التي قد تصل للقرف من المجتمعات التي قبلت بالاستبداد، وقبلت بما يقدمه لها الإعلام، مشاعر متخبطة لمفهوم “الشعب أو الجماهير الغفيرة” بين شعور الوقوف في وجه الظلم، وبين شعور دعهم لموعدهم مع الطغاة، بالقبول المستمر لتعرض الإنسان لأخيه الإنسان من قتل أو تعذيب.
رغبة مستمرة أشهدها من رفاقي للسفر وترك مصر البلد الطاردة، أتذكر جلسة بعد ثورة يناير بعام أثناء حكم المجلس العسكري، لم ينقطع فيها الأصدقاء عن حكي مواقفهم في أيام الثورة وفي الأيام التي لحقتها من المظاهرات، كل هذه الذاكرة المشحونة بالمواقف الحدية التي يقترب فيها الإنسان من مصيره ومن الموت، إلى أين تذهب؟
هل سيدفن طبيب الميدان ذاكرته، وشهود العيان عما حدث في محمد محمود والقصر العيني؟ الذاكرة التي كلما جاءت مذبحة جديدة تغطي على المذبحة القديمة، رابعة والنهضة والحرس الجمهوري ومحمد محمود والقصر العيني ومجلس الوزراء وماسبيرو… أخاف أن يحدث لنا عطب جماعي في ذاكرة الجيل، لكل ما يشهده من الدم!
في الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة عن سيارات الترحيلات، فكرت في خيط الدماء المتسلسل بين أعلى القيادات إلى أصغر رتبة لمجند في كتيبة الأمن المركزي، كل هذا الظلم، معاناة الشعور بالخجل من موقف النظام المصري مما يحدث في غزة، وتأكيد شباب شعروا لمدة عام تقريبًا أن بيدهم هم لا بيد عمر، التعبير عن آرائهم السياسية، البراءة من موقف الحكومة، لعبة عبثية، حكومة يجب أن تمتثل لرغبات المحكومين، وإعلام يخدم رواية السلطة، ويجعل الضحية هو القاتل، تشوية متعمد، ينتج عنه نفور من قلة الوعي والجهل الحاد في المجتمع، نعيد فيه فهم طبيعة عصر الجماهير الغفيرة المستهلكة للمواد التي تبثها الشاشات دون وعي، بعد عقود من الجهل في المدارس.
في أحد النقاشات صك صديقي مصطلحًا لطيفًا “الدروشة الثقافية”، كان يقصد به كما فهمته الحالة الهروبية التي ظهرت بين كثير من الشباب، ومن مظاهرها التحلق حول الحديث عن الكتب والفن والأدب، دون مشاركة اجتماعية من المثقف لقضايا أمته. كان يتحدث عن انعزال المثقف في برج وترف الاهتمامات، دون فعل أو حركة دينامية في المجتمع، الآن أفكر في مسؤولية المثقف، في تعكير صفو السلطة.
كيف نخفف ثقل الشعور بأن الفرد أتفه وأعجز من أن يحدث تغييرًا في المجتمع؟
عندما أقرأ بيغوفيتش خصوصًا في مذكرات السجن “هروبي إلى الحرية”، تعلق في ذهني هذه الفكرة: في الأوضاع “الحدية” يبذل الإنسان جهده لتحسين العالم، ومع ذلك فسوف يظل هناك أطفال يموتون بطريقة مأساوية، مجاعات وحروب، وتدافع بين الناس، وما حيلة الإنسان إلا التقليل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيظل الظلم والألم مستمرّين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيه، سيظل الخير والشر.
ومواجهة الإنسان لهذا الأمر تتراوح بين التمرد والعدمية، وبين التسليم لله والاعتراف بالقدر، والصمود والصبر، والتسليم لله هو قوة الأمل؛ فالطريق إلى الله يفتح نور التكافل بين البشر بعضهم بعضًا.
والتحلي بما يسميه تشارلز مورجان “الشجاعة الخلقية للحياة”، ومواجهة صروف الدهر، والتجلد على نوائب الزمان. يقول الشاعر الشجاع عمرو بن معد يكرب:
كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ… بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا
ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْت… ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا
أَلْبَسْتُهُ أَثْوابَهُ… وخُلِقْتُ، يومَ خُلِقْتُ، جَلْدا
مجالدة أكثر، مع شيوع روح تتحدث عن خيبة الآمال، ولا أستطيع أن أخفي وقوعي في فترات تطول أو تقصر، في مرحلة السير في الضباب، وافتقادي دفء الأمل، وبحثي عن حلم جيلي بالتخلص من الطغاة، طمأنينة أكثر بأن بلادنا أحق بنا، بدلًا من أن يكون ما يشغلنا تأشيرة سفر وتذكرة لطائرة إلى أي منطقة في العالم، إلى بلاد تساند القضايا العادلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق